ثقافة المسؤولية ووظيفة الإنسان نحوها

0

بسم الله الرحمن الرحيم
{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، (سورة الاسراء: 13ـ 16).
لماذا نرى الظالمين يتحكمون في رقاب البشر؟ ولماذا نجد الطغاة يسيطرون على مصائر الناس؟ ولماذا هذا الظلم؟ وهذه الحروب المدمرة؟
الجواب ندركه بعد ان نعرف ان هذه الدنيا دار امتحان، وان من أبعاد الامتحان الإلهي لأهل الأرض؛ إعطاءهم حرية الاختيار والسماح لهم بأن يفعلوا ما يشاءون بعد ما يأمرهم بما ينبغي عليهم أن يعملوا به، ولكن يقول أيضا سبحانه : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، (سورة الزلزلة: 7-8)، حين نشير الى هذا الفساد العريض من الطغاة علينا ان نسأل ايضا: ولكن؛ لماذا الطغاة يتحكمون في الناس؟ البشر عادة ما يتحدثون عن نصف القضية ويتركون النصف الثاني، يتحدثون عن المستكبرين والظالمين والطغاة، وعن أدعياء الدين، وعن مثيري الفتن، ولكن السؤال: لماذا هؤلاء كانوا أقوى؟ فهل ربنا أعطاهم القوة ؟!
كلا؛ ربنا سبحانه يقول {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}، (سورة الروم: 41)، ويقول – تعالى- في آية اخرى {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، (سورة فصلت: 46).

  • المسؤولية التي يتهرّب منها البعض

في آيات سورة الاسراء التي افتتحنا بها الحديث يبين ربنا – سبحانه وتعالى – سنّة المسؤولية ويقول: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا}، (سورة الإسراء: 13)، وفي آية اخرى مشابهة هي الآية 49 من سورة الكهف، يقول تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، (سورة الكهف: 49).
{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}، (سورة الإسراء: 14)، اقرأ ايها الانسان كتابك وكن انت قاضيا وحاكما على نفسك، انظر ماذا فعلت؟. في تلك اللحظات يودّ الكافر ان يصير ترابا ولا ينظر صحيفة اعماله، تقول الآية الكريمة في هذا السياق: {مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}، (سورة الإسراء: 15). فلا تتصور انك حينما تصيبك الازمات وتواجهك المشاكل انما بسبب ما فعلته الامة من دونك، كلا، انما انت ايضا واحد من الناس في هذه الامة، ولربما سكوت الانسان عن الظالم، عن المجرم، عن العاصي، هو الذي يجعل كل انسان منّا يصيبه رذاذ ما اقترفه الآخرون.

  • الكلمات الصاعقة للقرآن الكريم

وبالعودة الى آيات سورة الاسراء المباركة، يقول سبحانه {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، (سورة الإسراء: 16).
كلمات القرآن صاعقة، فحينما يُقدّر ويريد الرب ان يهلك قرية – وقرية هنا تعني حضارة ومدنية وعمران – يأمر مترفيها (القادة)، لأنهم الذين يصبحون سادة في غفلة من الزمان، وفي غفلة من الناس الذين تركوهم ولم يأخذوا على ايديهم، فصاروا سادة وقادة.
الله – تعالى – امرهم ولكنهم ما ائتمروا، زجرهم فما ازدجروا، ففسقوا فيها، فحق عليها القول. لا يقول سبحانه: فحق عليهم، بل: فحق عليها، يعني على القرية وكل مافيها ومن فيها.
من الضروري ان نتخذ من القرآن بصيرة ننظر من خلال آياته الكريمة الى الواقع المعاش، ونفسر ما يجري في بلادنا و العالم كله على أساسه.
إن العالم اليوم متصل بعضه ببعض، فقبل قرون ربما كانت تقع حرب في الصين بين أسر متخاصمة تطول مئة سنة ولكننا لا نعرف عنها شيئاً، وهكذا احداث كثيرة تدور في العالم ولانعلم بها، أما اليوم فابسط شيء في أي مكان بالعالم نعلم به ويؤثر بنا تأثيرا مباشرا. فعلينا أن ندرس كل مايجري عبر بصائر آيات الكتاب المجيد، نفهم الوقائع وكل ما يجري وندرس ونحلل الامور والاحداث من خلال منظار بصائر القرآن الكريم.

