أحداث العوامية والقطيف قراءة في أداء الجهاز الأمني والمؤسسات الإعلامية.. والموقف الشعبي

أحداث العوامية والقطيف قراءة في أداء الجهاز الأمني والمؤسسات الإعلامية.. والموقف الشعبي

للباحث: مالك السعيد، ناشط حقوقي سعودي

فهرس المحتويات

1. الملخص

2. المقدمة
3. مداهمات جهاز الأمن السعودي في العوامية مارس 2017
4. الترهيب الرسمي.. سيناريو يتكرر
5. العنف الحكومي في مواجهة المطالب الشعبية
6. غايات النهج الأمني

7. مدى استقلالية الاعلام السعودي ومصداقيته تجاه أحداث القطيف
8. دور جهاز مباحث الداخلية في الأحداث
9. حقيقة الجرائم التي تتذرع بها السلطات السعودية لاقتراف الانتهاكات
10. مقتل مصطفى المداد واختطاف القاضي محمد الجيراني
11. مساءلة أدلة الإدانة لـ “مطلوبي” العوامية؟
12. كيف ينقسم أهل القطيف في آرائهم تجاه هذه الأحداث؟
13. الآثار النفسية التي خلفتها الأحداث على حياة الناس
14. محاولة السلطات إشعال النزاعات بين الجماعات بمحافظة القطيف
15. الخاتمة والتوصيات

1.الملخص

تكرر وقوع الضحايا المدنيين أثناء المداهمات الأمنية التي تنفذها القوات الأمنية السعودية بمحافظة القطيف منذ عام 2011. لم تعترف الداخلية بهذه الاخطاء والانتهاكات وعوضاً عن ذلك تقوم بفبركة التهم على الضحايا واخفاء الحقائق لتستمر في تنفيذ أجندتها الأمنية والسياسية في التعامل مع أحداث القطيف وتستعين في ذلك بتسخير وسائل الاعلام الرسمية وجهاز المباحث.

تكررت مؤخراً حوادث القتل وخاصةً ببلدة العوامية بسيناريوهات متشابهة، وكانت السلطات ولاتزال مصرة على استخدام القوة المفرطة واسلوب الترهيب والتخويف في تعاطيها مع ما يجري. فقد تجاهلت مطالب الناس وواجهتهم بالاجراءات التعسفية واقتراف الانتهاكات لاخماد حراكهم، وسعت لربط قضيتهم بعناوين “الجريمة والارهاب” واستعانت على ذلك بعدة وسائل وأساليب.

إن الاعلام بالمملكة غير مستقل، ويخضع لتوجيه مباشر من قبل السلطات العليا. يقوم هذا الاعلام بتضليل الرأي العام غير أن أهالي القطيف يعلمون تماماً أنه لا يتمتع بمصداقية تجاه هذه الاحداث. كما تستعين الداخلية أيضاً بجهاز المباحث الذي يقوم بأدوار عديدة في دعم الخطة الإعلامية والأمنية والسياسية التي تتبناها السلطات. ومما اتكأت عليه للقيام بهذا هو حجة الانفلات الامني بمحافظة القطيف، مع ان هذه الحوادث لم تحظَ بالتحقيق المستقل ولم تستعرض السلطات أدلة دامغة تثبت ادعاءاتها في تورط “المطلوبين” ومما يبدو أنها اتهمتهم لهدف معين. بل أن الظاهر هو أن السلطات لديها أهداف عديدة من استمرار انعدام الأمن كونه يخدمها ويبرر لها خطواتها الأمنية والسياسية. ومن بين هذه الجرائم هي قضية خطف قاضي القطيف محمد الجيراني حيث لوحظ تباين في النتائج المعلنة ببيانات وزارة الداخلية بين ما ذكرته في يناير 2017 ومارس 2017. وهذا يبين عدم دقة ادعاءاتها وعدم مصداقيتها ليس في هذه القضية فحسب بل بحوادث أخرى أيضاً.

ألصقت جميع الحوادث الأمنية والجنائية باسم العوامية حتى ما وقع من جرائم في الدمام مع غياب تام لأدلة تدين “المطلوبين” المتواجدين بالعوامية، والسبب أن السلطات لها غايات وأهداف وراء ذلك. بشكل عام أهل القطيف يستنكرون ما تفعله السلطات من انتهاكات لكنهم لايستطيعون التصريح بذلك، ولهذا هم ينقسمون لعدة فئات في رؤيتهم بالتعاطي مع الاحداث ويتفاوتون بين وسيلتين: الأولى المطالبة بحقوقهم بشكل صريح والثانية هي التواصل مع السلطات واظهار الولاء لها لمنحهم شيئاً من هذه الحقوق. في الوقت الراهن يعيش أهالي القطيف والعوامية خصوصاً حالة من القهر والشعور بالظلم بسبب استمرار الانتهاكات وكبت الأصوات التي تعبر عن رأي الناس. وتقوم السلطات حالياً بمحاولة اشعال النزاع بين مختلف الجماعات بمحافظة القطيف وبالعوامية لاشغال الناس بالخلافات البينية وتشتيت الرأي العام لكسب تأييد شعبي لما تقوم به من إجراءات.

2. المقدمة

اتسعت الاختلافات في وجهات النظر بداخل “السعودية” وخارجها حول ما يحدث في محافظة القطيف. كل هذه الأحداث الأمنية التي وقعت مؤخراً هي بدرجة أو اخرى مرتبطة بالحراك الشعبي الذي بدأ في 2011، أي منذ 6 سنوات. من المعروف أن الحركات الشعبية المطالبة بالحقوق والاصلاح عادة ما تتحول الى مشكلة أمنية عبر حكومات الدول القمعية. وهذا تكتيك معروف ويبدو واضحاً وجلياً اذا نظرنا لما يجري ببعض الدول العربية التي تشهد نزاعات حولتها الدول الى حروب أهلية أو أزمات أمنية تحت حجج كثيرة كمحاربة الارهاب او مواجهة أجندة خارجية. إن الحكومات المتسلطة لا تريد اجراء اصلاحات لهذا تلجأ لهذه الأساليب.
ولكي تتضح صورة ما يحدث الآن بمحافظة القطيف يتعين علينا النظر في الأسباب الجذرية لما يحدث والخلفية المرتبطة بها، فأي تقييم للأحداث بدون النظر لأسبابها يعتبر بلا فائدة. عمر هذه الأحداث يصل الى 6 سنوات وهي أحداث كثيرة ومتسلسلة، متداخلة ومترابطة ببعضها البعض، فالكثير منها تعتبر ردات فعل لأحداث ومشاكل سابقة. يوجد هناك احتقان قديم، مكتوم في صدور الناس، ولكنه خرج الى السطح في 2011 مع الثورات العربية التي حولتها الحكومات الى حروب أهلية. لقد اختلف الناس حول أحداث القطيف وانشغلوا بمناقشة الأعراض وغفلوا عن المشكلة الجذرية لما يحدث، ولهذا فإن نقاشهم واختلافهم لن يصل الى نتيجة نافعة. ونظراً لقمع سلطات المملكة للأصوات وعدم السماح باعلام حر ومستقل يظهر الأحداث على حقيقتها، بالاضافة لعدم السماح بمؤسسات مجتمع مدني، فإن الحقائق لا تصل لمن يبحث عنها من الباحثين والصحفيين والناشطين وجميع المعنيين الذين يبحثون عن المعلومات الدقيقة المدعمة بالأدلة والوقائع. وقد قامت السلطات أيضاً ببث التضليل والتلفيق عبر وسائل الاعلام الخاضعة لها والممولة من قبلها في الداخل والخارج ولهذا حصلت فجوة كبيرة في الروايات حول الاحداث ووجهات النظر تجاهها.
من هذا المنطلق يهدف هذا التقرير الى قراءة الأحداث الأمنية التي وقعت مؤخراً بالعوامية ومحافظة القطيف والتي نتج عنها انتهاكات وسفك دماء، كما يهدف لتشخيص أسبابها وخلفياتها والتعرف على الأجندة الاعلامية والأمنية والسياسية المرتبطة بها، وذلك في سبيل تقديم توصيات عملية تساهم في معالجة هذه “الأزمة”.

