النهضة الحسينية وصفات القائد الناجح

0

كربلاء تضم بين طياتها وتستظل في صفحاتها دروساً وعبراً لا تنفذ، وشخصية الامام الحسين هي خير قدوة لنا جميعا لما تتحلى به شخصيته من صفات حسنة نستلهم منها دروس وافكارا؛ وكقائد حين نعشق شخصيته العظيمة المليئة بالحكم الالهية، فنحن نتأثر ونكتسب من صفاته، فهو خير معلم لنا، فكما نرى ان العالم يسير وفق نظام؛ الكون، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، فلولا النظام لخرجت الاشياء عن مسارها، ولفقد الكون مثاليته وتوازنه واستقراره.
وهكذا الافراد؛ لو سار كل فرد بما يشاء لتخبط في ظلمات وعمت الفوضى العالم، فالمجموعة والدولة والجيش يترأسها قائد ذو حكمة وقوة وامانة يكون مسؤولاً، ليس عن نفسه فقط، بل عن تلك المجموعة باكملها او المنطقة، فلكي يسير العالم دون عوائق وبنجاح يحكمها قائد ويقودها ليعمل على تحسين العمل وتغيير مسار النتائج إلى الأفضل، والقائد الناجح هو الذي تظهر مهاراته في وضع وإعداد الخطة، وفي طريقة تنفيذها، وهو مُتميزٌ في بثّ روح الحماسة والمثابرة عند الآخرين.
و تبرز اهمية دور القيادة في تنظيم الحياة، عبر تدعيم السلوك الايجابي، وحسم الخلافات، وتنظيم الوقت، فالقائد قدوة للافراد، واستمرار الاستقرار.
الامام الحسين، عليه السلام، يلهمنا صفات القائد الناجح، وهي الصفات المثالية المؤثرة في الغير بشكل ايجابي مطلق:
1– على القائد الشعور بأهمية المسؤولية الملقاة عليه، والرسالة التي يريد تأديتها، ويكون محيطاً بها من كل جوانبها، وأن يؤمن بقدرته على القيادة.
2– ان ينطلق من بصائر الوحي ونور العقل فيمسك بزمام الهدى والعروة الوثقى، ويتحلى بالخوف والطاعة لله، والصبر والخبرة، فان الانسان حين يخشى الله لا يُشعر الآخرين بالخوف منه، بل الاحترام والتقدير والمحبة، فمن يخشى الله، لا يخشى الناس، ومن يخشى الناس لا يخشى الله.
ثم الاتكال على الله –تعالى- فان القلوب المؤمنة الواثقة تغلب العدد والعدة، وأن الثبات، الصمود على المبادئ فتلك بحد ذاتها اقوى سلاح يزرع شعور الطمأنينة واحراز النصر.
3– أن يكون له القدرة على مواجهة الحقائق القاسية بشجاعة، والبطل الحق و اشجع الناس من غلب هواه، و ان يكون حريصاً على دفع الظلم ومحاربته ليعم الامان، واعتماد مبدأ العزة والكرامة.
وخير مثال على ذلك حبيبنا الحسين يقول: “اني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما”.
4– على القائد التحلّي بحب التضحية، بان يضحي برغباته واحتياجاته الشخصية ليحقق المصالح العامة.
والامام الحسين، ضحى بكل شيء في وقت واحد، حيث كان رمزا للتضحية والفداء، فقد ضحى حتى بطفله الرضيع لله تعالى، فإن صبر الحسين هو الأكثر والأقوى عزماً و ارادة. ومع كل تضحياته تلك فانه راضي بما قدر له، فانه يعلم انه بعين الله.
5– على القائد التحلّي بمهارات التخاطب، وفصاحة اللسان، وقوة التعبير، يشرح القائد للمرؤوسين، المطلوب منهم تحديداً، ويجب ان يكون واضحاً في ذلك، فالامام الحسين يضرب مثلا في مصداقية القائد وصراحته مع جنوده، ممتحنا صبرهم وصدق التزامهم بالمبادئ، اذ يقول لاصحابه ليلة استشهاده:- “هذا الليل فاتخذوه جملاً فان القوم انما يريدونني، ولو قتلوني لم يلتفتوا اليكم وانتم في حلٍ من بيعتي”، ثم قال:- “انكم تقتلون غدا كذلك ولا يفلت منكم رجل”، فأيّ قائد هذا الذي يخير جنوده بين النجاة بالهروب او الموت بالصمود؟
إنها الواقعية التي عودتنا عليها القيادة الحسينية المطهرة، ونظرتها الشمولية الدقيقة في تشخيص الاوضاع وسبر اغوارها.
6– الالتزام الخُلقي: يُراعي القائد الناجح المبادئ والقيم أثناء عمله ومسيرته نحو النجاح، فلا يُقدّم سرعة النجاح الدنيويّ على قيمهِ وأخلاقه، يتسم بالقدرة على التعامل والتعاون مع الجماعة وكسب المحبة وثقة الناس، فالثقة معدية.
فكيف اذا كان الحسين يحاكي رسول الله في اوصافه واخلاقه وهيبته، فلم تحجب نور وجهه يوم الطف ضربات السيوف ولا طعنات الرماح فكان كالبدر في بهائه ونضارته.
7– أن يتحلّى القائد بالذكاء والثقافة والمعرفة عالية وعلم، فان عاشوراء لا تتلخص بالدم وثورة سيف، بل استشهد الامام ليتحمل بعض ذوي الضمائر الحية رسالته ويرتفع مستوى الوعي والارادة، فدور الثقافة جزء من شهادة الامام.
8– القادة هم صانعوا السلام، وهذا ما سعى اليه الامام الحسين لتحقيق العدالة ودحر الظلم ليحل السلام.
وبهذا فان قضية كربلاء، والامام الحسين، عليه السلام، و أهل بيته واصحابه، تركوا لنا بصمة واضحة وخالدة في قلوبنا، انها ثورة حيّة ما دامت الحياة، فنجد ان ذكر الحسين يتجدد في قلوب العاشقين تهوي اليه بازدياد، والناس تتجه اليه من كل اطراف الارض تثبت ان الحق كلمة عليا، وان الحق حيّ لا يموت، فهو نبضة واحدة في قلوب جميع الموؤمنين والعاشقين لحبيب المصطفى.
فسلام الله عليك يا حبيب قلوبنا فانت العدل وانت السلام.