مناسبات

أم البنين وخصائص المرأة المتميّزة*

يقول الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

الحديث عن عظماء التاريخ يبدأ ولا ينتهي، لأن وجودهم وان كان في فترة وجيزة من الزمن، إلا أن عِبَرَ حياتهم تمتد ما دامت السماوات والأرض.

الحديث عن أم البنين، حديث عن الوفاء والصدق، والوفاء، والتضحية، وعن كل ما جاءت به الديانات السماوية من النبي آدم الى الخاتم، صلى الله عليه وآله، فحين نتحدث عن العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، حين نتحدث عن ذلك لأننا نعرف أن الثمرة تعرف من الشجرة.

لو أنك حصلت على تفاحة جميلة ذات رائحة طيبة، فإنك تعرف ان الشجرة وجذورها كانت سليمة، فالشجرة السليمة تعطي ثماراً سليمة، والشجرة الفاسدة تعطي ثماراً فاسدة.

الحديث عن أم البنين، حديث عن الوفاء والصدق، والوفاء، والتضحية، وعن كل ما جاءت به الديانات السماوية من النبي آدم الى الخاتم، صلى الله عليه وآله

ومن نتاج العمل تعرف أهمية العمل، فكم من النساء جئن الى هذه الحياة ورحلن، فلو حسبنا عدد النساء من زمن أمير المؤمنين، عليه السلام، الى اليوم، سنجد ـ ربما ـ المليارات جئن ورحلن، ولكن لماذا تبقى أم البنين كالشمس في رائعة النهار؟ ولماذا يبقى الناس يؤمنون بها؟ ويحضرون مجالسها ويفتخرون بها؟

ذلك أن هناك امتيازات في هذه المؤمنة الصالحة، صحيح أنها لم تكن من أهل بيت النبوة، لكنها وضعت نفسها في مصافهم، وحينما نتذكر كربلاء، لابد نتذكر أم البنين، عليها السلام، بأعمالها ومواقفها، وطاعتها، وحسن أخلاقها.

من آثار رحمة الله بالناس

الله ـ تعالى ـ خلقنا ليرحمنا ولكي يدخلنا الجنة، ولكن نحن كبشر مع عواطفنا، وشهواتنا، ورغباتنا، أحيانا نشذ عن الطريق، وربنا يريد أن يربطنا به من خلال أوليائه، والارتباط بالأولياء ارتباط بالله ـ سبحانه وتعالى ـ.

الذين يقولون أن الاهتمام بأولياء الله؛ من قبيل الانبياء، والاوصياء، والصالحين من عباد الله، هو نوع من أنواع الشرك، فإن اولئك لم يفهموا طبيعة الدين، ولا طبيعة الناس.

الله ـ تعالى ـ خارج عن المادة، لكننا ماديون، فنبحث عن بشر في هذه الارض، ـ فمثلا ـ ربنا يوجب علينا الذهاب الى الحج، وهو عبارة عن بيت بلا سقف، واحجار وضعت بعضها على بعض دون ترتيب، ومن الحج أن يطوف الانسان حول الكعبة ويعتبر ذلك كأنه مع الملائكة الكروبيين الذين يطوفون حول العرش.

كانت أم البنين، عليها السلام، مثالا للتواضع، ومثالاً لاطاعة أوامر الإمامة، وكانت مثالا لحسن العلاقة بين الزوج وزوجته

فكانت الحاجة الى الكعبة لأننا ماديون، ولابد أن يربطنا الله ـ عز وجل ـ بما يُرمز اليه؛ وهي الكعبة والحجر الاسود وهو يمين الله في أرضه.

فحين نتحدث عن اولياء، فنحن نتحدث عن الوسيلة الى ربنا، فقد يظن البعض أنهم في مقام الله، وهذا غيرصحيح، فهم ـ اولياء الله ـ وسيلة إليه ـ تعالى ـ وقد أمرنا بالتوسّل بهم، يقول الله: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}، يقول المعصوم: “نحن والله الوسيلة التي ذكرها الله في كتابه”.

النبي وسيلة الله، وهو مخلوق ولولا ارادة الرب في خلقه لما كان النبي، فهو ـ تعالى ـ أجل واعظم واعلى من جميع انبيائه واوصيائه، ونحن لا نتخذهم اربابا من دون الله، بل هم شفعاء اليه ـ تعالى ـ، ونتخذهم قدوات في الحياة، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، فلا نؤمن بالنبي في قبال الله، لأنه ـ النبي ـ جاء من قبل الله ـ عز وجل ـ.

