المرجع المدرسي في بيانه السنوي:

عاشوراء، صدمة رسالية لنشر الوعي وفضح النفاق في الامة

0

أصدر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، بيانه السنوي بمناسبة حلول شهر محرم الحرام، وجاء بعنوان «عاشوراء.. قرآنٌ يتحدّى وسُنَّةٌ ناطقة».

ولتعميم الفائدة، إرتأت مجلة الهدى نشر مقتطفات من البيان في عددها الخاص لشهري محرم الحرام وصفر الخير.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

  • أولاً: العرب وصدمة الرسالة

كانت العرب في قاع الجاهلية العمياء، وجاءَت الرسالة لتسمو بهم إلى أعلى درجات الكمال، وهكذا كانت صدمةً عارمة؛ فكيف واجهتها العرب؟

أ: القليل منهم حلَّق بالرسالة عالياً حتى بلغ الذروة بإذن الله – تعالى -؛ فكانوا هم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان. وحتى وصفهم النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بأنّهم: «حُلَمَاءُ، عُلَمَاءُ، كَادُوا مِنَ الْفِقْهِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاء».

ب: ومنهم من أسلم لله وللرسالة برجاء أن يدخل الإيمان في قلبه، وهكذا تدرَّج في استيعاب معاني الرسالة حتى باشر الإيمان قلبه، وقد قال عنهم ربهم سبحانه: {قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ولَمَّا يَدْخُلِ الْإيمانُ في‏ قُلُوبِكُمْ}، (سورة الحجرات: 14).

ج: ولكن الفئة الثالثة والخطيرة هي التي أظهرت الإيمان وأبطنت الكفر، وقال لهم الله – تعالى -: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاق‏}، (سورة التوبة: 101).

ولأنَّ البشر لا يزال في تعاطيه لصدمة الرسالة يعاني ذات المعاناة التي واجهتها العرب فإنَّ تلك الفئات الثلاث لا تزال موجودة في المجتمعات ولكن بنسب مختلفة.

إنما أعظم الخطر هو في أنَّ النفاق أصبح، مع الزمن، ثقافةً ترسَّخت في أفئدة الناس، وتسلَّحت بالمزيد من الأعاذير التي انتشرت عبر أمثلة تبريرية، وعبر تفسيرات وتأويلات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد أصبحت مواسم عاشوراء، عبر تاريخنا المديد، صدمةً رساليّة جديدة، أيقظت النفوس السادرة في غياهب الغفلة بل في كهوف النفاق، وفضحت تلك الموجات المتلاحقة من أعاذير النفاق، وتبريرات الكسل.

 

  • ثانياً: سُحُب التبرير كيف تتقشَّع في عاشوراء؟

النفاق لم يعد حالةً شخصية؛ بل أمسى ثقافةً مليئةً بالمغالطات والأعاذير والتبريرات، تدعو إلى الإنهزامية والسلبية، وإلى ما دعا إليه أهل الكوفة، حيث تراهم رفعوا شعار: «مالنا والدخول بين السلاطين» الذي إنتهى بهم إلى عظيم الخسارة في الدنيا والآخرة.

ولكن؛ كيف نستطيع أن نحارب، عبر عاشوراء، هذه الثقافة التي لا تزال مسؤولة عن هزائم الأمة؟

ألف: ببيان مدى تطابق نهضة السبط الشهيد، عليه السلام، وبصائر الوحي.

أوَ لم يكن الإمام الحسين، عليه السلام، هو الذي قال عنه الرسول، صلى الله عليه وآله: «حُسَيْنٌ مِنِّي وأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً»، وقال: «الْحَسَنُ والْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»، وهكذا كان القرآن الناطق، وكلُّ حركةٍ قام بها وكلُّ كلمةٍ فاه بها وكلُّ موقفٍ اتخذه كان – كما حروف كتاب الله سبحانه – عين الحقيقة.

ولو استطاع المتحدث عن عاشوراء – خطيباً كان، أو شاعراً، أو رادوداً (ناعياً) – أن يستشهد في سرده لسيرة الإمام، عليه السلام، بآية كريمة من كتاب الله المجيد، من آيات الجهاد والشهادة، إلى آيات الصبر والإستقامة، وحتى آيات الخُلُق العظيم الذي تجلّى في واقعة الطف، بلى لو استشهد بتلك الآيات وغيرها لكان حديثه أبلغ وأغنى وأقدر على تسفيه ثقافة التبرير؛ بإذن الله – تعالى -.

باء: وبيان أبعاد التشابه بين ظروف نهضة السبط الشهيد وما نعايشه من ظروفٍ إختلفت فيها الأسماء وبقي الجوهر واحداً، ومن ثَمَّ بيان واجبنا الذي قد يكون مجرد نسخة باهتة لتلك الظروف؛ ولكنه – بالتالي – واحد من حيث المضمون. بلى؛ ثورة السبط الشهيد ضد الطغيان والشرك والظلم كان المثل الأعلى لكلِّ ثورة، وهكذا لا يجوز لأحدٍ أن يتهرَّب من مسؤوليته إذا تذكَّر آفاق تلك الثورة وعظمتها.

فأيُّ شخصٍ يُقاس بسيد الشهداء؟! وأيُّ دمٍ يمكن أن يشابه ذلك الدم الزكيّ الذي إريق في سبيل الله؟! وأيُّ نساءٍ أعظم حرمةً من آل بيت الرسول، صلى الله عليه وآله؟! وأيُّ واقعةٍ أعظم من تلك الواقعة التي سُفِك فيها دماء خيرة أهل الأرض جميعاً من أجل الله؟! ومن ثم؛ هل بقي لأحدٍ عذر في التنصُّل عن مسؤوليته؟!

إنَّ كلمة كلِّ مسلم موالٍ، والتي يتعلمها كل جيل من سلفه:

«يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْن‏»

«هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّة»

«يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً».

إنَّ هذه الكلمات والشعارات التي ترددها شفاه مئات الملايين كل يوم، وبالذات أيام ذكرى عاشوراء، إنها ثقافة التحدي التي تنسف أسس ثقافة التبرير، إنها كما أشعة الشمس التي تخرق سحب النفاق.

 

  • ثالثاً: كيف تُشحذ عزائمُ الأمة؟

بفعل الظروف المعاكسة، وبسبب تواتر المآسي وربما الهزائم في حياة الأمة إبتلاءً من عند الرب سبحانه لعباده، وهكذا بسبب الخنّاسين الذين ينفثون في عقائد الناس وساوسهم؛ فإن الأمة بحاجة إلى شحذ العزائم لمواصلة درب التضحيات، ولإستمرار المسيرة الشائكة، ونهضة السبط الشهيد، عليه السلام، تبدِّد غيوم اليأس، وسحب التردُّد، ونفثات الشياطين من الجِنَّة والناس أجمعين.

لقد كان الإمام الحسين، عليه السلام، قمّة القمم وذروة الذُّرى، وكل قمّةٍ مِن حوله أعظم مِن كثيرٍ مما نعرفه من القمم العالية في الجهاد والفداء.

1- زينب الرفض والتحدي

لقد كانت زينب، عليها السلام، في مسيرة الملحمة الكبرى، رمزاً نسائياً، وحجةً على كل امرأة، بل وعلى كل رجل، في رفض الظلم وتحدّي الهزيمة والإستطالة ضد الطغاة، وعلينا أن ندرسها بكل إجلال، ونستعرض بطولاتها لتكون درساً لكل مجاهد؛ بل لكلِّ إنسانٍ سويّ.

2- سيّد الوفاء والإباء

أما سيّد الوفاء، وأبو كلِّ فضلٍ وإباء، العباس، عليه الاسلام، صاحب السقاء؛ فإنه علّم البشرية معاني الكرامة والشموخ، وقيم التسليم للحق والدفاع عنه بكل بسالة، وعلّمهم أسس الطاعة لوليِّ الأمر وبصائر اليقين.

3- رمز الإيمان بالقيادة الربانية

أمّا نجلُ سيّدِ الشهداء عليٌّ الأكبر، عليه السلام، الذي كان أشبه الناس برسول الله، صلى الله عليه وآله، خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً؛ فإنه أقتحم غمار الموت بإيمانٍ ثابتٍ بالله وبالقيادة الربانية، وهكذا برفضٍ تامٍ للطاغوت.

4- الموت أحلى من العسل

وكانت كلمةُ القاسمِ ابن الإمام الحسن الزكيّ، عليهما الاسلام، درساً عظيماً لكل مؤمنٍ، حيث سأله عمه الإمام الحسين، عليه السلام، قائلاً: «يَا ابْنَ أَخِي، كَيْفَ الْمَوْتُ عِنْدَكَ»؟

قَالَ: «يَا عَمِّ أَحْلَى مِنَ الْعَسَل» (14).

وحين يوصي أصحاب الإمام الحسين، عليه السلام، بعضهم بعضاً بنصر سيد الشهداء عند آخر رمقٍ لهم في الحياة؛ فإنهم أثبتوا بذلك كيف أنَّ المؤمن يستطيع أن يحلِّق عالياً في سماء العرفان، إلى حيث يجعل الدين فوق كلِّ ما في الحياة حتى الأهل والأولاد.

ولكن السؤال العريض: هذه المصيبة الكبرى التي انتهت بسفك دماء أعظم عباد الله بأبشع صورةٍ ممكنة، هل انتصر فيها الحق، أم انتصر الطغاة؟

5- «…والعاقبة للمتقين»

إنَّ الحقائق بعواقبها، وإنَّ العاقبة للمتقين ولعباد الله الصالحين. ألم تقرأ قصص القرآن الكريم عن الرسل كيف انتهت إلى انتصار الحق، ومحق الباطل؟

وهكذا بعد أن استُشهِد الإمام الحسين، عليه السلام، وبث في الأمة روح الجهاد ضد الطغاة، فإذا بالإنتفاضات والثورات تندلع هنا وهناك لتزلزل عروش الطغاة، ولا تزال تلك الروح تلاحق الفاسدين، وتجعل الأمة تستطيل على محاولات الترقيع وتقاوم المحتلين والمعتدين، وتجعل الشهادة في سبيل الله أمنيّة شائقة لفئةٍ عظيمةٍ من المؤمنين.

 

  • رابعاً: توصيات لمن يريد الذكرى إلى الناس جميعاً:

إنَّ إحياء ذكرى عاشوراء من أعظم الأعمال مثوبةً في الدنيا والآخرة؛ لأنَّ إحياء هذه المناسبة بمثابة إحياء الأرض بغيث السماء، وفيها إحياء لبصائر الوحي وأحكام الدين وسنن الأخلاق،

إلى أصحاب الهيئات الحسينية:

عليكم – أيها الأعزة – أن تجعلوا من خدماتكم وسيلة الزلفى إلى الله – سبحانه – بإخلاص النية وإتقان وسيلة العمل، وبالتعاون مع بعضكم بلا أيّة حميّة أو حسّاسيّة.

إلى الشعراء والمداحين:

عليكم أن تبتغوا بكل بيتٍ تنشدوه لإحياء الذكرى، بيتاً في جنان الخلد عند ربٍ رؤوفٍ – سبحانه – وأن تراعوا دقة المضمون تاريخياً وقيمياً مع أروع صور إثارة الأحاسيس الجيّاشة.

إلى الخطباء الكرام:

عليكم – أيها الكرام – أن تستمعوا إلى الناس لتعرفوا حاجاتهم العقائدية والأخلاقية؛ فتردوا شبهات أبالسة الأرض، وأن تستعدوا للخطاب بكل وسيلةٍ ممكنة، من التدبر في آياتٍ جديدة، بالإضافة إلى الآيات التي تدبرتم فيها سابقاً، وليكن كلُّ خطابٍ فيه الجديد من بصائر الوحي.

وهكــــذا الإهتمــــام بالنصــــوص الشرعية، وبالذات كلمات السبط الشهيد وزياراته، ومــــا قال الأئمــــة الطاهرون، عليهم السلام، عنه وعن أهل بيته وأصحابه، وعليكم أن تتعرفوا على واقعِ مَن تتحدثون لهم، ونقاط ضعفهم الذي لابد أن يُجبر في هذه المحافل المباركة، وهكذا؛ فان الكلمة التي تصدر من القلب بإخلاص النية، ومع الدعاء أن يجعل الله فيها التأثير، إنها كلمة تدخل في القلب بإذن الله؛ والله المستعان.