ليتوحد الخطاب الصحّي في الحرب على كورونا

0

فايروس كورونا من أسرة الفايروسات المسببة لمرض الانفلونزا المعروفة لدى الناس، وقد تطوّر –لاسباب مختلفة- واتخذ لنفسه شكلاً جديداً في عمله المضاد لصحة الانسان، فاصبح فتاكاً وصعب السيطرة عليه، ولغته الوحيدة؛ العدوى السريعة، ثم الاستيطان في المناطق الرخوة والضعيفة في الجهاز التنفسي (الرئتين) ثم الموت، ثم هو ليس كائن حيّ، إنما هو “إنزيم مغلف بالبروتين والدهون”، فهو يحتاج الى الخلايا الحيّة لكي يعيش فيها، فهو حساس من أشعة الشمس القوية، ومن الجهاز المناعي المحصّن بالفيتامنيات والمعادن.

هذا باختصار شديد ملامح الفايروس الذي حدده معظم علماء الطب في العالم، وهي ملامح تدعو الى الاطمئنان والثقة بسهولة تجاوزه، والاستمرار في الحياة الطبيعية، كأن شيئاً لم يكن، ولكن! بدلاً من استثمار هذه المعلومة الأساس والقاعدة المتفق عليها في هوية الفايروس لضمان الأمان –على الأقل- من الانتشار والتسبب بالمشاكل الصحية، نلاحظ انزلاق الناس في كل مكان بالعالم في متاهات الاجراءات الوقائية، والصدام الحاصل بينهم وبين الحكومات التي تخبطت في اجراءات الحظر المنزلي، ودرجاته ومستوياته، والتقاطع الحاصل مع لقمة عيش الملايين من البشر.

[ .. بمقدار الارتباك والتخبّط والتناقض في طريقة المواجهة، كان بنفس المقدار الاصابات بأرقام مليونية، وإزهاق لعشرات الآلاف من الناس من مختلف الاعمار، فمن التجاهل الحاصل في ايران، ثم الاهمال في ايطاليا، ومن ثمّ فكرة “مناعة القطيع” في بريطانيا ..]

وبمقدار الارتباك والتخبّط والتناقض في طريقة المواجهة، كان بنفس المقدار الاصابات بأرقام مليونية، وإزهاق لعشرات الآلاف من الناس من مختلف الاعمار، فمن التجاهل الحاصل في ايران، ثم الاهمال في ايطاليا، ومن ثمّ فكرة “مناعة القطيع” في بريطانيا، والمسرحيات البهلوانية المستمرة لرئيس اميركا؛ دونالد ترامب، بين التكذيب وبوجود هكذا فايروس، وأنه “أكذوبة”، الى اتهام الصين بالضلوع بتجارب بايولوجية وانتاج الفايروس بشكل مجهّن وتسربه من مختبراتها، وفي هذا الطريق الطويل حصد الفايروس أرقاماً مهولة من الضحايا تلامس رقم العشرة ملايين مصاب، و موت حوالي نصف مليون انسان!
صحيح أن علم الطب مفتوح على اجتهادات وآراء تعود لاصحابها كلٌ حسب ما يفهمه من النصوص العلمية او التطبيقات العلاجية وآثارها، بيد أن ميدان العلم لا يخوض فيه عامة الناس، بل هم بعيدون عنه بالاساس، والخطأ الذي ارتكبه بعض الاطباء، ومعظم الجهات الصحية الحكومية في أنهم وضعوا ميدان الطب في ضوء وسائل التواصل الاجتماعي او ما يعرف بالسوشيال ميديا (الاعلام الجماهيري)، فخرجت النصائح من جهة والتحذيرات من جهة أخرى يضرب بعضها بعضاً في أمر الوقاية من هذا الفايروس، حتى وصل الأمر الى واقية الوجه (الكمامة) التي هي الاخرى لم تكن عالمياً الوسيلة الوقائية المتفق عليها، حتى خرجت وسائل التواصل الاجتماعي في الاوساط العراقية لتبين للناس أن هذا النوع مفيد، وذاك غير ذي جدوى.

في وقت نرى الجميع يستخدم أنواع مختلفة منها، المفيد والمضر، من رئيس الوزراء و وزراء الحكومة، حتى مسؤولي الدولة، والناس العاديين طيلة الأشهر الماضية، وفي الوقت الذي يقرأ الانسان العراقي ما يؤكده العلماء في العالم من أن الكمامة ليست الوسيلة الواقية دائماً، إلا في أماكن الزحام وتعذر التباعد الاجتماعي، نجد السلطات المحلية في العراق تفرض غرامات مالية على سائقي السيارات ممن لا يضعون هذه الكمامات على وجوههم وهم وحدهم يقودون سياراتهم!

[ ..الغموض الذي يخيم على الفترة الزمنية التي يستغرقها هذا الفايروس يدعو الى توحيد الخطاب الصحي الى الجماهير في العراق، بل في جميع انحاء العالم، فالقضية تتعلق بفايروس لا حدود له، إنما الفارق في طرق المواجهة حسب ظروف المجتمع والمناخ والبيئة ..]

وآخر جولات الصدام في المعلومات الطبية ما شهده الجميع، وفي العراق تحديداً من وجود علاج لهذا الفايروس، فقد ظهر طبيب يتحدث عن عشبة طبية، وآخر يتحدث عن دواء من مستحضر كيميائي، والاثنان تحدثوا بثقة عالية عن تجاربهم، ثم كانت الصدمة في طبيب آخر يتهم كل من يتحدث عن العلاج بأنه “دجال”! ويستغفل عقول الناس، ويجزم بعدم وجود علاج حقيقي لهذا المرض، علماً التقارير الصحفية تحدثت عن وجود العلاج في اماكن معينة ذات قدرات علمية فائقة، مثل روسيا، ولكن بسبب اختلاف المعايير بين دولة وأخرى، فان العالم “الرسمي” يرى في الاعتماد على ما تقرره منظمة الصحة العالمية هو “العلاج الرسمي” وليس غيره!

الغموض الذي يخيم على الفترة الزمنية التي يستغرقها هذا الفايروس في العيش وسط ملايين البشر، بعد الغموض الكبير الذي اكتنف منشأه ومصدره في بادئ الأمر، والاجراءات المرتبكة وغير الواقعية ولا العلمية من قبل السلطات الامنية والحكومية، كلها تدعو الى توحيد الخطاب الصحي الى الجماهير في العراق، بل في جميع انحاء العالم، فالقضية تتعلق بفايروس لا حدود له، إنما الفارق في طرق المواجهة حسب ظروف المجتمع والمناخ والبيئة وغيرها، وهذا من شأنه ان يعزز الثقة والاطمئنان في النفوس بالقدرة على تجاوز هذه المحنة بأقل الخسائر، وهذه الثقة ستكون في صالح معشر الأطباء والجهات الحكومية المعنية، حيث ستكون مهمتهم أقل تعقيداً وصعوبة مع تعرض معظم دول العالم، لاسميا ذات الامكانات البسيطة مثل العراق، لأزمات خانقة في المستلزمات الطبية الخاصة بمواجهة كورونا المستجد.

وفي غير هذا، فإن الايام تتجه بالناس الى مزيد من عدم الثقة بعلم الطب بشكل عام، بعد ان وجده عاجزاً أمام هذه الفايروس البسيط الذي يذوب تحت حرارة الشمس، وتبتلعه المعدة بفضل الماء الساخن، وعدم الثقة هذه بدورها تزيد من اعداد الاصابات والوفيات ليس بسبب قوة الفايروس –كما يشاع دائماً- وإنما بسبب ضعف التدابير والاجراءات الحقيقية لازالة اللبس والغموض وتعريف الناس بما يجب فعله بشكل موحد في كل مكان.