إضاءات تدبریة

حاجات الإنسان وسبل التوزان في الاستجابة لها*

يقول الله ـ تعالى ـ: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}.

القرآن الكريم كتاب تزكية وتعليم، يقول ـ سبحانه وتعالى ـ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. التزكية تعني رفع كل العقبات التي تعترض طريق الانسان الى الله، وتطهير القلب من الشرك والشك، ومن الفواحش ما بطن منها، ومن العصبيات والحميات والغل وما الى ذلك.

حينما يصبح القلب طاهراً يتلقى نور الرب ـ سبحانه وتعالى ـ ويشع فيه العقل، وتتفعّل بواعث الخير المودعة في فطرته، وهناك بصيرتين:

البصيرة الأولى: في هذه الآيات يبين ربنا كيف نتعامل مع الشهوات، ومن هو ذلك الإنسان الذي يتسحق أن يكون ضيف الرب في جنانه ويحظى برضوانه.

البصيرة الثانية: هناك مواقف متناقضة عند كثير من البشر فيما يتصل بالشهوات، فمن الناس من يحرّم الشهوات على نفسه ويزعم أنه بذلك يتقرب الى الله، فعلماء النصارى والرهبان يتركون الزواج، وبالتالي يقاومون شهوة الجنس في انفسهم، ومنهم من يتعبّد ويذهب الى قمم الجبال وسِيْف البحار ويحاول أن يضبط شهواته.

الموقف الصحيح من الشهوات أن يضبطها الانسان، فيستفيد منها لكن تحت الضوابط، وضبط الشهوات يكون عبر الإيمان بالآخرة، وبذلك تكون شهوات الإنسان تحت السطيرة

وهناك نوع آخر من الناس يناقض النوع الأول، وهو من يتوغل في إشباع شهواته ويسرف في ذلك بكثرة، لكنّ الموقف الصحيح من الشهوات أن يضبطها الانسان، فيستفيد منها لكن تحت الضوابط، وضبط الشهوات يكون عبر الإيمان بالآخرة، وبذلك تكون شهوات الإنسان تحت السطيرة.

ومن تلك الشهوات؛ شهوة الجنس، وشهوة التكاثر في الأموال والأولاد، وشهوة الزينة وما اشبه، ومَن لا يؤمن بالآخرة تعصف به رياح الشهوات وتحمله يميناً ويسارا، ولا يستطيع أن يضبطها لأنها قويّة.

الاستراسال مع الشهوة أم الكبت؟

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ}، وهنا يتساءل المفسرون من الذي زَيّن للناس هذا الحب؟

فبعضهم قال: أن الشيطان هو الذي زيّن؛ وآخرون قالوا: أنّ الرب زين الشهوات الصالحة، والشطيان يزين فيما يتصل بالشهوات الفاسدة.

الحقيقة؛ أن الشهوات جزء من كيان الانسان ووسيلة للابتلاء والفتنة، وبالتالي فإن ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ جعل الإنسان يمتلك هذه الشهوات، ولولاها لما تمَّ الإمتحان، لذلك فإن الإنسان المؤمن أفضل من الملائكة، لانهم لا شهوات لهم، فإذا عبدوا الله فليس ذلك لمواجهة شهواتهم. أما الإنسان فإن عنده شهوات فإذا استطاع أن يقهر شهواته ويعبد الله وحده، فله الفضل على الملائكة.

فالذي زيّن الشهوات للإنسان هو الرب ـ سبحانه وتعالى ـ لكن الشيطان يوسوس للإنسان ويضله عن الطريق الصحيح للإستفادة من الشهوات، فالجنس شهوة عارمة ولا يمكن للمرء أن يواجهها بالكف عنها، لأن ذلك سيسبّب له كبتاً داخليا وربما يؤدي ذلك الى مشاكل خارجية، فتفريغ شهوة الجنس يجب أن يكون في الطريق الصحيح، دون  الوسائل الباطلة.

وكذلك شهوة الزينة؛ فالإنسان يحب أن يكون لديه خيل، أو سيارة فارهة، وقد يطمح البعض  الى أن تكون لديه طائرة خاصة، يقول الله ـ تعالى ـ: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فالله لم يحرّم الزينة، ولكن لكي لا تكون هذه الزينة ـ زينة الحياة الدنيا ـ سببا لهلاك الإنسان في الدينا، بالإسراف والترف، واتباع الطرق الخاطئة، وبالتالي تكون وبالاً يوم القيامة، لكي لا تكون كذلك، لابد أن يكون هناك توازن بين شهوة الزينة، وشهوة الجنس، وشهوة المال من جهة، وبين ما ينتظره المرء في الآخرة من جهة أخرى.

