حدیث الناس

السلّة الغذائية والسلّة الثقافية

“إن حقّ المؤمن على أخيه المؤمن النصيحة”. رسول الله، صلى الله عليه وآله

تغطية حاجة الصائمين في شهر رمضان المبارك من الناحية المادية، وتحديداً؛ المواد الغذائية، والمساعدة على إعداد مائدة الافطار والأسحار للمعوزين وعموم المؤمنين، يُعد تطبيقاً لتوصية النبي الأكرم، في خطبته الشهير نهاية شهر شعبان المعظم؛ “اتقوا الله بشقّ تمرة”، وهذا ما دفع المؤمنين لأن يتسابقوا لإحياء سنّة الافطار الجماعي، او لإرسال ما تيسّر من الطعام للجيران، الى جانب ما تبذله المؤسسات الخيرية من جهود جبارة ومباركة لإعداد سلات غذائية، او يسمى بالسلّة الرمضانية وتوزيعها على العوائل المتعففة، لاسيما وأن معظم العوائل –لاسيما في العراق- بأمسّ الحاجة ليد العون على قساوة ارتفاع الاسعار هذه الايام.

كل هذا حسنٌ، وقد نهض بدور انساني عظيم في شهر رمضان العام الماضي في ظل تصاعد موجة كورونا عندما استجاب معظم اصحاب المتاجر لغلق محلاتهم والجلوس مفضلين صحتهم، وصحة عوائلهم على ما يكسبونه من الرزق، بيد أن هذه السلّة بمفرداتها الغذائية تنفذ، ربما خلال فترة قصيرة، ولكن ثمة سلّة اخرى يحتاجها، ليس فقط الصائم، بل وجميع افراد المجتمع، وهي تضم جميع المفردات الثقافية للصوم بما يجيب على اسئلة طالما تُطرح همساً او جهاراً عن الحكمة من الصوم –معنوياً لا مادياً وصحياً- ثم كيف تتحقق التقوى خلال ساعات الإمساك عن الطعام والشراب؟ وماذا عن آثارها الاجتماعية، وآثارها على السلوك الفردي والاجتماعي؟

وكما أن الكبار معنيين بالسلة الثقافية، فان الصغار ممن لم يبلغوا السن الشرعي، معنيون ايضاً، فهم يرون حرص الكبار على النهوض ليلاً لإعداد وجبة الأسحار، ثم تحضير وجبة الإفطار بعد جولة من العمل والكدح لتحصيل لقمة العيش، فاذا رأوا أن الفريضة الإلهية لا تتناقض مع الغش في البضاعة، والتطفيف في الميزان (السرقة)، وفي المساء، بدلاً من قراءة القرآن الكريم، وحضور مجالس الوعظ والبحث الفكري والثقافي، يكون البعض من الكبار مستضيفين الممثلين والممثلات وأهل الطرب واللهو في بيوتهم من خلال الشاشة الصغيرة، ومواقع التواصل الاجتماعي، فانه بالتأكيد، سيطبع هذه الفريضة بهذا اللون من السلوك والتفكير.

إن التقوى التي حددها القرآن الكريم غايةً للصوم دون الخصال والفضائل الاخرى، تتدخل في السلوك والفكر والتربية، فضلاً عن العلاقة بين العبد و ربه، فالتقوى تمثل العقل الموجه لكل الفضائل، وهو عنوان الايمان، فلابد ان يصل قسطٌ منها الى الصائم، ويعد لنفسه القسط الآخر، بالضبط مثل السلّة الغذائية التي يستلمها خلال شهر رمضان المبارك.

ولكن!

عرفنا كيفية إيصال السلة الغذائية، فكيف يتم توصيل السلة الثقافية؟

تنهض المؤسسات الثقافية والدينية تجمعاتها الشبابية وهيئاتها الخيرية والتنموية بمهمة حضارية كبيرة من خلال إقامة مجالس الوعظ الديني في ليالي هذا الشهر الفضيل، الى جانب محافل القرآن الكريم، وقراءة الأدعية المأثورة، ومن هذه المجالس والبرامج الرمضانية توزع السلّة الثقافية بشقيها النظري والعملي، فالى جانب المحاضرة والكلمة للمتحدثين من اصحاب الفكر والثقافة، لابد من تفعيل الجانب العملي، وايجاد التطبيقات العملية للقيم الاخلاقية والدينية في اوساط المجتمع، ولعل أبرز وسيلة، واكثرها نجاحاً؛ النصيحة.

صحيح أن الكثير يمتعض من التخطئة، وهذه حالة نفسية طبيعية يكشف عنها القرآن الكريم؛ {أخذته العزّة بالإثم}، بيد أن الكلمة الطيبة الصادرة من القلب تدخل الى القلب قطعاً، ولو أن معظم الهفوات لا تتدنى الى مستوى الإثم والعصيان، فالامر لا يعدو ان يكون تذكيراً بسيطاً بالاساليب الفنية الراقية التي تحدث عنها علماء الاخلاق، وهذه القيمة الحضارية الراقية ينبغي ان تصدر من الجوامع والحسينيات والهيئات بالدرجة الاولى، ثم تنتشر في المجتمع، فأول من يستمع للنصح والتذكير؛ إمام الجماعة، ثم المحيطين به، بل ويطلب من الناس إهداء الملاحظات على أدائه وعمله بغية التطوير والتصويب، وهذا يمثل بالنسبة له مكسباً مهماً يعزز خطابه، ويضمن نجاح مهمته التبليغية.

هذه الثقافة (النصيحة) اذا تنتشر وتأخذ مكانها في العلاقات بين افراد المجتمع فان صيام شهر رمضان سيكتسب المحتوى والمضمون الحقيقي له، بل يكون الصيام مناسبة لتعزيز هذه العلاقات، كما من شأنه تعزيز العلاقة بين العبد و ربه، من خلال الاشارة الى موطن الخلل والضعف في النفس الانسانية، والسعي لمعالجتها بالتي هي أحسن، وبما يحفظ للجميع شخصيتهم وكرامتهم.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا