ماذا تعلمنا صلاة الامام الحسين وسط المعركة؟

0

فيما كانت المعركة قائمة، وقد ازدلف الى ساحة المواجهة، الوجبة الاولى من اصحاب الامام الحسين، عليه السلام، حان وقت صلاة الظهر، فوقف الامام ليصلي بنصف من بقي معه من الاصحاب، وحسب الروايات، فانه، عليه السلام، «أمر زهير بن القين، وسعيد بن عبد الله الحنفي، بنصف من تخلف معه ثم صلى بهم صلاة الخوف».

عندما نقرأ في زيارة الامام الصادق، عليه السلام، لجده الحسين، في زيارة وارث: «أشهد انك قد أقمت الصلاة»، فهذا يعني أن الصلاة الفريضة جزءٌ رئيس من نهضة الامام الحسين، عليه السلام، وأحد المصاديق العملية لمشروعه الإصلاحي الذي أطلقه في اللحظات الاولى من انطلاقه نحو الكوفة، ونحو ساحة المواجهة مع الفساد والانحراف في الامة.

ولكن أية صلاة؟

هل هي الصلاة التي نصليها كل يوم؟

 

  • التحدي قبل التفكير بالتغيير

نحن نقرأ في الروايات عن الصلاة التي كان يؤديها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وامير المؤمنين، وايضاً الصديقة الطاهرة، والامام الحسن، وسائر الائمة المعصومين، عليهم السلام، بيد ان الصلاة التي أداها الامام الحسين، عليه السلام، وسط المعركة لها رسالة اخرى لنا جميعاً، وهي رسالة التحدي لكل اشكال الانحراف مهما كانت الظروف ومهما كلف الثمن، لان علينا ان نتذكر ان الذين كانوا يقفون بوجه الامام الحسين في الصف الآخر، ويتسابقون على قتله وقتل اصحابه واهل بيته، ليحظوا برأس احدهم ليتقربوا به الى ابن زياد، كانوا ايضاً يصطفون للصلاة في اوقاتها، ولم يكونوا من غير المسلمين، بيد ان الفارق أنهم لم «يقيموا الصلاة»، وانما كانوا يؤدون حركات ظاهرية مع لقلقة لسان، ربما إن كان يُسأل احدهم؛ عما قلت في صلاتك ومن كنت تحدث وتقول – مثلاً – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، لما كان يجد جواباً، لان صلاته كانت مجردة من الروح والمضامين التي ارادها الله – تعالى – للمسلمين، ولذا نجد الامام الصادق، عليه السلام، يوسم صلاة جدّه الحسين، بانها «إقامة» بمعنى التثبيت والتصديق على ارض الواقع لكل مضامين ودلالات الصلاة التي أمرنا بها الله – تعالى -.

ومن معاني «إقامة الصلاة» الالتزام بحدودها التي يعدها العلماء بأربعة آلاف حد، «فمن حدود الصلاة؛ حضور القلب في جميع اللحظات والسكنات، وفي جميع الحركات، والاقوال والاذكار، بحيث لا يشطّ ولا يشرد ذهن الانسان، ولا يزيغ قلبه او بصره او بصيرته، حتى لحظة واحدة».

ومن الواضح ان الالتزام بهذه الحدود كاملة، يعد امراً عسيراً على معظمنا، إلا من وفق لذلك؛ من الصالحين والاخيار، بيد ان الدرس الذي نتعلمه؛ تحدي العقبات النفسية لأداء صلاة كهذه جهد الامكان، وهو بحد ذاته يمثل عملية جهادية وإصلاحية في آن، تواكب مسيرة النهضة الحسينية.

 

  • البعد الانساني

عندما نقرأ في الصلاة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، (سورة الفاتحة: 5) فنحن بالحقيقة، نقرّ يومياً بمبدأ انساني اساس ثبته الاسلام منذ الساعات الاولى لبزوغه، وهي نفي العبودية إلا لله -تعالى – وان يكون البشر جميعاً أحراراً، لا سلطة لشخص على آخر، إلا بالعنوان الثانوي – وهو مصطلح فقهي – مثل طاعة الزوجة لزوجها، او طاعة الابن لوالده، وحتى طاعة الامة وولايتها للنبي والأئمة المعصومين، عليهم السلام، التي هي طاعة امتدادية تتصل بالطاعة لله – تعالى -.

والى جانب العبودية؛ الاستعانة بالله وحده، وأن لايفكر الانسان لحظة واحدة، أن رزقه وسلامته وقوته وكل ما يملك، انما من ذاته، او صادر من انسان آخر، ربما يكون رئيس جمهورية او زعيم مقتدر، او من جهة معينة.

هذا الاختبار الصعب هو الذي سقط فيه اهل الكوفة عندما عدلوا عن نصرة الامام الحسين، عليه السلام، وخذلوه وأنكروا عليه بيعته، وسلّموا زمام مصيرهم في الدنيا والآخرة لاشخاص تافهين، أقل ما يقال عنهم أنهم «طلقاء رسول الله»، وابناء الشريحة المنافقة الميالة دائماً الى العهد الجاهلي، فكان الخسران المبين.

ولطالما حذرهم الامام في خطبه، وايضاً الاصحاب، قبل اندلاع المعركة، من مغبة المضي في هذا الانحراف والانصياع للأمويين على أنهم يمتلكون اسباب القدرة في التحكم بمصائر الناس، فخرج من بينهم الحر بن يزيد الرياحي، ليكسر الصمت القاتل ويحيا شهيداً وحراً بعد قراره التاريخي بالانفصال عن معسكر عمر بن سعد والالتحاق بمعسكر الامام الحسين، عليه السلام.

لذا يمكن القول؛ إن نهضة الامام الحسين، أعطت المصداقية العملية لإقامة الصلاة، ولولاها «لكان يمحى المغزى الحقيقي من الصلاة بالكامل، وهو تفويض الامر الى الله والتسليم له وإطاعته، وكانت الطاعة والولاء تتحول بشكل كامل، وعلى مختلف المستويات والشعوب والجماعات الى الطغاة والمستبدين على مر التاريخ».

بل إن معركة الطف بحد ذاتها واشتباك الأسنة والرماح بين معسكر الامام الحسين ومعسكر عمر بن سعد، كان «التجسيد الاكبر لتفويض الامر الى الله، والتوكل عليه، والتسليم له، والعبودية له، وعدم الاستعانة بغيره، ما دام في التسليم المطلق لما قدره الله، رضا الله – تعالى -، وكان الامام، عليه السلام، يكرر خلال تلك الساعات العصيبة من قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، وفي لحظة، هي من أشدّ اللحظات على الامام الحسين، وعلى أي أب يحتضن ابنه الرضيع، ثم يجده مذبوحاً من الوريد الى الوريد، فان أول كلمة تصدر منه، عليه السلام: «هوّن ما نزل بي إنه بعين الله».

وجاء في روايات عديدة أن اربعة آلاف ملك هبطوا من السماء، وعرضوا نصرتهم للإمام الحسين، عليه السلام، وكذلك فعلت الجن، ولكن الامام رفض كل هذه العروض لانه لا يطلب إلا من الله – تعالى – (1) وكان، عليه السلام، قد كشف للجميع بأن «شاء الله ان يراني قتيلاً ويراهن سبايا».

من هنا نفهم أن المعنى الحقيقي للآية الكريمة التي نتلوها يومياً:

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، كما نعرف حجم الفاصلة التي تفصلنا عن المعنى الحقيقي لها، وكم نحن بعيدون، نركن الى الوزراء والمدراء ومن له المال والقدرة والنفوذ، علماً اننا نشهد العاقبة غير المحمودة لكل من استعان بالطغاة والفاسدين.

 

  • إحياء معالم الدين كاملة

ثمة ترابط واضح بين الحديث الشريف: «الصلاة عمود الدين»، وبين «إقامة الصلاة» في زيارة الامام الحسين، عليه السلام، فالصلاة التي أقامها الامام طيلة حياته، وحتى اللحظات الاخيرة في معركة الطف، كانت تجسيداً لقيم ومفاهيم الدين، وهذا يدفعنا للتدبّر بالآية الكريمة:

{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}، (سورة العنكبوت: 45) فكيف يحصل هذا، والانسان المصلي مستقر في مكانه، يؤدي اركان الصلاة وافعالها المعروفة؟

إن حضور الصلاة بكل مضامينها في حياة الانسان، من شأنها تغيير الواقع الفاسد، والحفاظ على التماسك الاجتماعي والقيم الاخلاقية والانسانية، وكل ما يدعو اليه الدين لسعادة الانسان، فالذي لا يكون توجهه صحيحاً ودقيقاً الى رب السموات والارضين، كيف يتوقع ان يكون توجهه وتعامله صحيحاً مع عباد الله البسيطين والفقراء الى صاحب القدرة المطلقة؟

وعندما نؤكد في احاديثنا دائماً بان الامام الحسين، عليه السلام، حافظ بنهضته المباركة وتضحياتها العظيمة، على كيان الدين وجوهره، فلابد ان تكون ثمة وسيلة واضحة وملموسة اعتمدها الامام في هذه المهمة الرسالية؛ ألا وهي إقامة الصلاة وسط المعركة وأمام الحشود التي جاءت لقتله من دعاة الاسلام ليثبت لهم وللعالم والاجيال ان الدين كلٌ لا يتجزأ بقيمه ومبادئه، فهو يدعو اهل الكوفة بالوفاء ببيعتهم، وعدم النكول والخيانة، كما يبين لهم جانباً مشرقاً آخر من الدين، وهو الأخوة، عندما يساوي بالمعاملة بين ما فعله مع ابنه علي الاكبر، عندما وضع خدهعلى خده، وبين ما فعله مع جون، مولى أبي ذر، ذلك العبد الأسود، كما انه يفتح باب التوبة على مصراعيه لتكون فرصة التغيير قائمة على طول الزمن لمن يريد كما فعل الحر الرياحي، علماً ان الامر ليس بالسهولة التي يتصورها البعض، فمن الصعب استقبال شخص يكون السبب في عطش النساء والاطفال ودفعهم نحو الهلاك والمهانة، بيد أن الامام الحسين، كانت رؤيته شمولية وعالمية ليبقي الروح والحياة في كيان الدين وفي قلب كل مسلم.

  • المصدر: كتاب؛ الامام الحسين وفروع الدين – لمؤلفه آية الله السيد مرتضى الشيرازي

—————–

  • (1) بحار الانوار/ ج44/ ص364.