الاخلاق النفعية .. قراءة نقدية في قيم التقدم الاجتماعي

0

الاخلاق هي مجموعة الكمالات المعنويّة والسّجايا الباطنيّة للإنسان، وقال بعض العلماء: إن الأخلاق أحياناً تطلق على العمل والسّلوك الذي ينشأ من الملكات النفسانية للإنسان، ولذا فالتعريف الأول مختص بالأخلاق الصفاتية والثاني مختص بالأخلاق السّلوكية.
ولاشك ولا شبه في أن الأخلاق عامل مهم من عوامل تقدم المجتمعات والشعوب، وعنصر فعال في تكوين الحضارات وازدهارها، وقد دار نقاش حاد بين الفلاسفة والعلماء حول المسألة الأخلاقية سواء في مصدرية الحكم الأخلاقي، و هل هو إنساني أو ديني، أو مصدره الضمير أو العاطفة أو المجتمع أو العقل العملي، ولأجل تحديد شكل الهوية الأخلاقية التي يجب على المجتمع الإيمان بها والتمسك بشعارها واتخاذها سلوكاً حياً، على أساس ذلك وضع فلاسفة الأخلاق نظريات اخلاقية تفسر حقيقة ما يؤمنون وتدعم ما يذهبون إليه من آراء وأقوال ، ومن هذه النظريات نظرية (الاخلاق النفعية) التي تعتمد على نتائج العمل وما يؤول أليه الفعل الاخلاقي، فإذا كانت نتيجة أي عمل مفيدة لأكبر عدد من المجتمع، فإنها تعتبر نتيجة حسنة ونافعة وأخلاقية، ولو أدى ذلك إلى الإضرار بعدد قليل محدود من البشر، هذه النظرية قد جاء بها جيرمي بينثام 1748-1832م، وجون ستيوارت مل 1806-1873م، ولكن الفلاسفة المعاصرين من أنصار هذه النظرية النفعية (المصلحية) يقولون إن هناك قيماً هامة أهملها بينثام وجيمس وهي خارج نطاق اللذة والمال (السعادة) ومنها قيمة الصداقة، والمعرفة والصحة والجمال، وهي قيم تفوق عند بعض الناس أهمية اللذة والمال.

[.. لا اجانب الحقيقة إن قلت أن الثقافة الغربية اليوم وما يقوم عليه السلوك الاجتماعي، متأثر جداً بهذه النظرية الاخلاقية، إذ آثار الاتجاه النفعي واضحة المعالم على ممارساتهم النفعية بشكل كبير، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ..]

بعيداً عن الجدال الفلسفي واغراق البحث بالمفاهيم المطلسمة ، فأن البحث يقوم على اعتبار المنفعة المتمخضة عن السلوك البشري عنصر حيوي في اعتبار السعادة والابتعاد عن الألم وتصوير ذلك ناتج من نواتج الفعل الأخلاقي النفعي، فهل تؤسس هذه الثقافة لبناء مجتمع متماسك الجذور مترابط الفروع تشيع فيه روابط المحبة والاحترام وغيرها.
وقد لا اجانب الحقيقة إن قلت أن الثقافة الغربية اليوم وما يقوم عليه السلوك الاجتماعي، متأثر جداً بهذه النظرية الاخلاقية، إذ آثار الاتجاه النفعي واضحة المعالم على ممارساتهم النفعية بشكل كبير، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وبالنتيجة نشاهد صور عديدة تمثل قمة التردي الأخلاقي لديهم في جميع المجالات، ما يهمني من ذلك دراسة المسألة الاخلاقية بقدر ما تساهم في تقدم المجتمعات وصناعة المستقبل بضمائرٍ حية وعقولٍ واعية وقلوبٍ مؤمنة بحقائق الكون وسيادة القيم السماوية على القيم البشرية جميعاً.

[.. تُعد الأخلاق في العقيدة الإسلامية محوراً اساسياً فيه إذ تسير الأخلاق مع المنظومة المعرفية في الإسلام عقيدةً وفقهاً وأحكاماً ..]

فمن غير المعقول أن يكون رمي الآباء في دور الرعاية امراً حسناً ذو منفعة على احد الا في ظروف خاصة قليلة التحقق، وليس اعطاء الحرية للأولاد بحجة بلوغهم السن القانوني وتركهم يمارسون سلوكياتهم الشاذة امام الجميع من منفعةٍ جادة ولا أي سعادة في إذلال الفقراء واستغلال حاجتهم وعوزهم، وممارساتهم العنصرية ضد صاحبي البشرة السمراء، هذا ليس من الأخلاق في شيء وهذه المهازل تشكل عائق حقيقي أمام صناعة الحضارة الإنسانية وحجر عثرة أمام تقدم المجتمعات، وهم يحسبون بذلك يبلغون الكمال.
هذه النظرة بسبب نظرياتهم الرأسمالية المتهاوية ومقولاتهم في الأخلاق النفعية، يذكر الدكتور جليل علي لفته المقيم في المانيا أنه في احدى الحالات الطارئة وجب عليّ الذهاب إلى معالجة امرأة مريضة لا تقدر على القيام، ذهبتُ إليها وطرقت الباب، ففتح لي الباب رجل وقال لي: اذهب أنّها في الطابق العلوي، صعدتُ السلم واخذتُ اجول بنظري لأرى المريض، ولكن لم أعثر على شيء، عدت وسألت الرجل: أين المريضة؟ قال: أنّها في احدى زوايا الغرفة، فأخذتُ أعثر بمشيتي بين انقاض من القاذورات والملابس القذرة وبقايا علب السكائر، فوجدتُ المريضة ملقاة هناك، وعلى سرير تملؤهُ رائحة كريهة لم أشمها في حياتي، وقفت ذاهلاً متعجباً وعدتُ سألت الرجل: من أنت ومن تكون منها؟ أجاب: زوج بنتها، قلت: وأين ابنتها: قال في المرقص، ثم عدتُ أسأله: وهل لديها أولاد آخرون؟ قال: نعم، لها أثنان آخران. يقول الدكتور: حاولت الاتصال بأحدهما فأفلحت وأخذت أتكلّم معه وأذكره بأمّه ومن وهبته الحياة، لكنه قال وبكل وقاحة: أنّها كبيرة السن وتحتاج إلى وقت أكثر وأنا شخصياً لم تكن لي علاقة معها، ثم من طلب منها أن تلدني، فأنا غير مسؤول عن ولادتي، وهي المسؤولة عن انجابي، فهل هذه قيم التقدم الاجتماعي والحضاري والدعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.
بينما على الجانب الآخر نلاحظ في العقيدة الإسلامية تُعد الأخلاق محوراً اساسياً فيه إذ تسير الأخلاق مع المنظومة المعرفية في الإسلام عقيدةً وفقهاً وأحكاماً، قال تعالى عن الأب والأم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}.(سورة الإسراء/ آية 23). وقال تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً}. (سورة مريم / آية 14).
وتستمر الاخلاق مع الإنسان معه في الجوانب غير المحسوسة إذ تشمل القضية الأخلاقية في الشريعة الإسلامية الدنيا والآخرة، وما لهما من آثار كبيرة عند الله تبارك وتعالى. عكس ما يؤمن به اصحاب نظرية الاخلاق النفعية إذ يقتصرون بها على المحسوسات وعالم الماديات فقط.
لقد كشف الواقع الراهن في ظل أزمة تفشي وباء كورونا عن المستوى الأخلاقي الكبير لبعض الشعوب وخصوصاً لدى الشعب العراقي المؤمن وهي ظاهرة تستحق تسليط الضوء عليها في هذا الشهر الفضيل، فقد اظهرت هذه الفترة المعادن الحقيقية للإنسان العراقي المؤمن الذي عبّر عن تلاحمه مع ابناء شعبه، ومد يد العون لهم وتقديم المساعدات بشتى انواعها، وقد ضرب بهذا مثلاً كبيراً في التعاون وكان مصداقاً لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. (سورة المائدة/ آية 2).
ومصداقاً للأخوة الدينية قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. (سورة الحجرات /آية 10). كيف لا يعملون بهذه الأخلاق الفاضلة وقد وصف الله نبيُ امته صلى الله عليه وآله: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. (سورة القلم/ آية 4). كيف لا يصف خُلُقة بالعظيم وهو الذي كان خُلُقه القرآن، من هنا فأن الدعوة إلى الخير والسعادة وتحقيق قيم التقدم في المجتمع المسلم مرهون بمدى تمسكنا بأحكام الشريعة المقدسة، وأن قيم التقدم في المجتمع الإسلامي لها صور عديدة ومفردات حية منها: الصدق والوفاء والإحسان والالتزام بالوعد وأداء الأمانة والاحترام والعفة والإيمان والتقوى والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإلفة والمحبة وصلة الأرحام وغيرها الكثير من القيم الراقية التي تدعو إلى بناء مجتمع متماسك تكون علاقات ابنائه ببعضه قائمة على اساس القيم السليمة والعمل الصالح .
هذه القيم هي التي تصلح أن تكون دستوراً لتقدم المجتمعات وبناء الحضارة، واخيراً فأن التمسك بهذا النهج الاخلاقي القويم كفيل بتحقيق المدينة الفاضلة لكن لا التي كان يحلم بها افلاطون بل التي تتأسس وفق معطيات القيم الإلهية وتعاليم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار،عليهم السلام.