الْوِلَادَةُ الْمَهْدَوِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ.. وِلَادَةُ الأَمَلِ بِالْعَدلِ وَالرَّفَاهِ فِي الْحَيَاةِ

0

لو أطلقنا العنان للفكر والتأمل في هذه الحياة، وخصوصاً في هذا الواقع المأزوم الذي نعيشه ليس على مستوى الأفراد والأسر بل على مستوى الدول والعالم أجمع، فنحن في حصار خانق بسبب بلاء (الكورونا)، الذي أصاب العالم بالشلل، والشعوب بالإرباك، والدول بنوع من الفوضى الفكرية في التعاطي مع هذا الفايروس الصغير الضعيف، لأنه رغم حقارته وضعفه تغلَّب على قوى الحضارة الرقمية، وأربكها، وقتل الآلاف المؤلفة حتى الآن من البشر، والأرقام المنشورة تنبئ بكارثة عالمية لا قدَّر الله.
فالفكر المادي لا جدوى منه ولذا ترى وتسمع مَنْ يُصاب بهذا الفيروس ينتحر ويُنهي حياته، ونقلوا عن الإيطاليين أنهم نثروا أموالهم في الشوارع لأنها لا فائدة منها وهم متيقنون أنهم سائرون إلى الموت بخطى سريعة، وسيرمونهم في حفر جماعية بعد أن يضعوهم في أكياس محكمة الإغلاق خوفاً منهم، وهكذا فضح الفكر المادي نفسه، وكذلك الحضارة الرقمية ظهرت على حقيقتها فهي أضعف مما كنا نتصور بكثير.
أما الفكر الإسلامي فقد أثبت أنه فكر إيجابي، و راقي جداً، ولذا ترى العلماء الأعلام والمراجع الكرام، وجَّهوا الأمة للحيطة والحذر من الإصابة بهذا الفيروس، وحصَّنوا الجميع بالأحراز، والأدوية الروحية المناسبة والمروية عن أئمة المسلمين عليهم السلام، وإذا أصابهم السوء – لا سمح الله – فعليهم بالدواء والعلاج الذي يصفه الأطباء وذوي الخبرة والاختصاص، وأن يحفظوا أهلهم، ومجتمعهم أيضاً بالحجر الصحي الذاتي، أو في المشافي، وذلك لحُرمة إيذاء الغير، وبين ذلك وجوب الاحتياط بكل أنواع المعقمات الممكنة وأبسطها الماء والصابون للتحرز من الكورون المنحوس قدر طاقتهم.

عندما نحتفل بمولد الإمام المهدي المنتظر – روحي وأرواح العالمين له الفداء – نطمح إلى العدالة العالمية، والقسط الاجتماعي بأجلى وأرقى صورها لتتحقق على يديه الكريمتين، ويعيش العالم معنى قول ربنا سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}

كما دعا العلماء ومراجع الدين الكرام ابناء الأمة لأن يهبوا لنجدة إخوانهم المقتّر عليهم رزقهم في ظل اجراءات الحجر المنزلي، بمد يد العون والمساعدة بمختلف الاشكال، بعد توقف الكثير من الاعمال والمصالح، لاسيما أصحاب المهن البسيطة والكسبة، حيث لم تسمح الجهات الحكومية في عديد البلدان الاسلامية بفتح المحال التجارية، ما عدا المتعلق بالمواد الغذائية والصيدليات، فقد تشكلت فرق تطوعية لتوزيع آلاف الحصص الغذائية على العوائل المحتاجة والمحدودة الدخل، كما شهدنا هذا بشكل ملحوظ وباهر في العراق.
من جانب آخر انطلق المشايخ الكرام، وطلبة العلم من أبناء الحوزة العلمية المباركة ليقوموا بكل ما يلزم تجاه الجثث المصابة، بكل احترام وتقدير في الغسل والكفن والدفن، بتطوع ذاتي، وعمل جهادي يُشكرون عليه فعلاً ولذا اعتبروهم مع الطواقم الطبية بمثابة الشهداء، هكذا تجد الفكر الديني، والفكر الإسلامي الواعي، والبصائر الإيمانية تجعل من الأمة إيجابية تُسلِّم لأمر الله فالعمر مكتوب، والعمل محفوظ، فأعادت الأزمة الكثيرين إلى الله تعالى بالتوبة والعمل الصالح.

