نحتاج ثورة داخلية

0

بماذا نفسر عمل ذلك الرجل الكبير في السن، من سكنة مدينة الحلّة (محافظة بابل)، وهو يحمل التراب ليسد به ثغرات وحفراً في شارع عام، ثم يسكب عليه الماء ويسوّيه مع الارض حتى لا يشعر سائقو السيارات بوطأة المطب، وما أكثرها في شوارعنا؟لا اعتقد انه يحتاج لشهرة فيسبوكية او على التواصل الاجتماعي، لان لحيته البيضاء وحماسته وكلماته العفوية بانه «سيجعل من الحلة جنّة»، تعبر عن شعور راقٍ بالمسوؤلية الأبوية إزاء ابناء مجتمعه، وكان بامكانه الجلوس مثل أقرانه، يقضي ساعاته وايامه بالحديث المكرور عن الازمات والمشاكل، وتكرار الكلام السلبي عن هذا وذاك، بيد أنّه فَضّل «ان يوقد شمعة بدل إطلاق اللعنات على الظلام»، وذلك بالثورة على الواقع الفاسد الذي يعيشه هو.
جميلة هي الافكار والنظريات ذات المخرجات الايجابية، مثل؛ الأمل، والإصلاح، والتغيير، بيد ان الخطوة اللاحقة نحو التنفيذ على ارض الواقع هي الأهم، فهل نبقى نتهم، ونطالب، ونحن لا نبرح مكاننا قيد أنملة، كما لو أن كل شيء حولنا على خطأ، إلا المكان الذي نقف فيه فهو على صواب!
ان البطولة الثورية لذلك الرجل الحلّي، في تحطيمه «الحاجز النفسي المقدس» لدى البعض، وتقدم بكل رحابة صدر ليقول بانه أول من يغير الواقع السيئ، بانتظار شخص آخر، ثم اشخاص آخرين داخل هذا المجتمع المطالب بالإصلاح والتغيير من حكومته.
الجماهير العراقية – ونحن معهم – نطالب الحكومة بتشييد المدارس والمستشفيات وشق الطرق المعبدة، وتغذية العراق بأسره بالطاقة الكهربائية غير منقوصة، وفي نطاق أوسع؛ إعادة الحياة الى الزراعة والصناعة والانتاج وتحقيق – ولو نسبة – من الاكتفاء الذاتي، فهل كل هذا وغيره، هل يمثل حالة مستمرة في الحياة؟ فهل تبني الحكومة المباني وتعبد الطرق الى ما لا نهاية؟! أم ان الناس والاجيال هي التي ستتعاقب على هذه الصروح التي تخلفها الحكومات، وهي التي تقرر كيف تساهم في إنجاح هذه المشاريع بالمحافظة عليها والتفاعل معها؟
فاذا كنا نتحدث عن مطالبنا بإكساء الشوارع الترابية – وما أكثرها – في عموم البلاد، ففي المنطقة القريبة من مكان عملي (مجلة الهدى) ثمة حفر كبيرة ومثير للدهشة وسط الشارع المعبد حديثاً، وعندما سألت عن السبب، قيل انها من أثر تجمع المياه المهدورة من كسر انبوب امام احد البيوت، فالماء يجري منذ ايام طويلة، وربما اسابيع، فتجمع وتسبب في احداث هذه الحفر وسط الشارع وامام انظار الساكنين في المنطقة والمارة.
في الدول المتقدمة والناجحة بالعالم، تتقدم الثقافة على السياسة، فالقوانين والتشريعات التي أفادت في تحقيق التقدم الصناعي والتقني في العالم الغربي، وارتقت بحياة الانسان الى مستويات راقية نحسدهم عليها، إنما جاءت بعد نضوج فكري وثقافي لدى هذا الانسان الغربي، وبعد أن عرف كيف يفكر؟ وكيف يتصرف مع المحيط الاجتماعي، ومع المال والثروة، وحتى مع الوقت، وغيرها من شؤون الحياة.
مثال ذلك؛ مفهوم الليبرالية التي نظّر لها مفكرو الغرب، وتشعبت الى؛ سياسية واخرى اقتصادية، فان الانسان هناك استقبلها فوراً، ليصنع من الحرية الفردية، تجمعات سياسية ونقابات واحزاباً، وثقافة التظاهر والاعتراض والضغط على الحكومة، كما صنع من الحرية الفردية في الليبرالية الاقتصادية، مختلف السلع والمنتجات التي تغزونا منذ حوالي قرن من الزمن وما تزال، ولكن؛ هذه الليبرالية لو تسللت الى قوانين بلادنا، فان البعض سيصنع منها التعرّي والتحلل من الالتزامات الاجتماعية، الى جانب فوضى السوق والتجارة، وإن كان ثمة نية لممارسة الحرية السياسية، فان السب والشتم والتشهير وبعض الممارسات العنيفة تكون سماتها المميزة.
إن الشعب الواعي على أهمية النظافة العامة، والبيئة، والحفاظ على الممتلكات العامة، والالتزام بالقوانين والقيم الاخلاقية، هو الذي ينتج حكومة ومسؤولين على شاكلته.