ولذلك لا تكمل شهادة المؤمن بأن الله لا إله إلا هو فقط، وإنما لابد من شفعه بنبوة النبي فتكون الشهادة بشكل كامل “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، جاء قوم الى النبي في زمانه، وقالوا: نحن نؤمن بالله ونصلي له، لكن لا نؤمن بك.

فقال رسول الله: أن الله لا يقبل منكم.

يقول الله ـ تعالى ـ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ}، فحين يقبل أي إنسان ما يقوله موظف البلدية فيما مقابل ما يأمر به، فلا يعني ذلك عدم ايمانه برئيس الدولة، وليس في مقابل النظام، فأي نظام يريد من الإنسان أن يقبل من يمثل الدولة والسلطة.

كرامة المرأة في الإسلام

أم البنين امرأة من الصالحات قامت بأعمال عظيمة في حياتها، وهو ـ تعالى ـ اراد ان نرتبط بالاولياء، نقرأ في الزيارة: “لائذ بقبوركم”، فحين نقف أمام الإمام الحسين، عليه السلام، فإننا نذكر آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونتحدث عن الصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحديث هنا عن الدين، فارتباطنا بالإمام الحسين، عليه السلام، ارتباط بالله، ولأننا نؤمن بالله فإننا نطيع من نصبه الله.

الإسلام أكرم المرأة، يقول النبي، صلى الله عليه وآله: من اتخذ زوجة فليكرمها”، والله ضرب مثلا للذين آمنوا بامرأة، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}، فهي مثال للنساء والرجال. وأم البنين نموذج للرجال والنساء.

الله يريد المرأة كريمة وأول من جاء به هذ الدين هو منع وأد البنات، ونزلت آيات عديدة في هذا الأمر، فالمرأة لها قيمتها وكرامتها في الدين، حتى أن الاسلام يقول: “اليُمن في المرأة”، واليُمن يعني البركة.

الانبياء والرسل كانوا يرفعون من شأن المرأة، يقول النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، فالفاضل هو من يكون مع زوجته، {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا}، فالرجل قوّام على زوجته بما يملكه من فضيلة وإلا فلا، فإذا كان ـ مثلا  ـ صدق الزوج، أو طيبته أقل من امرأته فبأي شيء يكون قواما عليها؟ أما مسألة الإنفاق فهي واجبة على الرجل حتى وإن كات المرأة مليونيرة.

نجاح المرأة في معرفتها

يجب أن يعرف الإنسان موقعه بأمرين:

الأول: أن يعرف قدره {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.

الثاني: معرفة الإنسان لمسؤولياته.

وأم البنين عرفت موقعها من أمير المؤمنين، عليه السلام، فقد علمت أن زوجها ليس رجلا عاديا، فهو ولي الله، وحجة على الخلق، فسعت الى إلغى نفسها واسمها، وتواضعت لله مع أمير المؤمنين، فطلبت منه أن يناديها (بأم البنين).

هذا التوضع سبب رفعة أم البنين، يقول الرسول، صلى الله عليه وآله: “من تواضع لله رفعه الله”، وجاء في حديث: أن مزدلفة تواضعت لله فرفعها الله”، وبسبب تواضع أم البنين رفعها الله وأعطاها مقاما، أن استجابة الدعاء بالتوسل بها.

من سنن الله في الحياة؛ سنّة التعويض، فإذا سلب الله ـ تعالى ـ من أحد نعمةً فإنه يعوضه، فإذا سلب ـ مثلا ـ العينين، فإنه يعوض بقوّة السمع.

فقد عوض الله ـ تعالى ـ الإمام الحسين، عليه السلام، أن جعل الائمة من ذريته، والشفاء في تربته، واستجابة الدعاء تحت قبته، وكذلك أم البنين، عليها السلام، التي اعطت من نفسها، وبذلت اولادها في سبيل الله، عوضها الله بأن جعلها باباً للحوائج.

كانت أم البنين، عليها السلام، مثالا للتواضع، ومثالاً لاطاعة أوامر الإمامة، وكانت مثالا لحسن العلاقة بين الزوج وزوجته، فالإمام علي، عليه السلام، لم يشكو ولو لمرة من أم البنين، وكذلك العكس. بعض التعامل الذي يحدث بين بعض الازواج بعيد عن رضا الله ورسوله، وأيضا بعيد عن طريقة أهل البيت، عليهم السلام.

ولذا يجب أن تكون لنا نماذج في حياتنا العامة وبالخصوص الحياة الزوجية، فالأنبياء، وأهل البيت، عليهم السلام، ومن النماذج أيضا أم البنين، والحياة الزوجية عبارة عن حضارة مصغرة فلماذا نهدمها بكلمات؟


  • مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرسي (حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا