“النجاة في الصدق” .. كورونا المصداقية العملية

0

قال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}.
مما يميز الدين الإسلامي انه دين الصدق، إذ أنه قد أولى أهمية كبيرة في تعاليمه وأحكامه للصدق، وجعله مقدسا وحث الناس على الالتزام به، وجعله مقياساً للتفاضل، وعلى أساسه يكون الثواب والجزاء وذلك نلاحظه من كثرة النصوص الدينية التي تحث على الصدق، إذ قد جُعل الصدق هو شرط الإيمان: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.
كما جاءت روايات أهل البيت، عليهم السلام، لتحثنا على الصدق مرة أخرى، وتأمرنا به، وتؤكد لنا بأن النجاة تكون فيه، فيا ترى ما أهمية الصدق وما تأثيره على حياة الإنسان وما دوره في المجتمع؟

[.. ما يميز الدين الإسلامي انه دين الصدق، إذ أنه قد أولى أهمية كبيرة في تعاليمه وأحكامه للصدق، وجعله مقدسا وحث الناس على الالتزام به، وجعله مقياساً التفاضل ..]

في تتبع النصوص الدينية وقراءتها والتمعن فيها نعرف أهمية الصدق ودوره في حياة الإنسان والمجتمع، إذ أن “الصدق ينجي والكذب يردي” وذلك بأن “جُعلت الفضائل كلها في صندوق وجُعل مفتاحه الصدق” كما أن “الخبائث جعلت في صندوق وجعل مفتاحه الكذب”.
فإذا أراد أن الإنسان أن يتحلى بالفضائل ويتمتع بها فلابد له من الصدق، فالصدق يمنع الإنسان من الرذائل والخبائث، كما يمنعه من ارتكاب المعاصي، فذاك الشخص العاصي الذي جاء إلى رسول الله يطلب منه النصيحة للإقلاع عن الذنوب، وكان يشرب الخمر ويزني ويرتكب ذنوبا أخرى، فقال له رسول الله: “لاتكذب” وكررها عليه الرسول ثلاث مرات، وهكذا ذهب وهو لم يقتنع، وكان يحدّث نفسه: “ما علاقة الكذب بشرب الخمر”؟!
ولكنه همَّ بأن يذهب ليشرب الخمر فتذكر وصية الرسول، فقال مع نفسه: “ماذا لو شاهدني أحد المسلمين وسألني إلى أين تذهب وماذا تصنع؟ بماذا سأجيبه والرسول قد أوصاني بأن لا اكذب، فرجع ولم يشرب الخمر، حتى لايكذب، وهكذا كل ما همَّ بمعصية تذكر وصية الرسول فارتدع عنها، حتى أقلع عن الذنوب والمعاصي تماماً.
فالصدق يؤدي بالإنسان إلى إصلاح سلوكه وأفعاله وحياته، إذ أن الصدق هو: “مطابقة الأقوال مع الأفعال” فمن يقول شيئاً فلابد أن يكون قد طبقه بسلوكه، فإذا التزم الجميع بالصدق، سينصلح حالهم وبالتالي ينصلح المجتمع إذ أن من أهم عوامل تقدم المجتمعات هو التزامها بالصدق، فإذا انعدم الصدق في تعامل أبناء المجتمع مع بعضهم البعض فأنهم لا يستطيعون التعايش ولا التعاون وبالتالي يصبح المجتمع متفكك متناحر، لا يثق واحد بالآخر، وهكذا فإن هذا المجتمع يحكم على نفسه بالزوال والانحدار.

لابد للمجتمع الذي يريد النهوض والتقدم أن يلتزم بالصدق ويربي أبنائه منذ الصغر على قيم الصدق لأن “النجاة في الصدق

فلابد للمجتمع الذي يريد النهوض والتقدم أن يلتزم بالصدق ويربي أبنائه منذ الصغر على قيم الصدق لأن “النجاة في الصدق”.
فمدى التزام أبناء المجتمع بالصدق يظهر عند الأزمات، فمن تعلّم الصدق من صغره وجعله قيمةً مقدسةً فإنه سيصدق في كبره عند الابتلاءات والأزمات. ولكن من تعلم على الكذب وهو طفل، وذلك عندما يطرق الباب ويذهب ليفتح الباب فيقول له ابوه إذا سألك احد عني فقل له والدي غير موجود، فهذا الطفل عندما يكبر وعلى سبيل المثال فإنه إذا كان في ظل أزمة الكورونا، وعاد من السفر من بلد موبوء فإنه بالطبع سيخفي ذلك، ولن يقول الحقيقة لأنه قد تعلم ذلك من صغره.
وكذلك الطفل الذي في المدرسة ولم يؤدِ واجباتها المدرسية، ويسعى مع أصدقائه لتدبير عذر للمعلم من أجل الخلاص من العقوبة، كذلك إذا كان في حظر التجوال والحجر الصحي ولكنه خرج لغير ضرورة فإنه يختلق الأعذار التي ليس لها صحة ويبرر خروجه للمسؤولين عن تطبيق الحظر، وهو يظن أن في الكذب نجاته! ولكنه مخطأ النجاة تكون في الصدق. ففي الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وآله قال: “تحرّوا الصدق و إن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة و اجتنبوا الكذب و إن رأيتم أن فيه النّجاة فإنّ فيه الهلكة”
فالتلميذ الذي يبرر لمعلمه ويكذب عليه يظن أن في الكذب النجاة ولكن الحقيقة غير ذلك، لربما ينجو في لحظته، ولكنه يهلك نفسه ومستقبله وذلك بأنه سيتعلم التبرير دائما فلايسعى لأن يكون مجتهداً في دراسته، فيكون كسول وفاشل في حياته، وكذلك الذي يخفي مجيئه من بلد موبوء أو يبرر خروجه غير الضروري قد ينجو في ساعته ولكنه يُهلك نفسه ويهلك الآخرين معه، بمساعدته على انتشار الوباء مما يفتك بالمجتمع وذلك كله سبب كذبة صغيرة يعدها صاحبها، ولكن لو أنه قال الحقيقة لنجى ونجى الآخرين معه، إذ أنه لربما يحجر عليه فيعالج ويتشافى ولا يسبب العدوة للآخرين.
فما أروع الدين الإسلامي الذي يريد الخير والصلاة والنجاة للإنسان لذلك أوجب الصدق واثاب عليه لما فيه نفع للإنسان، وحرم الكذب وعاقب عليه لما فيه ضرر للإنسان.