واقعنا من صنع ايدينا.. فكيف نشارك في صنعه؟ (*)

0

خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون ضمن سنن، وهو ما يسمى اليوم بالقانون، أي أن هذا أن كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون خُلقت ضمن قانون خاص بها، وأي تعدٍ لهذا القانون تكون النتيجة الاصطدام به، وبالتالي تترتب على تلك المخالفة نتائج سلبية، فسائق السيارة الذي يخالف اشارة المرور، فإنه يخالف قانون من القوانين العامة لانظمة السير، وهنا لابد من أن يعاقب، فإما أن تُحجز سيارته لايام، أو يُغرم أموالاً، وكل دولة لها قوانيها الخاصة بها، وهذا إنما شُرّع لردع المخالفين حتى لا تعم الفوضى، ويعيش الناس حياة الحيوانات، وشريعة الغاب.
كذلك فإن الله تعالى حينما خلق الكون، وابدع الخلق جعل القوانين والانظمة التي تضمن للناس السعادة في الدارين، الدنيا والآخرة، فأرسل الرسل والانبياء، والذي كان دورهم بيان هدفية الخلقية، ونقل التعاليم الالهية إليهم، وتلك التعاليم تمثل البيان الكامل والواضح للسنن والقوانين الكونية، بالإضافة الى ارشاد الناس لما فيه صالحهم دنيويا وأخرويا، وايضاح عواقب الاعمال بشقيها، الخيّرة والشريرية.

  • هل بيئتي متكافئة مع البيئات الأخرى؟

لابد من طرح سؤال مهم وهو: ما هو المعيار في تحديد أن هذه البيئة متكافئة، والأخرى غير متكافئة؟
وهل يكفي حكم العقل بذلك؟
وهل لابد أن تكون بيئتي متساوية مع البيئات الأخرى؟
لا أحد ينكر أن العقل له رؤية في تقييم الامور التي تجري على مسرح الحياة، فالعقل يرفض الظلم والقتل والنهب والحرب، وجميع ممارسات البغي، ويعتبرها شراً، ونحن إذ نعيش في دولنا العربية والاسلامية، وما يكتنفها من حروب وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، كل هذا جعل نظر الكثير أننا نعيش في إتون الشر المطلق، وأن بيئتنا غير صالحة للعيش كما يصورها البعض!.

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

بهذه الصورة رسم البعض صورةً قاتمة عن بيئته، وأنها الشر كل الشر، دون أن يحمل نفسه، او المجتمع الذي يعيش فيه مسؤولية نتاج هذه البيئة، ولذا يدخل البعض في اشكالات قد تصل الى عدم عدالة الله في وضع الناس في بيئات مختلفة.
قُسمت الشرور الى قسمين؛ كونية وبشرية، فالشرور البشرية (الاخلاقية)، هي ما كان للبشر يد فيها، بشكل أو بآخر، فالحروب التي تشتعل بين فئة وأخرى، والحصار الذي تُطبقه دولة على أخرى، إنما هو من فعل البشر انفسهم، وإذا عدنا الى اصل كل حرب أو صراع فإن مصدره حب السيطرة والسطوة على الآخر، وهنا كان لابد من نشوب هذه الحرب وما تخلفه من تبعات بشرية واقتصادية، أما الشرور التكوينة، فهي تطلق على الزلازل والبراكين والفيضانات..الخ.
والفقر والمرض انما جاء نتيجة طبيعية للأخلاق البشرية المنحرفة، فالفقر مثلا ليس كائنا من خلق الله تعالى، وإنما هو غياب نعمة المال، فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليرحمهم لا ليعذبهم، وإذا عدنا الى بداية المقال، نجد أن الله وضع القوانين والسنن لكل شيء، حتى في الرزق، فمن يسعَ يحصل على رزقه، وهذا ما يسمى ” بقانون السعي”، لذا فإن الامم التي تطورت صناعيا، إنما كان نتيجة سعي ابناؤها الى الجد والعمل الدؤوب، أما الأمة اوالشعب الخامل، الذي جلّ اهتمام ابناؤه بما يأكلون ويشربون، فهل نتوقع منه النهوض والتقدم؟
وعادة الصنف الثاني نتيجة عدم تحمله للمسؤولية، تراه يُلقي باللائمة تارة على الظروف المحيطة، وتارةً أخرى على الوضع الاجتماعي السائد، بل قد يتجرأ البعض ويقول أن الله غير (عادل)، بأن خلقنا في هذه البيئة.!

  • الانسان وعلاقته بالشرور المحيطة

إن كثيراً من الشرور التي نجدها اليوم على الكرة الارضية، إنما هي بفعل البشر انفسهم، فآيات القرآن الحكيم، وروايات النبي وأهل بيته، عليهم السلام، صريحة في هذا الشأن، يقول تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، فمن ينكر هذه الحقيقة، فهو كالذي يريد  حدب ضوء الشمس بكف يده، فالعالم اليوم الذي يعيش شبح الكورونا الذي حصد الى حد الآن ما يقارب الأربعين ألف نسمة خلال شهر، بينما يزداد عداد المصابين ، فالاحصائية الاخيرة تقول أن أكثر من ثمان مئة ألف شخص حول العالم مصابون به، والعدد في اطراد.
والفساد له اتجاهات كثيرة، فالظلم الاجتماعي بشتى انواعه الاسرية والفردية، له دور كبير في خلق الشرور والبلاءات، فأكل حقوق الغير دون وجه حقٍّ يعتبر من أشد انواع الظلم، ولذلك ورد في الروايات الشريفة، أن الله تعالى يغفر (بعض) الذنوب التي بينه وبين العبد، إلا الحقوق فإنها تحال الى صاحبها ليعفو ويصفح.

بنظرة متدبرة الى واقع أي مجتمع، تجد أن ما يعمله الانسان يكون نتاج ذلك العمل سواء كان خيرا أم شرّاً

يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله: “بين الجنة والعبد سبع عقاب، أهونها الموت، قال أنس: قلت:
يا رسول الله فما أصعبها؟ قال: الوقوف بين يدي الله عز وجل إذا تعلق المظلومون بالظالمين”. فقد يكون الإنسان ظالما ولو لم يملك الإ اهله، فيظلم من هو ادنى منه.
ويقول الإمام علي،عليه السلام: “ليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين (المظلومين)، وهو للظالمين بالمرصاد”.
في المقابل يَعدُ الله عباده، أنهم لو اتقوا لفتح عليهم بركات السماء والأرض، يقول تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}، فالايمان والتقوى هو الرجوع الى الدستور الإلهي، فالله الذي خلق الخلق، هو اعرف بما يصلحهم وما يفسدهم، ولهذا فإن الأخذ بالتعاليم السماوية هو الذي يجعل الانسان يتقدم في شتى الميادين، التربوية، والعلمية، والصناعية، يقول الله تعالى : {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}.
بنظرة متدبرة الى واقع أي مجتمع، تجد أن ما يعمله الانسان يكون نتاج ذلك العمل سواء كان خيرا أم شرّاً.

—————————————

  • مقتبس من محاضرة للشيخ سلام العسكري في رابطة فذّكر الشبابية