حدیث الناس

ما حكاية الجوع في كربلاء المقدسة؟!

كربلاء المقدسة التي تتشرف تربتها بمرقد الإمام الحسين، وأخيه أبي الفضل العباس، والشهداء الأبرار، صلوات الله عليهم، باتتْ معقلاً للثوار ومناراً للمصلحين وأهل الكرامة والحرية والعدل، كما باتت مصدر إلهام ثقافي للفرد والمجتمع، يكافح من خلاله الحرمان والتخلف والتبعية.

وعندما نتحدث عن اليوم عن فضل مدينة الامام الحسين، عليه السلام، في حل مشكلة الفقر والجوع بنسبة كبيرة استلهاماً من روح العطاء الحسيني، إنما نتراجع في طموحنا عن نيل الأكثر والأعظم من هذه المدرسة الحضارية بسبب الظروف الاجتماعية المعقدة والمؤسفة في العراق، وابتلائنا بجدلية وجود الجوع والفقر من عدمه في هذه المدينة، وسعي البعض ـ لأهداف وغايات لسنا بوارد الخوض فيها- لتغييب الموائد الطويلة، والاعداد الضخمة من السلال الرمضانية، والأيادي البيضاء الممدودة لكافلة الايتام وإعانة العوائل الفقيرة والمتعففة، وتسليط الضوء اعلامياً على حالة معينة لرسم صورة سوداء عن هذه المدينة.

⚡ الجوع في كربلاء المقدسة ليس جوع الطعام بقدر ما هو جوع الوعي والمعرفة بقيمة هذه المدينة وما تسديه من خدمات للجميع

لا علينا بمن يتحدث عن وجود امرأة او رجل او طفل يقول انه “جائع” في كربلاء الامام الحسين، عليه السلام، ولا أجد من الحكمة بذل كثير من الجهد لرد هذا الاستفزاز والإساءة المقصودة لأهالي كربلاء، ولكل العراقيين الشرفاء، إنما المطلوب الرد بمواصلة مسيرة العطاء كما علمنا الأئمة الأطهار، رغم ما واجهوه من سبّ ولعن وتهميش فـ (ما كان لله ينمو)، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي، وبزيادة وتيرة المبرّات والمساعدات والإعانات الى بيوت المستحقين في هذه المدينة التي فتحت ذراعيها لآلاف العوائل الهاربين من نيران الحرب خلال سنوات الحرب العدوانية لصدام على ايران، وفي وقت لاحق تحولت الى ملاذاً آمناً للعيش وتوفير لقمة العيش، ربما لا يجدوها في مدينة اخرى، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد من العراقيين.

إذن؛ فالجوع في كربلاء المقدسة ليس جوع الطعام بقدر ما هو جوع الوعي والمعرفة بقيمة هذه المدينة وما تسديه من خدمات للجميع، وحتى لا نسمع بمن يتحدث عن جوع هذا او ذاك في كربلاء عبر وسيلة اعلامية، و يُغيّب الحديث عن عطاء كربلاء، كما لو أنه يفترض بهذه المدينة أن تشبع كل جائع موجود في العراق، ومن الواجب عليها ان تؤمن عيش كل ما يرغب بالسكن والعيش فيها، وهذا من واجب المؤسسات الخيرية ومن يقف خلفها!

⚡ تحولت كربلاء المقدسة الى ملاذاً آمناً للعيش وتوفير لقمة العيش، ربما لا يجدوها في مدينة اخرى، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد من العراقيين

هذا المنطق ينمّ عن جوع معرفي مؤسف يتحول الى مطيّة لاصحاب الغايات المشبوهة الساعية لاختراق النسيج الاجتماعي، وتشويه الهوية الثقافية والحضارية لهذه المدينة المقدسة، فكلما زادت المعرفة بحقيقتها ودورها، ودور أبنائها في العطاء الانساني والثقافي، كلما تراجعت المحاولات المغرضة تلك، بل وتمكنا من التقدم خطوات الى الامام بإظهار مدينة الامام الحسين، عليه السلام، كمحل استقطاب للعقول المبدعة، وللاستثمارات وافكار التطوير والتنمية بما يحولها الى مدينة عالمية متقدمة.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا