الشخصية القوية عند النساء وأهدافها

الحوراء زينب عليها السلام أنموذجاً

0

تربية البنات الصحيحة تتمثل بالتربية السليمة القائمة على أسس بناء الشخصية التي تتصف بالإنسانية والاعتدال والقوة، وتبدأ مرحلة بناء شخصية البنت منذ الطفولة بالتعامل معها بالحب والاهتمام، واحترامها والاستماع لها ومحاورتها واللعب معها وتوفير احتياجاتها ورعايتها مع جعلها تشعر بأمان مع أسرتها بطرد التعامل بالتسلط معها، وبالخوف خاصة في سنينها الأولى.

ولكننا نجد أن الكثير يعمد في تربية البنات إما على أساس الخجل وتحطيم الشخصية أو الانفلات والوقاحة، ضاربين الاعتدال بتربيتها المتمثلة بالجرأة الأدبية، عرض الحائط، فالجرأة لوحدها دون الأدب تكون وقاحة وبدون الجرأة الأدبية تكون البنت خجولة ذات شخصية تشعر بالدونية والنقص عن أقرانها.

 

  • نتائج بناء الشخصية بصورة صحيحة

1- العفة: من نتائج بناء الشخصية السليمة للبنت أن تكون ذات عفة باطنية تنعكس على هيئة حياء يمنعها من أن ترخص عفتها، فتعدّ عفتها كالجوهرة النفيسة التي بين كنفيها لا تفرط بها أطلاقاً للأجنبي، وتكون أحرص الناس على حجابها.

وعفة السيدة زينب، عليها السلام، كانت محفوفة بالحياء، ولا نقصد به الخجل المذموم الناتج عن ضعف الشخصية، والذي يعرف من خلال أن المرأة الخجولة لا تختلط حتى مع النساء، وتكون مهزوزة تختبئ خلف نفسها لأنها تنظر إلى نفسها بدونية واحتقار وتعتقد أنها أقل من الآخرين، بينما الحياء يكون مع قوة الشخصية واختلاط المرأة بالنساء وبالرجال عند الضرورة وأمور أخرى مع الحفاظ الكامل على الحجاب بحياء يمنعها من عمل القبيح، وهو الحياء الزينبي بحجابها الناتج عن ثقة بالنفس كبيرة، وقناعة بارتدائه لبساً وصوتاً وحركة أمام الغريب.

يقول بشر ابن خزيم الأسدي، وكان بين من شهدوا مواقف العقيلة زينب في الكوفة بعد واقعة الطف: «نظرت إلى زينب ابنة علي، عليهما السلام، يومئذ، فلم أرَ خَفِرةً أنطق منها، كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين، وقد أومأت إلى الناس ان اسكتوا فسكتوا…».

وكلمة «خَفِرةً» تدل على حجاب الحوراء، عليها السلام، الكامل، والمحاط بحيائها، وجرأتها المصاحبة للآداب والاحتشام.

2- العلم: من أركان بناء الشخصية القوية؛ العلم، والسیدة زینب، عليها السلام، قد عُرفت بالعلم منذ طفولتها ونشأتها الأولى فقد حفظت وروت عن أمها الزهراء، عليها السلام، خطبتها التي ألقتها على مسامع المهاجرین والأنصار في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وحفظت القرآن الكریم وهي ما زالت طفلة صغیرة، كما حفظت أحادیث عن جدها الرسول الأكرم في أحكام الدین، وقواعد التربیة وأصول الأخلاق، حتى أن الحوراء، عليها السلام، ذات مرة، وكانت طفلة، سألت أباها فقالت يا ابتاه، اتحبنا؟ قال: نعم يابنيّ؛ أولادنا اكبادنا، فقالت: يا أبتاه، حبان لا يجتمعان في قلب؛ حب الله وحب الأولاد، وإن كان لابد فالشفقة لنا والحب لله خالصا. وهذا ينمّ عن معرفة وعلم سبق عمرها، وكيف لا وهي بنت سيدة نساء العالمين.

وفي مرحلة شبابها كانت في الكوفة في أیام أبیها، وكان لها مجلس خاص تزدحم علیها السیدات فكانت تلقي علیهن محاضرات في تفسیر القرآن الكریم، وكن یأخذن منها أحكام الدین وتعالیمه وآدابه.

3- الصبر: ترى صاحب الشخصية القوية أكثر تحملاً من غيره، لا يعيش التذمر والشكوى ويواجه الصعاب ويجتازها فضلاً عن الإيمان الذي يكسب الفرد صبراً عظيماً.

قال أمير المؤمنين، عليه السلام: «واعلموا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد»، والصبر عند النساء أكبر. قال الإمام الصادق، عليه السلام: «إن الله تبارك وتعالى جعل للمرأة صبر عشرة رجال فإذا حملت زادها قوة عشرة رجال أخرى».

والسيدة الحوراء، عليها السلام، بإيمانها وقوة شخصيتها صار الصبر لها أضعافاً مضاعفة، فضربت به الأمثال، الأمر الذي جعل كل من يقرأ قصتها يقف متحيراً كيف أن امرأة بهذه الصلابة والقوة حين قُتِل إخوتها وأبنائهم وأبنائها وأقاربها، ثم تتحمل مسؤولية النساء والأطفال فهي الصابرة المصبّرة للسبايا.

4- القيادة وتحمل المسؤولية: الشخصية القوية من صفات الشخصية القيادية، تتحمل المسؤولية ولا تهرب منها، وإذا ما تتبعنا مسيرة الحوراء نراها قد تحملت المسؤولية السياسية والدينية لفضح الظالمين بشجاعة لا تقهر وعزم لا يلين، فيما كان حُماتها من الرجال الأشداء كلهم شهداء أمام ناظريها، وهي في هجرة عنهم شاهرة اللواء الذي استشهدوا جميعهم من أجله، والطاغية بين حاشيته وحماته وأنصاره لكنها وقفت بوجهه وأنَّبته ووبخته مما يعجز عن هذا الموقف الرجال أنفسهم، إلا الأندر منهم.

وكانت خير مثال للقيادة بحيث يشعر المرء أنّ حسيناً لم يُقتل؛ فهي المعتمد عليها من قبل الإمام الحسين، عليه السلام، في قيادة النساء والأطفال، وبكشف الحقيقة أمام الناس في ظل الظالمين، وإدارة بوصلة فهم الناس الخاطئ بأنهم خوارج، وإعادتهم إلى قبلة الفهم الصحيح بأنهم من أهل بيت النبوة، ثاروا على الظلم والفساد.

5- اللباقة: الشخصية القوية لها جرأة أدبية في الخطب وأسلوب راقٍ بالتحدث إلى الناس بكلام بلاغي هادف يحمل بين طياته معاني مثمرة وهذا ما توفر بالسيدة زينب، عليها السلام، بخطبتيها بالكوفة والشام، فكانتا ذات أسلوب بلاغي يصعب على من هو في الرخاء إنشائه فكيف بها وهي بأسوأ الظروف، وما ذلك إلا بفضل تمكنها لغوياً وبلاغياً، حتى إن الرواة قالوا إنها صورة لبلاغة وفصاحة أبيها أمير المؤمنين، عليه السلام، وكذلك المعاني التي حملتهما تلك الخطبتان من وعيد بعدم فلاح الظالم وأن الرسالة المحمدية مستمرة، وما تخللتها من شجاعة في الطرح من تأنيب وتوبيخ.

6- الثقة بالنقس: وأي ثقة بالنفس أعظم من ثقة الحوراء زينب، عليها السلام، من وقوفها بكل رباطة جأش وحماس وطمأنينة فلم تكن مستَفَزة ولا مكسورة الروح بل قمة جبل راسخة، وعندما خاطبها ابن زياد – عليه اللعنة – قائلاً: «كيف رأيت صنع الله بأخيكِ الحسين وأهل بيتكِ…»؟! فأجابته باطمئنان نابع من إيمان وثقة من شخصية سليمة عارفة لهدفها: «ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتُحاج وتُخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة»، وهذا الرد كان لها من موقف القوة لا من موقف الضعف.

وفي الشام أيضاً أذاقت يزيد وحاشيته وأعوانه ألم الموت بخطبتها، حيث فضحت يزيد في مجلسه في الشام وقرّعته، واستصغرته، منها قولها: «إني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك» إلى أن توصله إلى نتيجة: «وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين».

 

  • الـتأثير في الآخرين وتحقيق الهدف

صاحــــــب الشخـــصية القــــــوية يؤثر بالناس، ويجذب الناس حوله كالمغناطيس، وترى السيدة زينب، عليها السلام، كانت مؤثرة أولاً بالنساء والأطفال التي تحت مسؤوليتها، فكانوا يستمدون القوة والصبر منها، وثانياً كان لها التأثير حتى على الأعداء من خلال خطبتيها في الكوفة والشام، والتي لم تكن بسجع جميل فقط، إنما كانت تحمل النَفَس الإيماني المؤثر حتى أصبح الناس بعد خطابها حيارى، واضعي أيديهم على أفواههم، حتى أن شيخاً قد دنا منها يبكي حتى أخضبت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم وأمي، كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبداً.

ونجحت بتحقيق أهداف الثورة الحسينية وفي إفشال الإعلام الأموي المسموم وبفضلها استمرت رسالة الإمام الحسين، عليه السلام، التي بها بقي الإسلام وكُشف المنافقون والمزيفون، فأصبحت عاشوراء زينب والحسين درساً على مر التاريخ.