3. مداهمات جهاز الأمن السعودي في العوامية مارس 2017

نشرت وكالة الانباء السعوية بتاريخ 12 يونيو 2017 خبراً بعنوان”المتحدث الأمني لوزارة الداخلية: مقتل أحد المطلوبين للجهات الأمنية في حي المسورة ببلدة العوامية” وجاء في الخبر “صرح المتحدث الأمني لوزارة الداخلية بأنه أثناء قيام قوات الأمن بتنفيذ مهامها في متابعة وتعقب المطلوبين أمنياً الذين اتخذوا من المنازل المهجورة التي تم إخلاؤها من سكانها بحي المسورة ببلدة العوامية ضمن مشروع تنموي تطويري أوكاراً لهم ومنطلقاً لأنشطتهم الإرهابية فقد تعرض رجال الأمن عند الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم السبت 12 / 6 / 1438هـ ، لإطلاق نار كثيف بحي المسورة من مصدر مجهول مما استوجب التعامل مع الموقف وفقاً لمقتضياته، حيث أسفر ذلك عن إصابة المطلوب للجهات الأمنية / وليد طلال علي العريض، نُقل على إثرها إلى المستشفى وتوفي لاحقاً…”
ادعت وزارة الداخلية بهذا البيان أن الشاب وليد العريض مطلوب للجهات الأمنية. فيما ينقل أهالي بلدة العوامية أن وليد كان قد طَلَّ من باب منزله ليرى ما يحدث فأصابته رصاصتان واحدة بالرأس مصدرها نيران رجال الأمن كما نقل بيان الداخلية وهذا يشير إلى أن التصويب على رأس وليد كان القصد منه القتل المتعمّد. أما بالنسبة لكونه مطلوب، فقد نقل الأهالي أن وليد يدرس بمدينة صفوى القريبة من العوامية بالمرحلة الثانوية ويذهب إلى هناك يومياً ويمر على نقطة تفتيش أمنية بين العوامية وصفوى، فلو كان مطلوباً كما ادعت الداخلية لكان قد تم اعتقاله منذ زمن بعيد. بيان الداخلية ورأيها حول هذه الحادثة تم نشره في الكثير من الصحف الرسمية مثل صحف “المدينة”، “عكاظ”، “الشرق”، “الحياة” كما ونقلت قناة “MBC” تقريراً يحمل نفس الرؤية والمحتوى.
وليست هذه هي الحادثة الأولى التي تقوم فيها وزارة الداخلية بتحوير الحقائق وتلفيق التهم على الناس لتبرير انتهاكاتها في القتل والاعتقال. فقد وقعت مداهمة أخرى بتاريخ 28 مارس 2017 في أرض الرامس الزراعية بالعوامية، وكانت وكالة الأنباء السعودية قد نقلت في اليوم التالي 29 مارس 2017 خبراً بعنوان “المتحدث الأمني لوزارة الداخلية : مقتل إثنين من العناصر الإرهابية والقبض على عدد آخر في إحدى المزارع بشمال بلدة العوامية بمحافظة القطيف”.
المواطنين الذين تم اعتقالهم هم محمد العبدالعال، عبدالرحمن العبدالعال، وصفي القروص، و جعفر الفرج. بالنسبة فقد ذكرت مصادر محلية أن محمد العبدالعال فهو طالب في المرحلة الثانوية بمدينة صفوى، ويعبر نقطة تفتيش بشكل شبه يومي اما عبدالرحمن العبدالعال فهو أيضاً طالب يدرس بالخارج ويسافر ذهاباً وعودة من مكان دراسته في الهند الى بلده بشكل منتظم كل فترة. فلو كانا مطلوبين فعلاً لكانت الجهات الأمنية قد استطاعت اعتقالهما في وقت سابق. وبالنسبة لوصفي القروض فهو موظف يعمل في دائرة حكومية بالمنطقة الشرقية، فلو كان مطلوباً لكان من السهل اعتقاله من مقر عمله أو استدعائه.
كما ذكر خبر وكالة الأنباء السعودية أن هناك من أطلق النار على رجال الأمن واندلعت مواجهة نتج عنها قتل محمد طاهر النمر ومقداد محمد النمر بدون تقديم أي دليل على ذلك، وقد ذكر بعض الناشطين وعدد من أهالي العوامية أن الشابين النمر كانا في سيارة عند حدوث هجمة رجال الأمن وأن هناك صوراً توضح أن آثار الرصاص على السيارة التي قتل الشابان داخلها تشير الى أن الرصاص جاء من اتجاه واحد فقط ولم يكن ممن كان في داخل السيارة.

صورة تداولها الناشطون لحادثة مداهمة مزرعة بأرض الرامس الزراعية بالعوامية – 28 مارس 2017

في كل حوادث المداهمات والاقتحامات الأمنية والهجمات التي تنفذها قوات وزارة الداخلية منذ عام 2011، لم يسبق لها أن اعترفت بأيٍ من أخطائها بقتل أشخاص أبرياء ولم يُعلن عن مساءلة أو محاسبة رجال الأمن عليها، لتتم معالجة القضية بالشكل القانوني الصحيح. عوضاً عن ذلك اتبعت السلطات أسلوب فبركة الأحداث واخفاء الحقائق لتنفيذ أجندتها الأمنية والسياسية في معالجة هذه الأحداث ولأجل تحقيق ذلك ترسل توجيهات لوسائل الاعلام بتنفيذ هذه الخطط.

4. الترهيب الرسمي.. سيناريو يتكرر
تابع سكان محافظة القطف منذهلين ارتفاع وتيرة القتل وسفك الدماء عبر هذه المداهمات التي أدت لإزهاق الأرواح والإعتقالات التعسفية والأضرار المادية والتي خلفت أيضاً آثاراً نفسية واجتماعية على الناس. فآثار الرصاص والأضرار على الممتلكات تبين مستوى الإفراط في استخدام القوة من قبل رجال الأمن والتساهل في فتح النيران العشوائية وسفك الدماء ببرودة أعصاب وهذا مؤشر واضح على أن هناك صلاحيات مفتوحة أعطتها الجهات العليا بوزارة الداخلية لهذه القوات بالتساهل في إطلاق النار واستهداف المواطنين في أي مداهمة لأحياء وقرى محافظة القطيف التي تقطنها الأقلية الشيعية.
اعتاد الناس على سيناريوهات القتل بهذه المداهمات التي تتكرر كل مرة فحفظوا مشاهدها واحداثها المتشابهة، وقد يمكنهم قراءة ما يحدث وتوقع الخطوة التالية التي سيقوم المسؤولون بها في أي مرحلة، فكأن السيناريوهات مكتوبة مسبقاً فقالبها واحد وضعها من اعتمد الخطط والتدابير والتكتيكات الأمنية. فطريقة المداهمات وظروفها متشابهة. كما أن بيانات وزارة الداخلية التي تصدر قبل المداهمات وبعدها تأتي في صياغة واحدة وقالب واحد. بالاضافة الى ذلك اعتادت الصحف الرسمية نشر مقالات لشخصيات سعودية تطالب شخصيات محلية بمحافظة القطيف بتأييد الاجراءات الامنية للدولة وبالعادة كانت هناك استجابة من هذه الشخصيات التي تتعرض للضغوط والابتزازات والتهديدات المباشرة والغير مباشرة من قبل السلطات الأمنية العليا.
كل هذه الأحداث تتكرر بوتيرة واحدة مما يشير الى أن الخطة الأمنية التي تتبعها وزارة الداخلية والاجراءات والأساليب والتكتيكات هي نفسها لا تتغير، كما أن ردات فعل السلطات وتصريحات المسؤولين على ما يحدث هي ذاتها لم تتغير، فالمنطق يقول ان نفس المدخلات ستعطينا نفس النتائج وكل هذه المؤشرات المتشابهة تقول إن الاجراءات الأمنية المستقبلية ستكون أيضاً متشابهة وهذا يعني أن المخرجات والافعال والخسائر البشرية ستكون كذلك. بل إن تصعيد الداخلية مؤخراً في الاتهامات وحدة اللهجة في التصريحات، بالاضافة الى استخدام مستوى أعلى من القوة الأمنية في مداهمة الرامس الأخيرة يعني أن الخسائر البشرية قد تزيد وتتوسع بشكل متوازي، والمتوقع أن هذا سيتبعه قيام السلطات بنكران الأخطاء التي ترتكبها بنفس الكيفية واتهام الناس بأنهم هم المخطئون وهم من يجب أن يتحمل مسؤولية ما يحدث. علاوة على ذلك، لوحظ مؤخراً اعتماد السلطات لأساليب الهجوم كي لا تكون في موقع الدفاع عن أخطائها، وتقوم حالياً بتوظيف الإعلام بالتحريض والتجييش والتعبئة ضد أهالي القطيف والاقلية الشيعية بشكل عام وافتعال مسرحيات الخيانة والعمالة لإيران وحزب الله كي تكون هي في موقع الضحية والمدافع عن أمن الوطن، وهذا تكتيك أمني معروف ومكشوف.

5. العنف الحكومي في مواجهة المطالب الشعبية
إن هذه الأحداث والأزمة الأمنية التي تعيشها العوامية بشكل خاص والقطيف بشكل عام هي أثر ونتيجة مباشرة لسلسة من أخطاء السلطات منذ 2011 في التعاطي مع الحراك المطلبي بمحافظة القطيف والتعامل مع أصوات الناس التي طالبت بحقوقها المشروعة التي سُلبت منهم منذ عقود زمنية طويلة. ولم يصبح الحراك بهذا الشكل إلا بعد استمرار السلطات في نكران الحقوق والالتفاف على المطالب وتجاهلها والتنكيل بمن طالب بها. جزء كبير من هذه الحقوق هي حقوق عامة طالب بها حقوقيون وناشطون وكتاب وأصحاب رأي سعوديون من مختلف مناطق المملكة ومن توجهات مختلفة وعلى أثر ذلك سجن المئات منهم، ويعتبر كل هذا حقوق عامة كالعدالة والكرامة والحرية، والحقوق السياسية وحق التعبير وحق التجمع السلمي، وغيرها من الحقوق. وهذه الجملة من الحقوق تعتبر أساسية لمعالجة جميع المشاكل التي يواجهها ليس فقط أهل القطيف بل كل الشعب السعودي، وإن كان صوت القطيف أعلى في المطالبة فهذا يعود الى اتساع وضخامة ما يتعرضون له من هضم وانتهاكات، فالعدل أساس الحكم واعطاء الناس حقوقها هو شرط للاستقرار السياسي والسلم الأهلي وضرورة ليعم الأمن والأمان، فلا يدوم الحكم بدون هذه الأساسيات.
تصر السلطات على تشويه الحقائق وعدم الإعتراف بأخطائها كبيرة كانت أم صغيرة، وبدل ذلك تلجأ للإكتفاء بلوم الناس وتحميلهم مسؤولية كل ما يحدث متناسية أنها هي الحكومة التي بيدها السلطة على كل شيء وهذا يعني أن بيدها حل لكل شيء وهي مسؤولة عن ذلك. لكنها لا تريد أن تستجيب لمطالب المواطنين لهذا تريد أن ترغمهم على السكوت والتوقف عن المطالبة بحقوقهم. وترى السلطة أيضاً أن هيبة المسؤولين ومكانتهم سوف تتأثر اذا اتبعت أسلوب الحوار في معالجة المشكلة. كما ترى أن تغيير منهجها في التعاطي مع الأحداث يعتبر اعتراف ضمني عن عدم نجاح الأسلوب الأمني، وهذا يعتبر تنازل وهزيمة لها، وكأنها في معركة مع مواطنيها. هذه هي النظرية الادارية التي يمتلكها المسؤولون السعوديون وهذا هو تقديرهم ونظرهم، فليست لديهم أية مبالاة بعواقب الإجراءات التي يتخذونها لأنه ليس هناك مَنْ يسائلهم أو يحاسبهم على أخطائهم، فالمواطن هو فقط من يجب ان يحاسب على أخطائه ويتحمل تبعات كل ما يحدث.
تعاملت السلطات مع مطالب الناس بالعنف والسجن والقمع والتخويف والترهيب والاتهام بإحداث الفتن السياسية والطائفية واختلاق مسرحيات الخيانة والعمالة للخارج. فالأحداث والمشاكل الامنية كانت نتيجة لهذا التعامل الذي اتبعته السلطات.

6. غايات النهج الأمني
في نظر السلطات السعودية فإن استمرار القتل والمداهمات وتصعيد الضربات الأمنية له عدة غايات. نذكر منها التالي:
I. إن القتل والدماء وانعدام الأمن يجعل الناس بحاجة أكبر للحكومة، فالأمان هو ضرورة للمعيشة، ولهذا سيضطر الناس في الأخير للجوء للحكومة كي تعالج المشكلة وهذا سيجعلها تظهر بأحسن مظهر وهي تقوم بأهم وظيفة من وظائفها وهي وظيفة حفظ الأمن وهذا سيرفع من رصيد شرعيتها والتأييد الشعبي لها مما سيخدم أهدافها السياسية الداخلية.

II. فرض هيبتها بالترهيب والتخويف ونشر حالة من الرعب حتى لو كان ذلك على حساب دماء بريئة. فالحكومة التي تقوم على اساس التسلط ومنع الناس من المطالبة بحقوقها ومشاركتها السياسية قد تضطر لأساليب الترهيب واخافة الناس، وهذا يجعل الحديث عن الشؤون الحقوقية والسياسية أمراً محظوراً بل مجرماً تحت عنوان الإرهاب وفقاً لـ “نظام جرائم الارهاب وتمويله” الذي أقرّته السلطات في 2014.

III. تكذيب شرعية مطالب الحراك بالقطيف واظهارها بمطالب المجرمين والارهابيين. ان هذا التكتيك الذي يحور الحقائق يجعل المجتمع المحلي بالقطيف والمجتمع السعودي بشكل عام ينتابه الشك في الحراك الشعبي في القطيف فلا يتأثر به ولا يتضامن معه كي لا ينتقل لبقية المناطق فيسبب ضغطاً على السلطات لتقدم تنازلات باجراء إصلاحات حقوقية وسياسية.

IIII. اظهار حراك القطيف على أنه حراك طائفي وارهابي له اهداف خارجية وهذا خداع للعالم واظهار للسعودية على انها بلد مستقر ليس بها تسلط واستبداد واقصاء وظلم وبث صورة مضللة مخفية للحقائق تظهر أن الكل يعيش برخاء وازدهار وسلام.

V. جعل حراك أهل القطيف والانتهاكات والمعاناة التي وقعت على الناس على أثره عبرة ودرس لبقية السعوديين، فالسلطات ترسل رسالة غير مباشرة للناس بأنكم بحاجة ماسة لنا لبسط الأمن وحماية أرواحكم، فلا تطالبوا بحقوقكم وإلا في النهاية ستخسرون الأمن.

VI. ارسال رسالة للعالم بأن ايران تصنع الفتن الداخلية بالسعودية. وهذا يفيد السعودية ويخدم اجندتها و توجهاتها في السياسية المحلية. فكلما اشتدت الاوضاع الاقليمية وارتفعت حدة التنافس في النفوذ الاقليمي استغلت السلطات هذه الاحداث وصنعت المزيد من المسرحيات المرتبطة بايران كي تنال منها وهذه التدابير تنعكس بالنهاية على شكل المزيد من القمع والقتل .
لكي تقوم السلطات بهذه المداهمات وتقتل بشكل عشوائي يجب أن يكون هناك تأييد شعبي وموافقة ولو من قبل بعض الشخصيات والنخب التي يتبعها الناس، ولهذا فهي لديها شخصيات كبيرة موالية لها تقول ما تريده سواءاً ممن يتقاضى أجراً بالمقابل أم لا، وهذه الشخصيات تؤثر على رأي الناس وعبر هؤلاء يتم تشكيل الرأي العام في وسائل الاعلام بالصحف والقنوات والاعلام الاجتماعي. فالاعلام هو أحد أكبر أدوات السياسيين. كما وتقوم السلطات ايضا بتضعيف الرأي العام بالقطيف عبر عدة اساليب أشرنا إليها في سياق التحليل، ونوجزها هنا:
1. صنع الاختلافات بين فئات المجتمع بمحافظة القطيف.
2. نشر الرعب والترهيب وحالة الخوف.
3. تلفيق التهم على المعتقلين والمطلوبين.
4. التسبب في الفراغ الامني بعدم اجراء تحقيقات مستقلة وعدم الكشف عن المجرمين الحقيقيين.
5. فبركة الاحداث وتحوير الحقائق بالتقارير الاخبارية.
6. توجيه الرأي العام عبر الكتاب والنخب السعودية الموالية للسلطات.
7. تضليل الرأي العام وشن حملات التعبئة الطائفية عبر نشاط موظفي المباحث بتويتر والمواقع الالكترونية الاخرى.
8. الاستفادة من مواقف بعض أهالي القطيف وتوظيفها لتأييد خطوات السلطات الامنية والسياسية، وذلك عبر توقيع البيانات وكتابة المقالات، واطلاق التصريحات.
9. التاثير على مواقف الشخصيات بالقطيف بالشكل الذي يؤثر على رأي المجتمع ويدفع باتجاه حدوث الاختلافات والفتن الداخلية بين مختلف فئات المجتمع بالقطيف.

7. مدى استقلالية الاعلام السعودي ومصداقيته تجاه أحداث القطيف
من المعروف أن الاعلام “السعودي” هو اعلام غير مستقل، احادي الرأي و موجه من قبل السلطات. فوفقاً لتصنيف منظمة مراسلون بلا حدود عام 2016، تأتي المملكة بالمركز 165 من بين 180 في ترتيبها من حيث حرية الصحافة، جنباً الى جنب مع الدول القامعة للأصوات الحرة. ويلاحظ أن الكثير من دول آسيا وافريقيا، وبينها دول فقيرة، تشهد حالة من الحرية الصحفية أفضل مما تشهده “السعودية”.

المصدر: الموقع الالكتروني لمنظمة مراسلون بلا حدود

بشكل عام في الصحافة والاعلام المحلي لا يستطيع أحد من الناس أو الناشطين أن ينتقد المسؤولين بشكل حر وينتقد آداء عملهم وهذا يشمل مختلف وسائل الاعلام المقروء والمرئي والمسموع. وخلال أحداث القطيف، لم تطرح إلا آراء الداخلية وتوجهاتها، فوسائل الاعلام تتلقى تعليماتها من الداخلية مباشرة والتي تحدد لها كيفية ومحتوى ما تنشره تجاه هذه الاحداث. بالاضافة الى ذلك يعتبر الاعلام أداة أساسية لتنفيذ الخطط الأمنية والسياسية وتوجيه الرأي العام. وبما أن الداخلية تريد الالتفاف على مطالب الناس، فهي بلا شك لا تريد أن تنشر حقائق المجريات، فدقة المعلومات ونشرها بالاعلام لا يخدم من يريد أن يفبرك ويحرف الحقائق ليضلل الرأي العام ويوجهه نحو أجندة معينة، فالشفافية لا تخدمها في هذه الحالة. فنظام الحكم لا يقوم على مبدأ فصل السلطات الثلاث لذلك أصبح القضاء والاعلام لا يتمتعان بالاستقلالية التي تُحسن من عمل مؤسساتها، فالقضاء الغير مستقل قد أدى لافتقار المحاكمات لشروط العدالة. ولهذا فإن حديث الاعلام عن المحاكمات، والمحتجزين، والتقارير الصحفية والتلفزيونية، والبيانات التي تنشرها خصوصاً حول الاحداث الأمنية والسياسية بشكل عام هي بالعادة غير دقيقة ولا تتصف بالمصداقية.
وفي استبيان سابق أجريناه في نوفمبر 2016 حول رأي أهالي محافظة القطيف عن حيادية وسائل الاعلام ومصداقيتها تجاه الأحداث التي تقع في مناطقهم، كانت نتيجة الاستبيان كالتالي:
€ 87.8% لا يثقون أبداً في مصداقية ونزاهة وحيادية وسائل الاعلام بالمملكة.
€ 86% يعتقدون أن اخبار وسائل الاعلام بالمملكة حول حوادث قتل رجال الأمن في مناطق متفرقة بالقطيف والدمام هي تقارير غير حيادية ولها اهداف سياسية.
€ 90.6% يشعرون أن وسائل الاعلام بالمملكة تلقي التهم زوراً على “المطلوبين” مباشرة قبل اجراء أية تحقيقات في هذه الحوادث.
€ 84% لا يشعرون بالأمان بسبب المداهمات الأمنية التي تقوم بها قوات الأمن السعودية ضد “المطلوبين” في محافظة القطيف.
€ 92% يعتقدون أن الاحكام التي تصدرها المحاكم السعودية ضد المعتقلين الشيعة هي احكام سياسية انتقامية.
€ 82.2% يشعرون بالانزعاج من نقاط التفتيش والتواجد الأمني المكثف بمحافظة القطيف.
€ 93.4% يعتقدون أن شيعة المملكة بشكل عام باتوا معرضين أكثر مما مضى للتمييز والمضايقات الطائفية.

8. دور جهاز مباحث الداخلية في الاحداث
جهاز المباحث يسمى رسميا (المديرية العامة للمباحث) وهو تابع لوزارة الداخلية وله وظائف وأهداف عديدة من ضمنها متابعة الأنشطة السياسية والإجتماعية والإعلامية (الموقع الالكتروني لوزارة الداخلية) وبث الرؤية الأمنية والسياسية للدولة عبر وسائل الاعلام الرسمية ومنصات التواصل الاجتماعي ومراقبة ما ينشره ويفعله النشطاء، بالاضافة الى ملاحقة نشطاء الحركة المطلبية خصوصا الذين تم وضعهم على قوائم المطلوبين على خلفية نشاطهم المطلبي أو ربطهم بالحوادث الواقعة في محافظة القطيف. لدى جهاز المباحث موظفين ومعاونين من سكان القطيف يرفعون التقارير للمسؤولين بالمباحث. ومن مهامهم أيضاً الكتابة والتأثير على الرأي العام بالمملكة وتوجيهه عبر وسائل الإعلام الرسمي والاجتماعي بكتابة المقالات ونشر التغريدات في موقع تويتر عبر حسابات عديدة بأسماء وهمية أو رمزية. تقوم هذه الحسابات بنشر ذات المضامين التي تبثها بيانات وزارة الداخلية في حديثها عن ما يقع من حوادث بالقطيف، وكذلك عن المحتجزين والمطلوبين. كما ويقومون أيضاً بالتحريض على الكراهية وبث ما يعزز الفرقة الطائفية والعنصرية المذهبية بالبلاد وذلك عبر كلمات وعبارات تسيء للأقلية الشيعية، وتنال من انتمائهم وثقافتهم ورموزهم الدينية. فهم يقومون على الدوام بالتجييش والتعبئة المنطلقة من دوافع مذهبية وسياسية. وبالاضافة الى ذلك يتهمون المواطنين الشيعة بالخيانة والعمالة للخارج وغالباً ما يقصدون بها إيران الخصم السياسي التقليدي للسعودية ويعملون على الزج بالشيعة في القطيف والأحساء وسط النزاعات الطائفية السياسية التي تحدث بالدول العربية، والاصرار على اتهامهم بالارتباط ببعض الجهات التي بينها وبين المملكة نزاع ومنافسة سياسية.

نشاط المباحث السعودية بموقع تويتر

9. حقيقة الجرائم التي تتذرع بها السلطات السعودية لاقتراف الانتهاكات
تتذرع وزارة الداخلية بأن كل ما تفعله من اجراءات أمنية إنما يقع تحت ذريعة حفظ الأمن وملاحقة المطلوبين والارهابيين. فالسؤال هنا يتباذر للأذهان: مَنْ هم هؤلاء الارهابيون والمطلوبون الذين يظهرون فجأة مع كل مداهمة تسفك فيها الدماء؟ ولماذا لم تعلن الداخلية عن جميع أسماء “المطلوبين” و “الارهابيين” في وقت سابق؟
وقعت جرائم متعددة ومتسلسلة بمحافظة القطيف؛ شملت حوادث الخطف والقتل والسرقات وحرق المصارف. فكانت وتيرة هذه الوقائع وتوقيتها محل استغراب واستنكار. ولم تعرف الناس هوية الفاعلين ودوافعهم الغريبة، فالمتابعون يتسائلون: ما هي مصلحة من هو مطلوب بعدة قضايا أمنية من حرق مصرف مالي مثلاً ؟؟ وقد تداخلت الأحداث الأمنية بالجنائية، وتزامن مع تلك الحوادث تحركات أمنية تشمل اعتقالات ومحاكمات واجراءات أخرى.، في وقت تخرج وزارة الداخلية بتصريحات وبيانات لتضع هذه الأحداث في سياق معين يهدف للترويج لخطواتها واجراءاتها. كل هذا يدفع لتساؤلات عديدة ويثير شكوكاً كثيرة. فهل يكون مرتكبي هذه الجرائم هم أنفسهم “المطلوبين” الذين أعلنت عنهم وزارة الداخلية بوسائل الاعلام؟
مَنْ يتابع الأحداث ويراقب ردات الفعل ويتفحص خطوات وزارة الداخلية، ويقوم بتحليل بسيط لكل هذا لربما يمكنه أن يجيب على بعض من هذه التساؤلات ويستوضح الصورة بشكل أفضل. قامت وزارة الداخلية مؤخراً بالاعلان عن قوائم للمطلوبين لارتكابهم “عدة جرائم” على حد تعبيرها ووجهت أوامر للناس بعدم ايوائهم وعرضت مكافآت مالية لمن يقوم بتقديم معلومات عنهم. كانت القائمة تضم عدداً من الاسماء لم يتجاوز العشرة. وكانت التهم التي أدانت الداخلية هؤلاء “المطلوبين” بها هي تهم كثيرة جداً والجميع يعرف أنها مليئة بالفبركة والافتراءات المنطلقة من دوافع الانتقام والترهيب كما وأن الهدف هو جمع كم هائل من الاتهامات وتحريف العديد من الأحداث لحبك القصص والمؤامرات التي تختلقها.
وترى الداخلية أنه بما أن هؤلاء مدانين في قضايا أمنية فلا ضير من إلصاق بهم سيل من التهم وجرائم اضافية لتضخيم خطورتهم وتهويل المشهد، وهذا يعطي للجهات الأمنية مبرراً كافي للمداهمات واخافة الناس من هؤلاء “المطلوبين” كي يقف الناس بصف السلطات. وهذا سيعطي موظفي المباحث بتويتر قصصاً لاشعال التحريض وتغذية التفرقة الطائفية والتعبئة وتأليف قصص الارتباط بايران، كما أنه من مصلحة الداخلية أن تتهم هؤلاء “المطلوبين” بالجرائم التي قد يكون جهاز المباحث واعوانهم هم من افتعلوها بغرض احداث الفراغ الامني.
وكما تود الداخلية أيضاً أن تجعل دائرة المطلوبين غامضة كي تضع فيها حتى الابرياء ممن يقتلون على أيدي رجال الأمن في المداهمات والعمليات الامنية كي لايدانون عليها. وقد حدث هذا اثناء المداهمة الأمنية التي سقط فيها وليد العريض، ثامر الربيع، محمد المناسف، وحسن الزاهري. وكان وليد العريض وهو شاب في ال17 من عمره يمرّ على نقاط التفتيش الأمنية بين العوامية ومدينة صفوى كل يوم فلو كان مطلوبا فعلاً لقبض عليه، فطريقة الاعتقال تلك تعتبر احدى أهم الأساليب في اعتقال المطلوبين والمواطنين. كما ان السلطات تقوم بالصاق التهم على كل من يتواجد في مكان عملياتها الامنية كما حدث في المداهمتين في شهر مارس 2017.
لا أحد يعرف هوية مرتكبي هذه الجرائم والاحداث، حيث لم تقم جهات مستقلة بالتحقيق فيها كما أنه لم تبادر وسائل إعلام او منظمات أو جهات مستقلة بتحليلها للتثبت من صحة ادعاءات الداخلية او عدمها. فلم يكن هناك أدلة ملموسة على أن مرتكبي الجرائم هم أنفسهم “المطلوبين” الذين ربطتهم السلطات بكل ما يدور بالعوامية من أحداث. فوسائل الاعلام اعتمدت على الرواية الرسمية التي لم توجه أدلة بل ادعاءات غير دقيقة محاطة بالشكوك والتساؤلات. فهنا مباشرة يتبادر للذهن سؤال؛ هل هناك مجموعة “مطلوبين” آخرين لم تعلن عنهم الداخلية؟ فاذا كان نعم، فمن هم؟ ولماذا لم تعلن عنهم؟
هناك تساؤل وشك في أن هذه الحوادث قد تكون جنائية وحالات عنف اجتماعي ليست لها علاقة بهؤلاء المطلوبين الأمنين، فلماذا تصر الداخلية على أن هؤلاء هم نفس الموجودين في العوامية؟ كل هذا له اسباب من ضمنها ان الداخلية تريد أولاً الانتقام من هولاء المطلوبين لأحداث معينة وغاية محددة لدى السلطات، كما وتهدف لإيقاع الفتنة بالمجتمع كي يسهُل عليها الانتقام من النشطاء والمعارضين وتشويه صورة العوامية وربط هذه الجرائم بالحراك لتبرير قتل الناس وارتكاب الانتهاكات. والنتيجة قيام الناس بتصديق ادعاءات السلطات حول بعض الاحداث، ويكون هناك تبرير محلي ودولي لمزيد من القمع. إن هذا سيتسبب أيضاً بالخوف ليس لأهل القطيف فقط بل لكل السعوديين فيسارعون بالوقوف مع السلطات ومع تسلطها والتبرير لها لمنع محاولة أي أحد من السعوديين بالمطالبة بحقوقه، وإلا سوف يكون مصيره ومصير بلدته ومجتمعه المحلي هو مصير ما يحدث الآن لهؤلاء الناس بالعوامية والقطيف، بل ان السلطات تريد بهذا ان تقنعهم أن المطالبة بالحقوق ماهو الا وهم وتحريض على السلطات وفتنة حقيقية تتسبب بالاضطرابات الأمنية والنزاعات الطائفية.