  • ولادة الأمل بالعدل الموعود

وفي خضم هذه الأزمة التي نحن فيها حيث جاءتنا في أشرف وأعظم الأيام، في أشهر النور الثلاثة، بما فيها من مناسبات عظيمة كريمة غالية على قلوبنا من مواليد أئمة الهدى عليهم السلام، كالإمام الحسين الذي أحيا الأمة بشهادته، والإمام زين العابدين، الذي أعاد الروح والعبادة والمعنوية والدعاء إلى الأمة، وأبي الفضل العباس رمز الأخوة الصادقة والبطولة الفائقة، ثم ولادة الأمل المنشود، والحلم الموعود، الإمام الخاتم، والوصي القائم على هذه الحياة، المنتظر خروجه من أصحابه وعشاقه ومنتظريه ليقوم بهم على اسم الله تعالى.
فالعالم أجمع، والدنيا ضجَّت إلى الله من هذا الظلم العجيب الذي يحصل، حتى أن الوحوش في الفلوات، وأعالي المحيطات، والطيور في الأرض والسماوات عجَّت إلى بارئها مما يحصل من ظلم غريب من هذا الإنسان التافه في هذه الحضارة الرقمية التافهة.

إننا بحاجة إلى أن نســــتوحي مـــن فـــلسفة وجــــود الإمــام الحجة (عليه السلام) فكرة مهمة لنرى هل نجد في اعتقادنا بالإمام المنتظر الأُمنية، أو النقص الذي نعاني منه

إذ ما معنى أن تعيش الكلاب والقطط وأنواع الحيوانات في القصور، والملايين من البشر يعيشون في الشوارع وتحت الجسور، لا يجدون لقمة تُقيم أودهم، ولا كسرة تُشبع جوعهم، وهم الذين كرَّمهم الله تعالى، وجعل كل المخلوقات في خدمتهم، فالحضارة الرقمية وطغاتها حولت حيوانات الشوارع إلى القصور، وأنزلت سكان البيوت إلى الشوارع يبحثون عن لقمتهم بين القمامة فأي ظلم هذا الذي يجره الإنسان لأخيه الإنسان في هذا العصر الأغبر؟
حضارة الرقم بلا قيمة ولا فضيلة، ولا أي معنى من معاني الخير والقيمة والفضيلة فيها، بل صارت البهائم ذات قيمة أكبر بكثير من البشر عند رعاة البقر، وحضارتهم البهيمية، حتى صاروا يُخططون للخلاص من ملايين البشر لا سيما المرضى وكبار السن حتى يوفروا المال على خزائنهم، فأين العدل بأن يُقتل الفقير – رغم فقره – لكيلا يُعالج، أو يُعطى راتباً تقاعداً، ويبقى الغني، والسياسي الجشع ليستغل العالم كله لزيادة أرقامه الوهمية في البنوك؟
فعندما نحتفل بمولد الإمام المهدي المنتظر – روحي وأرواح العالمين له الفداء – نطمح إلى العدالة العالمية، والقسط الاجتماعي بأجلى وأرقى صورها لتتحقق على يديه الكريمتين، ويعيش العالم معنى قول ربنا سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.
وقول جده أمير المؤمنين، عليه السلام: “فإنّهم صنفان؛ إمّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق”، وحقُّ كبار السن أن تحترمهم، وتُعظمهم، وتخدمهم، فهم الأصل، والخير والبركة في المجتمع، وحقُّ المرضى أن يعالجوا ما داموا في الحياة، وحتى الأموات يجب أن نحترمهم، فالمجتمع الإسلامي مجتمع أهلي، أخوي، قال صلى الله عليه وآله: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى”.
فالعالم اليوم كم هو متعطش لقيمة العدل المفقودة وهي أصل هذه الحياة، والقسط المنشودة، وهي أساس بناء المجتمعات، ولكن الحضارة الرقمية جعلت من الظلم قيمة، وأعدمت القسط تماماً من المجتمعات بما أشاعته من قيم مادية بحتة، وتنظر إلى الإنسان سلعة ليس له قيمة، ففقدت إنسانيتها التي تشمل وتضم كل القيم في هذه الحياة.
ولذا كل الأحاديث والروايات المروية تقول: “لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً (وجوراً)، قال: ثم يخرج رجل من عترتين أو من أهل بيتي، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً(وجوراً)”.
وهل يوجد ظلم أكبر من هذا الظلم الذي نعيشه في عصر الحضارة الرقمية، بضع رجال يملكون ثلث الثروات والعالم يضم سبعة مليارات ونصف من البشر، ربما ثلثهم لا يملكون إلا وجبة طعام واحدة في اليوم فقط، والملايين يموتون جوعاً، وهم ينتحرون شبعاً وخواءً وتخمةً؟
يقول سماحة المرجع السيد المدرسي (دام عزه)،: “والعدالة في مجمل معناها وتعريفها تعني وصول كل ذي حق إلى حقه دون زيادة أو نقصان، وتترتّب على ذلك المساواة في المجتمع؛ أي أن لا تعيش طائفة من الناس في قمة من الثراء والعزة، بينما يبقى الآخرون في قاع الذّل والفقر والحرمان، فليس‏ من العدل أن تتكدس المقدرات في يد مجموعة صغيرة من الناس تمكّنهم من السيطرة على حقوق الآخرين وأرزاقهم، بل وحتى على كراماتهم وأعراضهم وحرماتهم؛ وليس من الإنصاف أيضاً أن تتخذ هذه الشرذمة لنفسها مقاعد في القصور الضخمة لتخطط بروح شيطانية للملايين من البشر ثم تنبري مدّعية ظلماً وعدواناً أن هؤلاء ليسوا ببشر، فتنظر إليهم على أنهم مجرد بهائم خلقت لتكون وسائل لخدمتهم بما يعزّز قوتهم وكيانهم، ويزيدهم جبروتاً وطغياناً”1.

