يسألني الأصدقاء عن مدى صبري واستقامتي بالاستمرار بالكتابة في ظل تحديين في الوقت الحاضر: أحدهما داخلي؛ المَلل وقلة الصبر على المعلومة والحقيقة، والآخر خارجي؛ اقتحام الصورة والمعلومة السريعة والمكثفة بسلاح الموبايل الزهيد الثمن، والجواب المختصر نستوحيه من الحاجة المعرفية والفكرية غير المعلنة مثل كثير من الحاجات الكامنة في نفس الانسان تبقى حبيسته دون ان يجد المنفذ او الفرصة لإظهارها، ولعل زيارة الأربعين تكون إحدى الفرص المتاحة لتلبية هذه الحاجة لمعرفة المزيد من تفاصيل القضية الحسينية، ثم الدور المطلوب منّا اليوم.
ببركة دماء الشهداء طوال مسيرة التصدي للجور والظلم منذ أول شهيد في العهد الأموي، وحتى آخر شهيد في العهد البعثي –الصدامي، وفي العهد التكفيري، أتيحت الفرصة للقراءة والتعلم والتعرف في مدرسة الامام الحسين، عليه السلام، من خلال المطبوعات المنتشرة في المواكب الخدمية على طريق المشاة، وفي دخل مدينة كربلاء، مع الإشادة بدور المنبر والاعلام الحسيني في نشر قيم ومبادئ النهضة الحسينية الى المؤمنين في جميع ارجاء العالم، إنما الكلمة المقروءة لها وقعها الخاص في النفس، وبصمتها الغائرة في القلب، ومن هنا جاءت التأكيدات الوافرة من المعصومين بتلاوة القرآن الكريم، والأدعية المأثورة، والزيارات، وتحديداً الزيارات الخاصة بالإمام الحسين التي دونها بالدرجة الأولى الامام الصادق، عليه السلام، وأكثرها أهمية ومحورية في العقيدة والفكر والسلوك؛ زيارة الأربعين.
فأن تقف قبالة مرقد الامام الحسين في مدينة كربلاء المقدسة، وانت تتلو زيارة الأربعين، له من التأثير العميق في النفس، وعلى المدى البعيد أكثر من أي خطاب آخر تتلقاه من صورة او مقطع يصفه الاعلاميون مهنياً بأنه “سندويجي” سريع الهضم! بيد أنه لا يروي غليل الفكر والثقافة لما يفيد الانسان في حياته اليومية كما تفعل زيارة الأربعين التي تحدد لنا سبب نهضة الامام الحسين، ودوافع تضحيته بدمه الشريف: “لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ”. ويا له من هدف رسالي عظيم أن يكون دم سبط رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ثمناً لغاية سماوية بأن ينقذ العباد –وليس المسلمين او شيعة أهل البيت فقط- من الجهالة، والكلمة التي اختارها الامام الصادق بعناية لها دلالاتها العميقة، فالجهالة؛ تعني الحالة المستمرة، وليس الجهل كمفردة عامة جامدة، وايضاً؛ “حيرة الضلالة”، وهي علاج لمشكلة مركبة؛ الحيرة، والضلالة، والضلالة هنا جاءت كحالة مستمرة، او لنقل فايروس حيّ ينمو وينتشر في الاجسام المريضة والهشّة.
من هنا صارت زيارة الأربعين إحدى علامات المؤمن بتقرير من الامام الحسن العسكري، عليه السلام، فالزيارة ليس فقط الحضور البدني ضمن مواكب المشاة، والمرور بالطرق البعيدة، إنما المكمّل لها قراءة هذه الزيارة بتدبّر وتمعّن لاستلهام الدروس والعِبر لإيجاد المصاديق العملية للنهضة الحسينية في حياتنا اليومية، وتحديداً في علاقاتنا الاجتماعية، وفي طريقة تفكيرنا وسلوكنا، وتقييمنا للاشياء.