10. مقتل مصطفى المداد واختطاف القاضي محمد الجيراني
لم تقم السلطات بالتحقيق المفتوح في الجرائم والأحداث ولم تعلن عن تفاصيل دقيقة لنتائج التحقيقات تثبت تورط “المطلوبين” في الاحداث وكيف توصلت الى هذه النتائج. بالطبع لن تقوم بهذا فمحاكمات أصحاب الرأي والمدانين في القضايا المرتبطة بأحداث القطيف هي نفسها ليست معلنة، بالاضافة لكون المحامين لا يستطيعون تقديم الدفاع عن المدانين بسبب تضييق السلطات. فالمعلومات والبيانات بشكل عام حول الاحداث لايتم نشرها بالاعلام لايصالها لعامة الناس كي لا تحقق فيها جهة مستقلة فتثبت بطلان ادعاءات السلطات. بالاضافة الى كل هذا تقوم الداخلية أيضاً بخلط حوادث العنف السياسي بالجرائم الجنائية وخلط المطلوبين الأمنيين بالجنائيين، لإحداث اللبس والتضليل لعامة الناس، فتربط قضايا الحراك المطلبي، والحوادث الأمنية، والجرائم الجنائية مع بعضها البعض لتشويه صورة الحراك المطلبي والناشطين، وهذا تكتيك سياسي معروف تتبعه الدول المتسلطة في مواجهة التحركات والمطالب الشعبية.
وقد تستفيد الداخلية أيضاً من اتهام هؤلاء “المطلوبين” بجرائم مجهولة فشلت في حلها والقبض على فاعليها واتهامهم يعني اغلاق ملفات القضايا العالقة التي تستهلك موارد الوزارة. يوجد الكثير من الملفات المفتوحة لجرائم لدى شرطة المنطقة الشرقية فلربما يسهل على الداخلية الصاق التهم على المدانين بالقضايا الأمنية. فقد ذكرت ذلك صحيفة الوطن السعودية في احدى تقاريرها بعد حادثة قتل مصطفى المداد في خبر بتاريخ 11 مارس، 2017 بعنوان “هلاك الإرهابي المداد يغلق ملفات 5 جرائم.” http://www.alwatan.com.sa/Local/News_Detail.aspx?ArticleID=296618&CategoryID=5
والمداد الذي أعلنت الداخلية عن قتله في 10 مارس 2017 وادانته بجرائم شنيعة لم يكن ضمن قائمة المطلوبين المعلن عنها مسبقاً. كما وذكرت بعض وسائل الاعلام بالمملكة بعد مقتله في مارس 2017 انه كان متورطاً في حادثة خطف قاضي المحكمة الشيخ محمد الجيراني عبر التقارير التالية:
€ صحيفة مكة – 10 مارس: (الجيراني اختطف في مركبة الإرهابي المداد) http://bit.ly/2oJUP8f
€ قناة MBC – 10 مارس: (بالفيديو: الداخلية تعلن مقتل المطلوب المداد في تبادل تطلاق نار) http://bit.ly/2oJIJvS
€ صحيفة عكاظ – 11 مارس: ( “الداخلية”: مقتل مصطفى المداد المطلوب أمنيا في أحداث القطيف) http://bit.ly/2oJU9zN
€ صحيفة اليوم – 11 مارس: (مقتل المطلوب «المداد» مرتكب 4 جرائم إرهابية بالقطيف) http://www.alyaum.com/article/4182470
€ صحيفة الوطن – 11 مارس: (هلاك الإرهابي المداد يغلق ملفات 5 جرائم) http://www.alwatan.com.sa/Local/News_Detail.aspx?ArticleID=296618&CategoryID=5

بالجهة المقابلة لم تقم الداخلية بتوجيه هذه التهمة للمداد قبل مقتله عندما أعلنت قبل ذلك بـ 68 يوماً في 1 يناير 2017، انها توصلت الى المتورطين في حادثة خطف الجيراني، حيث لم يكن المداد واحداً منهم وهذا حسب التقارير التالية:
€ صحيفة الرياض – 1 يناير: (اللواء التركي لـ”الرياض”: خاطفي “الجيراني” لا ينتمون لداعش.. والمعلومات عنه غير كافية) http://www.alriyadh.com/1559694
€ صحيفة مكة – 1 يناير: (خاطفو الجيراني متورطون باستهداف مقر الاستخبارات) http://makkahnewspaper.com/article/588935
€ صحيفة الحياة – 1 يناير: (خاطفو الجيراني متورطون باستهداف مقر الاستخبارات) http://www.alhayat.com/m/story/19381947#sthash.JyOc7fiT.qMfZ9gPk.dpbs
€ صحيفة الوطن اونلاين – 1 يناير: (مجموعتان إرهابيتان و3 أماكن تكشف خفايا خطف الجيراني)
http://www.alwatan.com.sa/Local/News_Detail.aspx?ArticleID=289354&CategoryID=5
€ صحيفة العربية نت – 1 يناير: (السعودية.. الكشف عن أسماء خاطفي قاضي القطيف) http://bit.ly/2oJHpc7
€ صحيفة اليوم – 1 يناير: (بعد 19 يومًا.. «الداخلية» تنجح في تحديد هوية مختطفي القاضي محمد الجيراني) http://www.alyaum.com/article/4173604
€ صحيفة الوطن – 2 يناير -: (السعودية: القبض على 3 من خاطفي قاضي القطيف) http://bit.ly/2oJI8dH

قاضي محكمة القطيف المختطف الشيخ محمد الجيراني

وقد ذكر بعض الناشطين السعوديين المتابعين لهذه الاحداث أن هناك قرائن تجعل تورط مباحث الداخليه في هذه القضية احتمال غير مستبعد وانها قامت بخطف الجيراني لانها ترى أن تصريحاته ومواقفه حيال الاحداث بالقطيف لم يعد لها دوراً مؤثراً على عامة الناس لكونه قريباً جداً من السلطات. فقد سبق وأن ذكر محافظ القطيف خالد الصفيان لاحد سكان القطيف في حديثه عن محمد الجيراني “لا نريد تصريحاً منه لوحده لأنه لا يمتلك تأثير بين الناس وليس له شعبية بتاتاً”.
ويرى هؤلاء الناشطون والمتابعون أن السلطات ترى أن مواقف محمد الجيراني لم يعد لها تأثيراً واستغلال السلطات له لم يعد ينفع، فهناك سيناريو وارد أن تكون السلطات قد قامت عن طريق جهاز المباحث باستغلال الجيراني بخطوة أخيرة لتصنع تأثيراً ومكسباً كبيراً لاجندتها عبر افتعال عملية اختطافه. فحتى ولو كان الجيراني قد وقف بصف السلطات ضد المطالب الشعبية للناس بشكل صريح خلال هذه الاحداث، إلا أن حادثة اختطافه ستخلق ضجة اعلامية واسعة ومواقف أهلية، ومبرر أمني كبير، وبالرغم من كل شيء، يبقى الجيراني مواطناً قطيفياً ينتمي للمجتمع المحلي بالقطيف، وهذا بلا شك يعني أن له أهل واقارب من سكان المحافظة وأوساط اجتماعية ستقف في صفه وأن هناك شريحة أخرى لا بأس بها ستتعاطف معه وهذا ما سيصنع رأي عام يؤيد رواية السلطات ويقف بصفها ضد “المطلوبين” ويساندها اعلامياً في تنفيذ خططها وعملياتها الأمنية الواسعة كما وسيسهل من تمرير أجندتها السياسية والترويج لها.

11. مساءلة أدلة الإدانة لـ “مطلوبي” العوامية
لقد حولت السلطات بلدة العوامية إلى منطقة أمنية من الدرجة الاولى فالسلطات تريد أن تنتقم منها وكأنها في حرب معها، فكل شيء فيها مدان وكل سكانها قد يتحولون في اي لحظة الى مطلوبين او ارهابيين، وهذا يعود الى ارتباط اسم العوامية واسم اهلها بالحراك الشعبي والمطالبة بالحقوق، فمن صالح السلطات تجريم العوامية وسكانها بأشد التهم، ولقد تبنّت هذا كأحد أهدافها، لكي تقطع ارتباط الحراك المطلبي بها وقد عمدت الى هذا بشتى الوسائل بالصاق تهم الجريمة والارهاب باسم العوامية وأهلها. كما وقامت بالصاق الجرائم والاحداث بـ “المطلوبين” الذين “يختبؤون” فيها. فكان حتى ما يقع بمدينة الدمام من احداث يلصق مباشرة بهؤلاء “المطلوبين” وتقوم وسائل الاعلام بربطه مباشرة باسم العوامية. فتشويه سمعة العوامية يخدم السلطات سياسياً وامنياً حيث مما سينتج عنه قيام اهل القطيف بلوم العوامية واهلها بما يحدث من اضطراب امني وتحميلهم جميع المشاكل والمعاناة التي يعيشها الناس بالمحافظة. وبهذا يندلع النزاع بين الناس وتحدث المشاكل البينية، فتلجأ شريحة منهم بالنهاية الى الوقوف بصف السلطات وتأييدها. فالناس على كل حال يطلبون الأمن وهو أهم من كل شي حتى ولو كان تحت سقف حكومة متسلطة ومستبدة.
لم يعلن احد من المطلوبين الذين تشير لهم الداخلية بتبني اي من الجرائم والاحداث التي وقعت، فلو كانوا فعلاً هم الفاعلين وكانوا يتحدون السلطات كما تشير لكان من الوارد قيام أحدهم بتبني ولو واحدة من الاحداث التي قد وقعت. بل على العكس كانوا بين الفترة والاخرى ينشرون مقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتبرؤون فيها من الجرائم والاحداث التي تلصقها بهم السلطات. وعلى الرغم من وقوع الكثير من الاحداث خارج بلدة العوامية إلا ان السلطات نجحت الى حد ما في حث الشخصيات والنخب الاجتماعية بمحافظة القطيف على ادانة الجريمة في سياق اتهام هؤلاء “المطلوبين” الذين حددتهم الداخلية، وكانت الاشارات والتلميحات واضحة نحو العوامية والمطلوبين فيها. مع ان الاحتمالات تقول انه قد يكون مرتكب بعض أو كل هذه الجرائم التي وقعت بالبلدات الاخرى هم من تلك البلدات او بلدات اخرى، بيد أنه لم يقم أي من هولاء الذين صرحوا عبر الاعلام بالاشارة الضمنية الى ان الفاعل قد يكون من بلدات اخرى، لكنهم تماشوا مع السياق الذي وضعته الداخلية بتوجيه الادانات المباشرة والضمنية الى العوامية ومن فيها. وهذا يساهم في ترسيخ ارتباط العوامية بالعنف والجريمة والاضطراب الامني. فلم يقم أي من هؤلاء بتقديم ادلة تثبت أولاً ما اذا كانت هذه الجرائم جنائية ام أمنية، وثانياً لم يتم تقديم أدلة تثبت ان المتورط فيها هم هولاء الذين بالعوامية. وثالثاً لم تكن مواقف وإدانات هذه الشخصيات متوازنة حيث أن بياناتهم وتصريحاتهم لم تتطرق لدور السلطات في تفاقم الاحداث، وهذا يساهم في ترسيخ رأي السلطات وتبرأتها وأنها غير ملامة على اجراءاتها وجميع ما حدث هو بسبب أخطاء الناس ولهذا هم من يجب أن يتحمل مسؤولية ذلك وما يقع من تبعات.

12. كيف ينقسم أهل القطيف في آرائهم تجاه هذه الأحداث؟
بشكل عام لا يعرف الشعب السعودي وكذلك الشعوب العربية والمجتمع الدولي بشكل دقيق حقيقة ما يحدث بمحافظة القطيف لأن مصادر المعلومات بشكل رئيسي هي وسائل الاعلام السعودية التي تقع تحت اشراف مباشر من السلطات. فالشعب السعودي بشكل عام يصدق ما يسمعه في وسائل الاعلام تجاه القطيف حيث أن السلطات قامت عبر الزمن بصنع حواجز بين الاقلية الشيعية وخصوصاً أهالي القطيف وبقية الشعب السعودي واستعانت على ذلك بعدة وسائل ابرزها الفرقة الطائفية والمذهبية. كما أنه لم يكن لأهل القطيف صوتٌ بأي من وسائل الاعلام ماعدا بعض الاشخاص الذين لم يكن باستطاعتهم تمثيل صوت الناس لانهم ان فعلوا فلن يسمح لهم الاعلام بذلك، ولعدم وجود من يتحدث من اهالي القطيف، تلجأ بعض الشخصيات للتحدث بالاعلام وترى انها مضطرة لذلك حتى وهي تعرف انها لا تمثل كل الهموم الشعبية للناس فهؤلاء يعتقدون أن ظهورهم بالاعلام وتمثيلهم للناس بحد ذاته مكسب وان كان لا يظهر صوتهم بشكل دقيق إلا أن ذلك أفضل من العدم. وهذا ينطبق على معظم من لهم تواصل مع السلطات وينطبق كذلك على كثير من الصحفيين بالقطيف.
اما من يتحدث بالهموم الشعبية ومعاناة ومشاكل الناس من الكتاب فيتم اعتقاله والصاق التهم الأمنية به. ومن هؤلاء الكتاب الذين يقضون محاكماتهم بالسجن لهذا السبب الآن الكاتبان نذير الماجد ومحمد الخويلدي. أما الناشطون الحقوقيون والسياسيون فهم مستهدفون ومعرضون للاعتقال بالدرجة الأولى، بل ان الداخلية بدأت في استهداف الناشطين الاجتماعيين واعتقلت مجموعة منهم وهم لا يزالون محتجزين الى الآن ومنهم فاضل الشعلة ومجتبى المزين وحسين طرموخ.
لذلك فإن الشعب السعودي، ومن ضمنهم الكتاب والاعلاميين والنشطاء وبقية النخب السعودية، لايعرفون حقيقة ما يجري هناك خصوصاً أن السلطات بذلت جهوداً كثيرة وسخرت مواردها وميزانياتها في تضليل الناس بالداخل والخارج عبر السنوات الأخيرة. لذلك فإنه من المهم الرجوع للمصدر الأساسي للمعلومات والحقائق حول ما يحدث هناك، فأهل مكة أدرى بشعابها، وهذا يعني النظر لآراء ومواقف اهالي القطيف انفسهم. ولا شك أن آراء ومواقف عموم الأهالي هي بدرجة أو اخرى نتيجة لآراء وحراك الجماعات بمختلف المجالات، ولنتمكن من فهم ذلك يتوجب علينا النظر للتقسيمات الرئيسية لهذه الجماعات بمحافظة القطيف في علاقاتها وتفاعلاتها مع السلطات:

فئة ألف
هذه الفئة تنظر للأوضاع بالسعودية على أنها أوضاع طبيعية فترى أن كل انسان يتمتع بحق التعبير عن رأيه وبالحقوق التي تكفلها الاعراف الدولية والشرائع الاسلامية التي تدين بها المملكة العربية السعودية وبالتالي يستطيع المطالبة بحقوقه بالوسائل السلمية المشروعة. فهذه الفئة لا تهتم بكون السعودية بلد تسلطي غير ديموقراطي لا يحمي حقوق الانسان وينتهج الكذب والخداع والظلم في التعامل مع الناس. فهذه الفئة من الناس تتعامل مع المواقف والاحداث من هذا الباب، وهي تدافع عن المظلومين وضحايا الانتهاكات بشكل صريح وتنتقد الاجراءات الأمنية الظالمية والتعسفية التي تتخذها وزارة الداخلية، حيث تنطلق من قاعدة حقوقية دون أن تقف عند أي حسابات اخرى. ومن هذه القاعدة تتبنى هذه الفئة آراءها ومواقفها حول ما يقع من احداث. ومن هذا المنطلق أيضاً تصيغ هذه الفئة خطابها الموجه للدولة والمسؤولين، وتقدم المطالب والانتقادات. وترى هذ الفئة بعدم التواصل مع السلطات لانها انكرت جملة واسعة من حقوق أهالي القطيف والشيعة بشكل عام على مر العقود الماضية وان التواصل معها يجلب الاضرار اكثر من المنافع، ولهذا هي تدعو جميع الجماعات بعدم التواصل. بشكل عام تحمل هذه الفئة مسؤولية كل ما يحصل على السلطات لأنها هي الحكومة وبيدها السلطة وهي من يجب أن يحل المشكلة بالحوار والمصالحة ويجب عليها ان تعالج مشكلة الظلم باعطاء الناس حقوقهم. وهي ترى ان أي اخطاء يقوم بها الناس تعتبر ردات فعل على ظلم السلطات، كما وتحمل هذه الفئة أيضاً بعض احداث القتل وسفك الدماء التي تقوم بها السلطات على من يتواصل مع السلطات من الافراد المتبنين للأساليب الاخرى كأسلوب التواصل مع الدولة ويحملون تلك المسؤولية على من يبرر للدولة ويؤيدها في اجراءاتها الامنية عبر التصريحات والمواقف والتوقيع على البيانات.

فئة باء
هذه الفئة تضم عدداً كبيراً من النخب المثقفة والأكاديمية وهي تنطلق من منطلقات عديدة منها حقوق الانسان، وهي مهتمة بتثقيف المجتمع ورفع وعيه في كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية والحقوقية لكنها تاخذ اعتبارات سياسية في مواقفها وآرائها. تنظر هذه الفئة أن للانسان حق في المطالبة والدفاع عن حقوقه بالوسائل السلمية شريطة أن تترك السلطات للانسان مساحة لذلك. وان لم تتوفر هذه المساحة فلا يجب مطالبة السلطات بالحقوق بلغة صريحة ومباشرة لكي لا يتعرض الانسان للاعتقال ويقع تحت وطأة الانتهاكات. ترى هذه الفئة ان التواصل المباشر مع السلطات هو احد الوسائل المهمة لتحصيل جزءاً من الحقوق. وعلى هذا تصيغ هذه الفئة خطابها ومنهجها في نشاطها وحراكها. لهذة الفئة مساعي كثيرة في صنع العلاقات بين فئات المجتمع السعودية والتحاور والتواصل معها، وبث قيم التسامح والتعايش ونشر ثقافة التنوع وتقبل التعددية الثقافية والدينية والمذهبية. ترى هذه الفئة أن من يقومون بمقاومة السلطات أثناء مداهماتها التي تتضمن قتل الناس وانتهاك المنازل مدانين ويحق للدولة أن تقبض عليهم. وعادة ما توقع شخصيات من هذه الفئة على بيانات تستنكر بعض الاخطاء المرتبطة بالاضطرابات الأمنية وانتهاكات السلطات، دون تحميل السلطات أي مسؤولية عبر هذه البيانات.

فئة جيم
هذه الفئة تقليدية ولها تواصل قديم مع السلطات وتضم شريحة واسعة من النخب الدينية والمثقفة. تنظر هذه الفئة الى السياسة السعودية القائمة على التسلط والاستبداد والكذب والظلم وتضليل العامة، وتأخذه كأحد المسلمات، وترى ان هذا أمراً لا يمكن تغييره كون أن السلطات قوية ومسيطرة على الاوضاع بشكل محكم أما الناس ضعفاء ومتفرقين يواجهون صعوبات نحو النهوض. لهذا ترى ان امكانية التغيير بالسعودية سواءاً عبر الحراك الشعبي الصريح أو الناعم هو شيئ شبه مستحيل فالافضل هو التواصل مع السلطات واظهار الولاء والطاعة لها. كما وأن هذه الفئة ترى انه لا يمكن ان تحصل القطيف على شيء من حقوقها الا بهذا الاسلوب. السلطات تعتبر هذه الفئة هي فئة عقلاء أهل القطيف وتريدهم ان يصبحوا اقوياء ولهذا تمنحهم السلطات بالمقابل عطاءات كثيرة من ضمنها مناصب بالحكومة وليست بالضرورة أن تكون مناصب عليا. ولطالما منحتهم السلطات نفوذاً أوسع مما سهلته لبقية الفئات بمحافظة القطيف. هذه الفئة ليست لديها حراك حقوقي وسياسي بالشكل الصريح، ومعظم أنشطتها تاخذ الطابع الديني والاجتماعي. لها تواصل مباشر مع السلطات، ووقفت معها في مواقف عديدة على مدى سنوات الحراك الشعبي منذ 2011، وعادة ما تكون على رأس وفود الزائرين لمقابلة المسؤولين، وأول المشاركين في اتخاذ المواقف حول الأحداث السياسية والأمنية، كما شاركت بالتوقيع على البيانات التي توظفها السلطات لاغراضها الأمنية. بالاضافة الى وقوف هذه الفئة بصف السلطات عبر كتابة المقالات بالصحف الرسمية. يرى الكثيرون من هذه الفئة أن المطالبة بالحقوق بشكل صريح وانتقاد السلطات والمسؤولين يعتبر تحريضاً للناس كي تطالب بحقوقها وترى أنها خطوة غير صحيحة لان السلطات سوف تتنكر للمطالب كما فعلت بالماضي وتلتف عليها. وترى هذه الفئة ان الحراك الصريح يؤدي الى ظلم السلطات وانتهاكها، لكنها لا تستطيع أن تصرح بهذا الكلام. ولا توجه هذه الفئة أي نقد للدولة حتى لا تخسر أي من مصالحها، وعادة ما تحمل الناس مسؤولية الاضطرابات الأمنية والأحداث التي تعتبر نتيجة لانتهاك السلطات. وتصيغ هذه الفئة خطابها ومنهجها على قاعدة التواصل مع السلطات.

فئة دال
عدد افراد هذه الفئة قليل جداً ومعظمهم شخصيات من أهالي محافظة القطيف، وهم بالعادة موظفون بالدولة، لكن صوتهم عالياً في الاعلام ويشاركون في البيانات والتصريحات والمواقف بشكل مستمر. توجه هذه الفئة النقد اللاذع لمن يطالب بحقوقه وتتهم الناشطين بالتحريض. تطلق هذه الفئة نفس الاتهامات التي تطلقها السلطات على الناشطين والمطلوبين بدون أدلة، كما وتروج لرؤية السلطات الأمنية بشكل صريح وتمثلها ولا يمكن ان تنتقد السلطات في أي انتهاك تقوم به حتى القتل الواضح للأبرياء. مواقف هذه الفئة في الاعلام دائما ضد المطالبين بالحقوق وضد الناشطين وضد المطالب الشعبية لعامة الناس بمحافظة القطيف بشكل عام وتأتي مواقف هذه الفئة وتصريحاتها دائماً في السياق الذي تريده السلطات لكي تفتري وتكذب وتشوه سمعة العوامية والقطيف وتحول مطالبة الناس بحقوقها الى اجرام وارهاب. لم يلحظ يوماً ان هذه الفئة قامت بالمطالبة العلنية بحقوق الناس وكذلك لم تتوفر معلومات عن فعل ذلك بشكل غير علني اثناء التواصل مع السلطات ولم تعهد لهم أية مطالب للدولة بالعدالة والاصلاح وهم مع السلطات بشكل كامل وصريح اثناء هذه الاحداث منذ عام 2011.

فئة هـاء
هذه الفئة الاخيرة هي فئة عامة الناس وهم الذين ليس لديهم أي حراك حقوقي أو سياسي أو تواصل مع السلطات. عامة الناس في محافظة القطيف متوزعين في ارائهم بين فئات “أ”، “ب”، “ج” بنسب مختلفة. فيختلفون في الأراء ووجهات النظر ويختلفون في طريقة المطالبة بالحقوق. لكنهم متفقين أن لهم حقوقاً مسلوبة تنكرها السلطات وتقوم عوضاً عن ذلك بظلمهم وانتهاك حقوقهم كما أنهم متفقين أن السلطات تكذب عبر الاعلام وترعى التحريض الطائفي والتجييش ضدهم بين فئات المجتمع السعودي.

13. الآثار النفسية التي خلفتها الأحداث على حياة الناس

في هذه الأيام يعيش عامة الناس بمحافظة القطيف في حالة من القهر والغبن والاستغراب مما يحدث. يتساءلون كيف يمكن للدولة ان تصل لهذا المستوى من اللامبالاة بقتل ابنائهم واستسهال سفك الدماء وازهاق الارواح البريئة. وما يزيدها تعجباً هو مستوى التلفيق والافتراءات الذي تصنعها الداخلية السعودية في وسائل الاعلام. وما يزيد الأوضاع صعوبة عليهم ويسبب لهم الشعور بالظلم والمعاناة أيضاً هو عدم وجود من يتحدث باسمهم ويدافع عنهم ويرد على ادعاءات وزارة الداخلية في بياناتها واخبارها واعلامها الذي يبث التضليل والتعبئة الطائفية. فالسلطات تتعامل حاليا مع الناس بالقطيف بمستوى غير مسبوق من القمع فلا أحد يستطيع ان يتحدث فقد تحول الحديث عن المطالب الشعبية والاعتراض على رواية السلطات او مخالفة ذلك إلى تجاوز أمني قد يجرّم وفقاً لقانون الارهاب. لا يمكن لعامة الناس والنخب والشخصيات الحديث بحرية، بل لا يستطيعون حتى نصح السلطات في السر، وقد أدى ذلك الى قيام بعض من الناس باتهام العوامية واهلها فيما يحدث لانهم لا يستطيعون لوم السلطات التي فرضت الواقع الظالم بسيطرتها الامنية. فهؤلاء الناس يلومون الناشطين ومن يطالب بالحقوق ليس لأنه طالب بحقه المشروع بل لأنه طالب بحقه بدرجة جعلت السلطات تتجرأ فتظلم بهذا الشكل. ولان السلطات توظف اي حديث من قبل الشخصيات والناس لخدمة خطواتها الامنية، يعتقد المطالبون بالحقوق ان مواقف هؤلاء الناس هو مساندة للدولة في قتلها وظلمها وقد عبر عن ذلك مؤخراً الكثير من الناشطين وأصحاب الرأي إما بشكل مباشر أو غير مباشر.

14. محاولة السلطات اشعال النزاعات بين الجماعات بمحافظة القطيف
الأجواء الأمنية المضطربة بمحافظة القطيف في بعض جوانبها تعتبر مفيدة للدولة كما بينا سابقاً. لكن هذا له آثار كثيرة من ضمنها اندلاع الخلافات والنزاعات بين مختلف الجماعات، فهذا يسبب تشتيت وتضعيف الرأي العام بالقطيف فيسهل على السلطات القيام بخطواتها الأمنية المتعددة. حيث ان بعضها قد لا يبدو كذلك كاجراء ازالة المسورة والتي قالت عنه السلطات انه اجراء تنموي، فاقتنعت بعض الشخصيات بهذا الكلام. فالسلطات حتى وان كانت مضطرة لانشاء بعض المرافق بعد عملية الازالة حتى تظهر الاجراء على انه تنموي، إلا أن اهالي العوامية والقطيف يعرفون حقيقة كونه اجراء أمني محض خلفه أغراض سياسية. فمن بين الاختلافات التي تزرعها السلطات حالياً هو ابتزازها لبعض الشخصيات المؤثرة بالمجتمع القطيفي لتقف بجانب حملاتها ضد ما يسمى بـ “الانفلات الأمني” وقد دفعت الكثير منهم للتصريحات الاعلامية. وقد رأى الناس فيما سبق ارتباطاً وثيقاً بين الحملات والبروباغندا الاعلامية التي تصنعها الداخلية وتستغل فيها بيانات وتصريحات مواقف اهالي القطيف مع المداهمات وحوادث القتل التي ترتكبها الجهات الامنية. لهذا فان الناس في العوامية بشكل عام باتوا يخافون من هذه البيانات والتصريحات والمواقف ويعتبرونها نذير شؤم عليهم ورسالة بأن هناك خطوة امنية ستتخذها الجهات الأمنية في بلدتهم ويعرفون ان النتائج سوف تشمل سفك دماء بريئة واعتقالات تعسفية، لهذا كانت ردة فعل بعض الشباب بالعوامية ان قاموا باتهام من يطلق التصريحات انهم متعاونين مع السلطات فيما يحدث. وهذه الفتنة الاجتماعية قد تجعل الناس يتنازعون فيما بينهم ويختلفون وبهذا يلتهون بهذه الخلافات وينشغلون بتبادل التهم على بعضهم ويتركون السلطات وينسون ان انتهاكاتها هي المشكلة الجذرية ويتوقفون عن الاشارة الى ان معالجة المشكلة يجب ان تكون على يدها بالمعالجات السلمية والسياسية لا بالأساليب الأمنية والتعسفية والالتفاف على المطالب.

15. الخاتمة والتوصيات
إن الاجراءات والمداهمات التي تنفذها الجهات الأمنية بمحافظة القطيف هي جزء من الحملة الهادفة لقمع الأصوات والتضليل الاعلامي والالتفاف على مطالب الناس بأساليب الترهيب وسفك الدماء. تتذرع الداخلية في هذا بجرائم مجهولة يتهم بها المطلوبون في العوامية دون أدلة كافية، كما أن للسلطات غاية أمنية وسياسية في ربط هذه الجرائم بالعوامية لتشويه صورتها. إن الاعلام السعودي، بتوجيهات من السلطات، قام بعرض آراء مجتزأة لأهالي القطيف وحرّفها عن مقاصدها. إن أهل القطيف بشكل عام متفقون في مطالبهم الحقوقية لكنهم يختلفون في آليات مطالبة السلطات بهذه الحقوق. وبالإضافة لانتهاكات القتل والاعتقالات التعسفية، فقد تسببت السلطات في معاناة نفسية للناس وعمدت لافتعال النزاعات الاجتماعية لخدمة اجندتها الأمنية والسياسية. إن المملكة العربية السعودية لا تزال تتجاهل مطالب الاصلاح وتتعامل معها بالقمع والترهيب ليس في محافظة القطيف فقط بل في كل مناطق البلاد، وسجونها السياسية تعج بسجناء الرأي والمعتقلين على خلفيات المطالبة بالعدالة. فيما لا تزال المنظمات الدولية تطالب السلطات السعودية بتحسين الأوضاع الحقوقية والتوقف عن مخالفة القوانين والاتفاقيات الدولية.
إن ما يقع من أحداث أمنية وسياسية يعود بشكل رئيسي لتعامل السلطات السعودية بشكل خاطىء مع الأحداث منذ بدئها في 2011، وهنا نقدم التوصيات التالية لحكومة المملكة:
1. التوقف عن المداهمات الأمنية وإراقة دماء الأبرياء وتنفيذ الاعدامات بالشوارع بدون محاكمات مستقلة وعادلة.
2. التوقف عن تجاهل مطالب الناس ومقابلتها بالأساليب الأمنية التي تزيد من شعور الناس بالظلم مما يؤدي الى تفاقم المشاكل.
3. التوقف عن خلط الأوراق والزج بالجرائم الجنائية في قضايا المطالب المشروعة للناس.
4. التوقف عن كتم الاصوات المختلفة والمعارضة والامتناع عن بث التضليل وفبركة التهم والحوادث المفتعلة.
5. التوقف عن تلفيق تهم العمالة والخيانة للخارج لكل من يطالب بحقوقه المشروعة.
6. التوقف عن تشويه صورة العوامية والصاق الجرائم بها لتبرير الاجراءات الأمنية.
7. التوقف عن توظيف جهاز المباحث لتوجيه الرأي العام ببث الكذب والتضليل.
8. التوقف عن اللعب على الورقة الطائفية عبر جهاز المباحث والتوقف عن اتباع منهج فرق تسد بين اهل القطيف وبقية فئات المجتمع السعودي.
9. التوقف عن اشعال النزاعات بين الجماعات داخل محافظة القطيف للوصول للأهداف الأمنية.
10. اتخاذ كافة التدابير التي تنهي استخدام العنف من قبل مختلف الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية، وعدم تحويل المطالب الشعبية الى قضايا أمنية، والعمل على تعزيز سيادة القانون.
11. حماية حقوق الانسان والالتزام بكافة القوانين والمعاهدات الدولية.
12. السماح لجهة مستقلة بالتحقيق في الجرائم الجنائية كجرائم السرقات وحرق المصارف وقضية خطف القاضي الجيراني.
13. فك القيود عن وسائل الاعلام واطلاق الحرية الصحفية كي يعبر الجميع عن ارائهم بدون قلق أو مخاوف أمنية.
14. البدء بالنزول للناس والاجتماع على طاولة الحوار للاستماع لجميع الآراء المختلفة بمحافظة القطيف بعيداً عن الأجواء الأمنية وذلك لحل المشكلة من جذورها، وترك الناس يختارون من يمثلهم في ذلك.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)