مناسبات

رسائل من النهضة الحسينية ( 5) محنة مسلم بن عقيل و أقسام الناس اتجاه الحق

“بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي، إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين:

أما بعد، فإن هانياً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق. وإني باعث إليكم أخي، وابن عمي، وثقتي، من أهل بيتي مسلم بن عقيل، ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إلي بما يتبين له من اجتماعكم، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملأكم، وذوي الفضل والحجى منكم، على مثلما قدمت عليَّ رسلكم وقرأت في كتبكم، فإني أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله. فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والقائم بالقسط، والدائن بالحق، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام”.

أراد عليه السلام أن يثبت الحجة على أهل الكوفة فهم الذي توالت رسائلهم عليه يدعونه للقدوم حتى ينصروه، فأراد أن يبيّن حقيقة ادعائهم ويثبت الحجة عليهم، فبعث إليهم مسلم بن عقيل لأخذ البيعة منهم، ولمعرفة صدقهم

ثم دعا مسلم بن عقيل وقال له فيما قال: “إني موجهك إلى أهل الكوفة وهذه كتبهم إلي، وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى، وأنا ارجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامض على بركة الله حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فأنزل عند أوثق أهلها، فإن رأيت الناس مجتمعين فعجل لي بالخبر، حتى اعمل حسب ذلك أن شاء الله”.

وبالفعل شد الرحال مسلم بن عقيل وطوى الفيافي سفيراً للحسين عليه السلام إلى الكوفة، عازماً على تنفيذ ما وكل إليه من مهمة رسالية، فوصل إلى الكوفة بعد معاناة الطريق والصعوبات التي اعترضته ومات رفيقاه في الطريق.

ولكن التساؤل الذي يطرح لماذا الإمام قد بعث مسلم إلى أهل الكوفة وهو يعلم بأن سيخذلوه ويعلم بأنه سيستشهد ويقتل وهو القائل: شاء الله أن يراني قتيلاً!

الجواب: لعله يكون للأسباب التالية:

أولاً: يريد أن يوصل رسالة لكل الرساليين المجاهدين: أن لا تستسلموا لو مهما كانت الظروف بل قاوموا وابذلوا جهودكم واعملوا بكل الطرق، فهو القائل عليه السلام: “لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد”.

ثانياً: أراد عليه السلام أن يثبت الحجة على أهل الكوفة فهم الذي توالت رسائلهم عليه يدعونه للقدوم حتى ينصروه، فأراد أن يبيّن حقيقة ادعائهم ويثبت الحجة عليهم، فبعث إليهم مسلم بن عقيل لأخذ البيعة منهم، ولمعرفة صدقهم.

ثالثاً: من خلال محنة مسلم بن عقيل وخذلانه وتركه وحيدا وقتله في الكوفة، نتعرف من خلال ذلك على أصناف الناس إتجاه الحق، حيث بعد أن وصل مسلم إلى الكوفة، اخذ يدعو الناس إلى نصرة الإمام الحسين فبايعه آلاف الناس وأخذوا يلتفون حوله، ولكن بين ليلة وضحاها وجد مسلم نفسه وحيداً غريباً يتلفت في أزقة الكوفة لايجد له ناصر ولا معين، فإن الناس انقسموا أمام مسلم بن عقيل والذي يمثل الحق إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: المنهزمون نفسياً والمتقاعسون عن نصرة الحق، خوفاً من سياط الطغاة، فبعد أن وصل عبيدالله بن زياد إلى الكوفة، وأخذ يرهب الناس ويخوفهم بجيش الشام، كما قام بضرب القيادات الشيعية أعوان مسلم بن عقيل والزج فيهم في السجون، فإن الكثير من الناس انهزموا نفسياً وتخلوا عن الحق وخذلوه، خوفاً على أنفسهم.

من خلال محنة مسلم بن عقيل وخذلانه وتركه وحيدا وقتله في الكوفة، نتعرف من خلال ذلك على أصناف الناس إتجاه الحق

القسم الثاني: المصلحيون وأعوان الظلمة، الذين يلحسون قصاع الطغاة، ويتملقوا لهم طمعاً في الحطام الذي يملكونه، فهؤلاء هم أكثر ضرراً على الحق، فأنهم لا يخذلوا الحق فحسب، بل يعادوه وينصروا الباطل ضده، وهؤلاء أيضا قسم كبير من الناس، ومثالهم هو ابن طوعة الذي وشى بمسلم وتسبب بمقتله.

القسم الثالث: أنصار الحق وهم القلة القليلة، فهؤلاء لديهم الاستعداد على التضحية في سبيل الحق ونصرته حتى ولو كلفهم ذلك مالهم أو عيالهم أو حياتهم، مستعدين لمواجهة الباطل والوقوف بوجهه ومؤازرة الحق ونصره، حتى ولو سبب لهم ذلك سجنهم أو قتلهم، ومن أولئك الذين نصروا مسلماً وضحوا من أجله هو هانيء بن عروة ومسلم بن عوسجة وحبيب بن مظاهر والمختار الثقفي وقيس بن مزهر الصيداوي وغيرهم، فهؤلاء منهم من سُجن ومنهم من استشهد مع مسلم ومنهم من حصل على فرصة للالتحاق بالامام الحسين عليه السلام.

فالرسالة من موقف مسلم بن عقيل هي؛ على الرساليين المجاهدين أن يعرفوا طبيعة الناس الذين يتعاملون معهم واقسامهم اتجاه الحق.

عن المؤلف

حسين الأميري

اترك تعليقا