الحراك الجماهيري في العراق والحاجة الى الرُشد

0

لا أعلم بالضبط ما يجري في العاصمة بغداد إلا من خلال مقاطع وأخبار تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي، وكذا الحال في سائر مدن الوسط والجنوب المغلي بالتظاهرات الاحتجاجية ضد النظام الحاكم، بيد ان المشاهدات من كربلاء المقدسة تبشر بخير –الى درجة ما- حيث بدأت نداءات التوعية والترشيد تعلو على الفوضى في ساحة الاعتصامات (ساحة التربية) وسط المدينة داعية المحتجين الى التحلّي بالسلوك الحسن، والاخلاق، والشعور بالمسؤولية إزاء الآخرين، على أن تنوع الجماهير المحتجة لا يعني تجاهل القضية الواحدة والهمّ الواحد لدى الجميع، وهو الضغط على الطبقة السياسية بتغيير المنهج كاملة وإنهاء ظواهر الفساد والمحاصصة ونهب المال العام.
في البداية كانت كربلاء كما سائر المدن شهدت جولات احتجاجية عنيفة تخللتها مصادمات مع قوى الأمن، سقط جراءها حوالي مائتي وخمسين قتيلاً وعدد كبير من الجرحى، وكان المشهد الكربلائي، ربما هو مشابه لسائر المدن الساخنة، الظهور الهادئ نهاراً، والعنيف ليلاً، حيث شهدت المنطقة القريبة لمنبى المحافظة ومجلس المحافظة، محاولات اقتحام وحرق واجهته قوى الأمن بعنف مضاد تسبب بسقوط عدد من القتلى والجرحى، وبعد أيام اختف المشهد الليلي بعد سلسلة من المحادثات بين قوى الأمن ومسؤولي المحافظة مع عدد من ممثلي الاحتجاج في ساحة التربية، تم الاتفاق على الاقتصار على التظاهر السلمي نهاراً وحسب، حتى ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي رسائل من الممثلين، او ما يُعرف بالتنسيقية، أنهم لا يتبنون الشباب الملثم الذي يخرج ليلاً ويحرق النيران أمام مبنى المحافظة ويرشق قوى الأمن بالحجارة.
ومنذ مطلع الاسبوع الماضي بدا المشهد الاحتجاجي الكربلائي صاخباً نهاراً، هادئاً ليلاً، وكانت ثمرة الاتفاق أمرين في غاية الأهمية: الاولى: تسابق شرائح المجتمع الاخرى للانضمام الى وقفة الاحتجاج في ساحة التربية، ممن كانوا يتخوفون من المشاركة لتفادي السقوط في مستنقع الدماء، كالاكاديميين، والادباء والخطباء وعلماء الدين، وايضاً؛ العتبتين المقدستين؛ الحسينية والعباسية، والمواكب الحسينية، وهو مؤشر تطور ايجابي في هذا الحراك، والأمر الآخر، والأكثر أهمية؛ توثيق العلاقة بين ابناء الشعب بشكل عام، والمتظاهرين بشكل خاص، وقوى الأمن، لتظهر بشكل لافت لقطات مثيرة لتبادل التحايا والطعام والشراب والعناق بين افراد من الشرطة وحتى افراد قوات “مكافحة الشغب” وبين الشباب المتظاهر.
هذا التطور اللافت والايجابي في مسار الحراك المطلبي والاحتجاجي في العراق بشكل عام، وفي كربلاء تحديداً، صاحبه تطور جديد في السلوك الاحتجاجي للشباب، فبعد ان كانوا يضمنون احتجاجهم بوصلات رقص على أنغام الموسيقى والطبول، بلغهم الاستذكار بدماء اخوانهم الشهداء والجرحى، وايضاً؛ المعتقلين، حتى إني رأيت والدة أحدهم بالقرب من صورة ابنها في ساحة التربية، وهي تصرخ وتنادي برفع صورة ابنها عالياً وعدم وضعها على الارض لحين الافراج عنه، وهي في حالة يرثى لها من التوتر والتفجّع.
وفي هذا السياق نظم عدد من الشباب الواعي محفلاً قرآنياً وسط الساحة بإدارة المقرئ الشهير الحاج مصطفى الصراف، الذي بات يعد مؤذن الساحة يومياً لدى غروب الشمس في أجواء روحانية غاية في الروعة، حيث يجلس الشباب بصفين متقابلين يتابعون قراءة القرآن الكريم مع الاستاذ القدير الحاج مصطفى الصراف، بما شكل صوتاً مميزاً وعالياً أسكت سائر الاصوات ولو لفترة وجيزة لحين انتهاء المحفل، لتعود اصوات الاناشيد الوطنية تعلو من جديد.
في كربلاء وسائر المحافظات العراقية ثمة توثّب كبير للتعبير عن الرأي وسط خيبة أمل عظيمة بالأداء السياسي لنظام الحكم الذي وثقوا به طيلة الستة عشر عاماً الماضية، لذا نلاحظ هذا التعبير يأتي في معظم الاحيان بشكل عنيف وغاضب، وحتى باستخدام الالفاظ غير المناسبة والشديدة كونها تخرج من شباب يتوزعون على مستويات اجتماعية وثقافية عدّة، فليس كلهم من المتعلمين، ومن عوائل محافظة وعلى مستوى من الوعي والثقافة، كما هو الحال في معظم بلادنا الاسلامية، نلاحظ ظواهر غير صحيّة في الحراك الاحتجاجي في هذا البلد وذاك.
هنا يأتي دور الشريحة المثقفة من علماء وخطباء وكتاب ومثقفين، في تقويم وترشيد هذا السلوك والاستفادة من هذه القوة الفاعلة في الساحة نحو تعبئة رأي عام يضغط، ليس على الحكومة وشخص رئيس الوزراء، وإنما على النظام السياسي برمته، ومن يمكن تمسيتهم بالمسؤولين في الدولة، مثل نواب البرلمان والمدراء العامين، والعاملين في المؤسسة القضائية، وايضاً في المؤسسة العسكرية والامنية، كل أولئك مشمولين بالقبول بتغييرات جذرية في أداء عملهم وتعاملهم مع افراد الشعب، وهذا لن ينجح إلا بسلوك وأداء منضبط من الشارع بنسبة معينة، فلكما كان هذا اكثر وأعلى، كانت الاستجابة والتأثير أكبر.