التعامل مع الشهوات بميزان

التوزان بين الدنيا والآخرة من أعظم ما يتنفع به الانسان من الايمان، فالإيمان بالآخرة يجعل المرء أقوى من الدنيا فيسطير عليها، ولذلك مَن لا يؤمن بالآخرة فإن الدنيا تسطير عليه، عبر الشهوات المختلفة؛ من الجنس والمال وما اشبه.

البعض يعشق المال ولو كلفه ذلك الانتحار، والبعض الآخر يدفع نفسه الى  قاع السوء بسبب شهوة الجنس التي تُقضى خلال ساعة أو أقل، فيخسر عمره؛ إما بالسجن، أو الإعدام بسبب ساعة واحدة! ذلك أن هذا الشخص ليس لديه القوة الإضافية للسيطرة على هذه الشهوة؛ لكن الإنسان المؤمن يمتلك قوة إضافية وهي الإيمان بالآخرة، ولهذا فهو يستطيع أن يسيطر على شهواته ويتحكم بها، ويوجهها في طريقها السليم.

التوزان بين الدنيا والآخرة من أعظم ما يتنفع به الانسان من الايمان، فالإيمان بالآخرة يجعل المرء أقوى من الدنيا فيسطير عليها، ولذلك مَن لا يؤمن بالآخرة فإن الدنيا تسطير عليه، عبر الشهوات المختلفة؛ من الجنس والمال وما اشبه

وهناك ـ أيضا ـ بعض الناس ينهارون أمام المصائب، وهنا لابأس بذكر قصة واقعية: أحد المؤمنين يعيش في امريكا ولديه ابن وبنت، الابن وصل الى مرحلة علمية في الجامعة واصبح استاذاً، ويمتلك الجنسية الأمريكية، لكن قرر أن ينتحر وكتب في رسالته الأخيرة أن سبب إنتحاره أن اخته لا تحبه!

وحين اتصلتُ ـ والكلام للسيد المرجع المدرسي ـ بأبيه لتقديم التعازي والمواساة في هذا المصاب الجلل؛ قال الأب: مصيبتنا لا شيء أمام مصائب السيدة زينب، عليه السلام.

فالأب خلق نوعاً من التوزان بين مصيبته وإيمانه، فابنه الذي لم يكن يمتلك الإيمان انتحر لسبب بسيط، بينما الأب صغُرت مصيبته الكبرى، لأنه فكّر في مصاب السيّدة زينب، عليها السلام.

المؤمن صبور في البأس والضراء، فإذا أصبح رئيسا فإنه لا يبطر على الناس ولا يكون متكبّراً عليهم، فهو ـ المؤمن ـ يفكر أن اليوم رئيس وغداً تحت التراب، وبهذا فهو يخلق نوعا من التوازن بين الدنيا والآخرة.

إن خلق توزان بين الدنيا والآخرة من شأنه أن يجعل الإنسان قويّاً تجاه الشهوات، فهو يسيطر عليها، ويسيّرها بإرادته، ويكون أيضا قويّا تجاه مصائب الدنيا والتي تُعد امتحانا عمليا لإيمان الناس بالله وباليوم الآخر.

من وحي الآيات:

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ}، وهنا اطلاق عام لكل الناس؛ العالم والجاهل، والغني والفقير، والمسلم وغير المسلم، {حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ} وذكرت النساء أولاً لأنها شهوة عارمة، {وَالْبَنِينَ}، أي يحب أن يكون لديه امرأة وأولاد.

{والقناطير المقطنرة من الذهب والفضة}، ففي الوقت الحالي لا توجد قناطير منقطنة، ولكن هناك حسابات في البنك، والقنطارهو: الشيء المستحكم؛ فالإنسان عندما تكون لديه أموال يسعى للحفاظ عليها بأي طريقة، كأن يضعها في صندوق، وفي الأزمنة السابقة كانوا يضعونها في جلد البقر، والقنطرة هي الجسر على النهر، لأنه شيء مستحكم يمكن المشي عليه.

{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}، كانت الثروة تتشكل من الحيوانات كالأغنام والأبل والخيول، بالإضافة الى المزراع والبساتين وما أشبه.

{ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، أي انه متاع للإستفادة منه لكن ليس الى الأبد، فالدنيا لا تبقى للإنسان وكذلك العكس، فالله ـ تعالى ـ خلق المتاع ليكون فرعاً، والأصل هو الإنسان، فهو خُلق من أجله.

{ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} المصير النهائي عند الله ـ سبحانه وتعالى ـ.


  • مقتبس من محاضرة للسيد المرجع المدرّسي (دام ظله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا