ما دور المرجعية والعشائر في إعادة الأمن والاستقرار بالعراق؟

0

تميزت العلاقة بين المرجعية الدينية والعشائر العراقية منذ البداية بطابع المقاومة ومواجهة التحديات الخارجية والداخلية ايضاً، على أن العشائر تمثل بالنسبة للمرجعية الدينية، وتحديداً في العراق، أمرين جوهريين؛ الاول: العمق الاجتماعي والقاعدة الجماهيرية، والامر الثاني: قوة الردع، ومن ثمّ في بعض الحالات؛ اليد العسكرية الضاربة لمواجهة المخاطر على الدين والامة.
وفي تطور جديد ترقّت هذه العلاقة الى أن تكون عاملاً لاستتباب الأمن والاستقرار في ظل أجواء الاحتجاج الجماهيري الواسع في مدن الوسط والجنوب ضد فساد النظام الحاكم، وما تخلله من أحداث عنف راح ضحيته حتى الآن حوالي 500 انسان، والرقم يتصاعد يوماً بعد آخر مع تراخي قبضة المؤسسة الأمنية في الشارع، على خلفية القمع الذي تعرضت له التظاهرات الطلابية والجماهيرية منذ حوالي شهرين في بغداد ومدن اخرى، وانعدام الثقة بين هذه المؤسسة والجماهير، الامر الذي تمخض عن قرار لم يكن أفضل من قرار القمع بالمياه الشديدة، والرصاص الحيّ، وهو نزع سلاح القوى الأمنية في الشوارع، الامر الذي فسح المجال عن القوى الأخرى في الساحة لأن تشهر سلاحها وتبدأ حملات تصفية داخلية، وايضاً؛ إطلاق النار على المتظاهرين حيناً، وعلى قوى الأمن حيناً آخر لتحقيق الهدف المبيّت بإراقة المزيد من الدماء، وهو ما تنشده أطراف خلف الستار.
ما جرى في الناصرية ثم النجف الأشرف، وبعدها اليوم في كربلاء المقدسة، يمثل تجارب ناجحة لهذا الرقي في العلاقة بين المرجعية والعشائر، عندما تدخلت العشائر بمساندة من المرجعية الدينية بوقف نزيف الدم والحؤول دون اراقة المزيد من الدماء، حتى وإن كان الثمن الوقوف بين الجماعات المتناحرة في خط النار، والتضحية بالسمعة والمكانة الاجتماعية مقابل حقن دماء الشباب والحفاظ على الحرمات والمقدسات.
ولكن! ثمة من يأخذ على الطرفين التأخير في التوصل لهذا النوع من الاتفاق في وجهات النظر بعد مرور حوالي شهرين من اندلاع أحداث العنف الدامية في بغداد ومدن الوسط والجنوب، والمأخذ؛ أن العشائر والمرجعية الدينية يتدخلون عندما تراق الدماء، فيُصار الى اتفاق لايقاف النزيف، في حين يفترض ان تكون ثم اجراءات احترازية تسبق الزمن، لاسيما وان الاثنين على معرفة ودراية كاملة بدوافع الحراك الجماهيري الغاضب على الفساد المرير في مؤسسات الدولة، والفشل الحكومي الذريع، وايضاً معرفتهم بخلفية الاحداث السياسية والامنية، وتقاطع المصالح الاقليمية والدولية في العراق.
الساحة السياسية والاجتماعية تتأثر وفق مسارات الدولة وقوانينها وبرامجها، وفي المرتبة الثانية؛ تأتي الاحزاب والتيارات وبعض المؤسسات ذات الصلة بالجهات الحاكمة، ربما تكون الاكثر تماساً بالساحة وبالجماهير، لهم تأثير مباشر على الساحة، فهم قادرون على التعبئة من جهة، ونشر الإشاعات وممارسة الحرب النفسية من جهة اخرى بهدف الترميز او التسقيط لا فرق. وهو ما من شأنه إثارة الخلافات في وجهات النظر والتوجهات الفكرية والسياسية الى حد الاقتتال.
هذا التصعيد لن يكون اذا كان للمرجعية الدينية وللعشائر مكانة مؤثرة في هذه الساحة بالتنسيق مع أجهزة ومؤسسات الدولة، لاسيما المؤسسة الامنية، ثم المؤسسة القضائية، لما لهاتين المؤسستين من صلة مباشرة مع الواقع الاجتماعي.
لنأخذ مفهوم السلم و”السلمية” التي رفعها المتظاهرون والمحتجون في ساحات الاعتصام، فهل تمكنوا من ايجاد مصاديق عملية لها، وهم يعلنون للجميع أنهم خرجوا الى الشارع بأيدي خالية سوى من العلم العراقي؟ المشكلة ليست في المفاهيم، مثل السلمية أو الوطنية، فلا أحد يتنكّر لها وإن كان من أبشع السفاحين والقتلة، إنما المشكلة في التطبيقات العملية، و”العبرة بالنتائج”، فكما أن الجانب الحكومي والدولة برمتها تتبرأ ممن أطلق النار على المتظاهرين طيلة الايام الماضية، فإن المتظاهرين بدورهم يتبرأون ممن يلقي النار بزجاجات حارقة وغيرها على القوات الامنية والاماكن العامة، او ممن يحرقون الاطارات وسط الشوارع وغير ذلك.!
ما يجعل المرجعية الدينية والعشائر العراقية تنجح في التجربة الأمنية في ظل الوضع الراهن، أمر غاية في الاهمية ومحوري وهو؛ الطاعة والالتزام بالأوامر، وهو ربما لانجده حتى في الاحزاب السياسية والجماعات المسلحة التي ينتمي اليها الاعضاء وفق اعتبارات مادية او مصلحية او لقناعات معينة سرعان ما تتغير فيتغير معها كل شيء.
وهذه تمثل فرصة ذهبية للوقوف بوجه أي تحركات مشبوهة لإشاعة العنف بكل اشكاله من جهة؛ وترميم العلاقة بين افراد المجتمع وبين الدولة بشكل عام، لاسيما المؤسسة الامنية وإعادة مكانتها وهيبتها، ثم دورها الاساس في تحقيق الأمن والسلم الأهلي لدوائر الدولة والمدارس والمرافق الحيوية، وبذلك نسد الطريق نهائياً على من يُسمون بـ”المندسين” بين صفوف المتظاهرين، وايضاً؛ تحركات بعض الاحزاب والجماعات المسلحة ممن يتحينون الفرصة لاختراق الساحة وتنفيذ اجندات لا تخدم العراق ولا الشعب العراقي.