  • ولادة الأمل بالرفاه المنشود

ويقول سماحة السيد المدرسي أيضاً عن هذا الأمل العظيم الذي تترقبه البشرية: “ترى مَنْ لهذه القافلة الإنسانية المنحدرة باتجاه الهاوية، ومَنْ لهذه المجتمعات البشرية التي تهوي إلى الحضيض؟ إن جميع الآمال التي عُقدت على مختلف العلاجات الجزئية تبدو اليوم واهية وباطلة؛ فلقد حاولوا أن يوقفوا انحدار الإنسان ببعض التعاليم، والإرشادات الأخلاقية الفوقية، ولكنّهم فشلوا؛ وبذلوا جهودهم من أجل إيقاف عمليّات الإبادة الجماعية التي سببتها الحروب العالميّة والإقليمية المدّمرة بواسطة منظمات من مثل منظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ومحكمة العدل الدولية، ولكنّ جهودهم هذه باءت بالفشل الذريع”2.
ويقول سماحته: “إننا بحاجة إلى أن نستوحي من فلسفة وجود الإمام الحجة (عليه السلام) فكرة مهمة لنرى هل نجد في اعتقادنا بالإمام المنتظر الأُمنية، أو النقص الذي نعاني منه؛ إن من طبيعة الإنسان أنه يميل إلى اليأس من الحياة، والطغاة يحاولون دوماً تكريس هذه الصفة في الإنسان، فهم يوحون له بشكل مستمر بأنه موجود تافه لا قيمة له”.
والأمل الوحيد، والمخلص الفريد لهذا الإنسان، وهذه الحياة من المآسي والكوارث، وظلم الطغاة هو الإمام المهدي المنتظر، عجل الله فرجه، حجة الله على الخلق، ووليهم الذي يراقبهم، وينظر إليهم كيف يتظالمون، ويتقاتلون، ويكفرون، ويجحدون، حتى كأنهم لا موت أمامهم، ولا حساب ولا عقاب، ولا أحد يعتقد بأن وراء هذه الدنيا حياة أخرى يُحاسب المسيء بإساءته، والمحسن بإحسانه.
ونحن مطمئنون تماماً أن ما نشهده اليوم من تظالم وإجحاف وهدر للأموال على الفساد، وزهق للأرواح بلا حق، واشتداد وانتشار الظلم، والفساد، والظلام والجحود والإلحاد، كل ذلك يُخبر عن أن الصبح قريب، والفجر الرائع يلوح في الأفق، وشمس الوجود توشك أن تسطع على العالم إيذاناً بولادة مجتمع الحق، والعدل، والقسط، والحرية، والرفاه وكل القيم الإنسانية.

———————————————-

1- الإمام المهدي قدوة الصديقين؛ ص121.
2- نفس المصدر؛ ص 27.