الانتفاضة الشعبانية.. الشموخ أمام التدخلات الأميركية الخائبة

1

ذهب مع مقربين له الى ميعاد خاص في ظروف غاية في الحساسية والخطورة في مدينة البصرة، ليلتقي شخصاً ينتسب الى أحد الاحزاب الاسلامية للتباحث في أمر تفجير صاعق الانتفاضة الشعبانية.
و لأنه لا يعرف ذلك الشخص، سوى تعريفه بأنه من “المجاهدين” وأنه ثقة، شدّ اللثام على وجهه، وكان الشخص الزائر ملثماً ايضاً.
دار حوار قصير، عرّف الشخص نفسه والجهة التي ينتمي اليها، وماذا يريد فعله، وماذا يطلب من الآخرين للتضامن معه.
وهذا كان حلقة من سلسلة حلقات ثورية داخل العراق تجمعت لتشكل السلسلة التي شدّت الخناق على صدام ونظامه على حين غفلة، وكلهم أمل في استثمار لحظة الانهيار العسكري الرهيب بعد هروب الجيش العراقي من الكويت في شباط 1991، للتخلص من هذا النظام الذي زجّ بالعراق والعراقيين الى كوارث ومآسي لا تُعد.

  • الانتفاضة خالصة النوايا والدوافع

اذا كان شخص صدام ذو العلاقة القديمة بالساسة الاميركان منذ سبعينات القرن الماضي، يعرف ويتابع التحركات الاميركية ومواقفهم في المنطقة، فان الشعب العراقي لم يكن في هذه الاجواء، فهو بالكاد كان يبحث عن متنفس يعيد اليه الحياة بعد توقف الحرب العراقية – الايرانية، عام 1988، لذا كان الزمن يمر عليه بسرعة، وهو يسارع لانجاز ما عجز عنه في سنوات الحرب، من البحث عن فرص عمل، وبناء، وزواج، وسفر، وغيرها من النشاطات، فاذا استنبط صدام من كلام السفيرة الاميركية في بغداد آنذاك، ابريل غلاسبي، أن الاميركيين لن يتدخلوا في شؤون الدول العربية –كما ادّعت ذلك السفيرة الاميركية في لقاء خاص معه- وأخذه ضوءاً اخضر لغزو الكويت، فان الشعب لم يعتمد على أية اشارة او ضوء أخضر، كما يدّعي البعض ممن كانوا يحملون صفة “المعارضة العراقية” بأن جورج بوش الأب علق على أول شرارة للانتفاضة الجماهيرية في البصرة بأن “لو قتل صدام لن نذرف الدمع عليه”.

ما حصل في الانتفاضة الشعبانية بضوء أخضر اميركي وتنفيذ واتفاق غير مكتوب مع صدام، يبقى وصمة عار في سجل السياسة الخارجية الاميركية مدى الزمن …

دوافع المنتفضين في البصرة وفي سائر مدن الجنوب والوسط، كانت خالصة، نقية، في نواياها ودوافعها، فهذه الانتفاضة سجلت للشعب العراقي نقطة مضيئة مزقت كل التصورات والاحكام في سالف الزمان بحق هذا الشعب، بأنه غطّ في سبات عميق، ولن تقوم له قائمة تحت ظل حكم صدام، والأنكى، أن البعض راح يصدر أحكاماً قاسية بأن رضى العراقيين عن صدام هو اساس بقائه في السلطة، متغافلين عن حقيقة الرعب والموت الذي حوله صدام الى منهج للقيادة، وتحويل العراق الى “منظمة سرية”، لا وجود للقيم والمبادئ بين الناس وافراد المجتمع، سوى الطاعة، والتنفيذ دون نقاش او تردد.
أثبت الشعب العراقي، ولنحدد؛ الغالبية الشيعية في الوسط والجنوب، في هذه الانتفاضة، أنه لا يمتّ بصِلة الى نظام صدام مطلقاً، ويتحين الفرص للتخلص من كابوس الرعب والكبت والإذلال، ومن هذه الفرص غزو الكويت التي وجدتها الشريحة الواعية في المجتمع بانها بداية النهاية لصدام، ولن تستقيم له الأمور بعد غزو دولة تعد لأميركا وللغرب من أهم مصادر النفط.
وكانت هزيمة الجيش العراقي من الكويت بالشكل المفجع والمأساوي، طعنة جديدة في جسد الشعب العراقي من ذاك الطاغية المقبور، فقد تحول الطريق السريع بين الكويت والبصرة الى مقبرة لمئات العجلات والدبابات والناقلات، وأيضاً لآلاف الجنود المنسحبين على أثر العمليات العسكرية التي قادتها اميركا مع دول متحالفة معها، وفي منظر مريع لا ينساه التاريخ العسكري الحديث، كيف أن طائرات حربية لاحقت الجنود العراقيين على هذا الطريق لاقتناصهم بكل سهولة موقعة آلاف الضحايا، ومن نجا ووصل الى البصرة روى لأهلها ما لاقاه من كارثة انسانية رهيبة، الامر الذي دمر جدار الخوف عند أهالي البصرة مرة واحدة، وتحولت بنادق الجنود العراقيين الى المقار الحزبية والدوائر الحكومية.

أثبت الشعب العراقي، ولنحدد؛ الغالبية الشيعية في الوسط والجنوب، في هذه الانتفاضة، أنه لا يمتّ بصِلة الى نظام صدام مطلقاً، ويتحين الفرص للتخلص من كابوس الرعب والكبت والإذلال

 

  • “عراقيون” و حصان طراودة الأميركي

ما يزال الباحثون في حيرة من أمرهم أمام ظاهرة عقلية –إن جاز التعبير- في بعض المحسوبين على العمل السياسي في العراق بشكل خاص، وفي منطقة الشرق الاوسط بشكل عام، توجه اصحابها الى سلوك غريب في التعامل مع الجهات الخارجية لحل مشاكلها الداخلية، فبالرغم من تجارب النكول والغدر والخذلان، نرى قناعة هؤلاء “الساسة” بتلك الجهات وهي في الأغلب الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ خمسينات القرن الماضي، حيث بدأت في تلك الفترة بالتخطيط والبرمجة لصياغة منهج العلاقات مع الشعوب والحكومات في الشرق الاوسط، بأنها هي المنقذ والمخلص من مشاكلها السياسية.
نسوق أمثلة سريعة في هذا السياق؛ مصر السادات التي تذوقت مرارة الهزيمة في حرب تشرين (اكتوبر) عام 1973، بعد أن كادت تحقق النصر الساحق على الكيان الصهيوني، وذلك بعد أن اقامت واشنطن جسراً جوياً بين قواعدها العسكرية وبين اسرائيل لمدها بكل ما تحتاجه من معدات وذخيرة لمواجهة الجيش المصري، مع هذه الهزيمة، نرى السادات يلتمس عطف وزير الخارجية الأميركي الأسبق –اليهودي- هنري كيسنجر، لأن يتوسط لدى الاسرائيليين بعقد معاهدة سلام معهم لإعادة صحراء سيناء الى مصر، وغضّ الطرف الى الأبد عن الضفة الغربية وقطاع غزة التي كانت على وشك تحريرها من قبل الجيش المصري.
والمثال الثاني، الأكثر إثارة في كردستان العراق، عندما خذل نفس الوزير الأميركي، الكُرد الطامحين للحصول على حقوقهم –كما يقولون- من نظام حزب البعث العراقي، وبعد معارك ضروس وإراقة دماء الآلاف من الكرد والعرب في هذه المعركة الخاسرة أواسط سبعينات القرن الماضي، فجأة وعلى حين غرّة، قرر البيت الأبيض سحب يده من دعم الكرد، بإيعازهم الى عميلهم ومنفذ قراراتهم آنذاك؛ شاه ايران بايقاف الدعم العسكري واللوجستي عن المناطق الكردية، مما جعلهم وحيدين أمام القوات العراقية، وحصل ما حصل من حملات إبادة وتهجير وتنكيل، انتقم فيها نظام حزب البعث من الكرد أشد انتقام، مع ذلك؛ يأتي اليوم الذي يلتمس فيه الكرد مرة أخرى من البيت الأبيض برئاسة جورج بوش الأب، عام 1991 ليضغطوا على صدام بأن يتخلّى عن المناطق الشمالية وينسحب ليحضوا بمنطقة آمنة لهم في المدن الرئسية الثلاث؛ اربيل والسليمانية ودهوك.
والأكثر غرابة ما نسمعه من شخص مسعود البارزاني وهو يستذكر، في احاديث صحفية، كيف أن الاميركيين خذلوهم في سبعينات القرن الماضي، وتركوهم لوحدهم امام نظام صدام، لتنتهي بذلك ما كان يسمى بـ”الثورة الكردية” بشكل مأساوي مريع.
وما جرى من عمليات قمع دموي وإبادة ومطاردة شرسة ضد كل من يشبه بمشاركته في الانتفاضة الشعبانية، أمر وأفضع مما لاقاه الكرد وغيرهم من الخذلان الاميركي، فبعد اسبوعين من اندلاع الانتفاضة فوجئ العالم بقرار البيت الأبيض رفع الحظر الجوي عن نظام صدام لمساعدته على قمع الانتفاضة من خلال المروحيات العسكرية التي لولاها لما تمكنت القوات المدرعة من التقدم نحو المدن المحررة من قبل المنتفضين، والمثير في الأمر، أن كل هذا حصل، والقوات الاميركية كانت ما تزال في الاراضي العراقية، وهي قادمة من مهمتها الاساس لتحرير الكويت، فكانت تتفرج على تحليق المروحيات العسكرية وهي تقصف مواقع المجاهدين، وتمهد الطريق للدروع والدبابات لاقتحاح المدن، ثم تقوم الوحدات العسكرية والمخابراتية بحملة اعتقالات ومطاردات لم يسلم منها إلا من غادر العراق.
مع كل ما جرى وحصل، يبدو أن البعض لا ينظر الى السياسة الاميركية بشكل عام إلا وهي النموذج للحياة الطيبة، وان الساسة الاميركان المنقذين من الديكتاتورية والظلم والتخلف، فهم يمنحون الحرية والديمقراطية والنظام والقانون للشعب العراقي، حبّاً بهذا الشعب! ولكن الأيام هي التي كشفت حقيقة السياسة الاميركية مرة أخرى، وليست التسريبات الاعلامية، عندما أعطت الضوء الأخضر هذه المرة لتنظيم ارهابي –تكفيري مدعوم سعودياً، ليجتاح الاراضي العراقية قادماً من سوريا ويسحق ليس فقط الحجر والبشر، وإنما يسحق اتفاقية “الإطار الاستراتيجي” بين العراق واميركا، وتتضمن توفير الاخيرة للحماية من المخاطر الخارجية، وكيف يخفى تحركات عناصر داعش عن أعين الاميركيين، إن لم نقل قربهم اللصيق من المشهد آنذاك، ولسنا بوارد ذكر المجازر والمآسي التي حصلت بسبب هذا الاجتياح، وكيف أن الشعب العراقي دفع ثمناً باهضاً لإلحاق الهزيمة بهذا التنظيم وتطهير اراضيه من هؤلاء؟
ما حصل في الانتفاضة الشعبانية بضوء أخضر اميركي وتنفيذ واتفاق غير مكتوب مع صدام، يبقى وصمة عار في سجل السياسة الخارجية الاميركية مدى الزمن، فهي التي دعمت الفصائل الافغانية المسلحة في ثمانينات القرن الماضي بذريعة مساندة “الحرية”، بينما كانت تنظر الى “المجاهدين” كأداة لكبح جماح الاتحاد السوفيتي في الشرق الاوسط آنذاك، وهي التي شنت الحرب على نظام صدام بحجة مزدوجة وماكرة؛ امتلاك صدام لاسلحة الدمار الشامل، لذرّ الرماد في عيون المجتمع الدولي، والحجة الاخرى؛ تصدير الديمقراطية الى العراق، و”أن العالم والعراق بخير من دون صدام”، والحجتان عبارة عن وهمٌ وسراب، لأن الغاية القصوى للاميركيين في العراق هي قتل تلك الروح الثورية والإصلاحية في نفوس الشعب العراقي والتي استلهموها من النهضة الحسينية الخالدة، فهذه الروح من شأنها صياغة شخصية انسانية ومجتمعية قادرة على صناعة الوعي والتقدم في المجالات كافة بما يصعب على أكبر قوة في العالم من السيطرة عليها.