  • حبّ الأنا من مداخل الشرك

هنا السؤال: كيف ننظر ونفسر ونقيّم الامور وفق الرؤية القرآنية؟
هناك امران:
الاول: قلت وأكرر، نحن المسلمين – في العراق كمثال – اذا قمنا بواجبنا وتجاوزنا احقادنا وتآلفنا وتحاببنا، فإن وقعت حرب في هذا المكان او ذاك، لن تصل الينا، لأننا اقوى من الحرب، بل لأن الله – سبحانه وتعالى -يرحمنا، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}، (سورة هود: 117).
الامر الثاني: علينا ان نسأل انفسنا؛ ما هو السبب في وقوع هذه الحروب، ومن الذي يقف وراءها؟
السبب الحقيقي وراء كل هذه الحروب هو الشرك الخفي. فالانسان يُخرج الايمان بالله من مخه وقلبه ويضع مكانه الايمان بالذات، والايمان بنفسه، وبمنهجه، وبحزبه.
فكيف نعرف أن هذا الانسان غير مؤمن؟
يمكن ذلك لو وضع هذا الانسان نفسه فوق القانون، وفوق احكام الله، وفوق القانون الطبيعي الذي يؤمن به كل انسان، فاذا وضعنا انفسنا فوق هذه الامور، فهذا يعني أن الانسان لديه شعبة من شعب الشرك بالله – سبحانه وتعالى -.
ومن اسس التوحيد أن لا تعد نفسك أحسن من غيرك، وفي سورة النحل، يبين ربنا – تعالى – ذات البصيرة بطريقة اخرى، فيقول أنتم ايها البشر إن تعاهدتم فيما بينكم فانتبهوا الى ان لاتخترم هذه المعاهدة، بأن قسماً منكم يريدون ان يصيروا افضل من القسم الآخر، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، (سورة النحل: 92). يعني أن كل جماعة تفكر وترى أنها افضل من الاخرى، وهذا هو حس التعالي على الآخر، من خلال محاولة الاستحواذ اكثر على المال العام والمليارات من ثروات البلد.

  • حسّ المسؤولية تجاه بلادنا

ايها الاخوة؛ علينا أن ننمي ونعزز الاحساس بالمسؤولية، المسؤولية تجاه بلادنا، والمسؤولية من معناها ان نعمل الخير ونعمل بكل الاسلام وبكل الدين،
وليس بجزء منه، وذلك في الجانب الفردي، وفي الجانب الاجتماعي، وفي الجانب السياسي والثقافي، ومن ثم ـ بعون الله ـ ننأى بأنفسنا عن هذه المشاكل، ونسأل الله ان يبعد عنا الحروب الصغيرة او الكبيرة منها. هذه الحرب في سوريا، سبع سنوات عجاف اتت على نصف مليون انسان راح ضحيتها، وملايين المهجرين واللاجئين، وهذا التدمير الهائل ومئات مليارات الدولارات صرفت وذهبت هباءً، ثم هاهم بعد سبع سنوات لما استداروا رجعوا الى نفس النقطة التي بدأوا بها وخرجوا منها، مثل بني اسرائيل في التيه اربعين سنة، كانوا من اول الصباح كان يسيرون متخبطين في الصحراء، ثم ينامون الليل، فينهضون صباحا واذا بهم هكذا يجدون انفسهم يدورون في ذات المكان الذي انطلقوا منه في الليلة السابقة.
هم كانوا اربعين سنة في التيه، فكم سنة يجب أن ندور نحن في تيهنا؟ هذه سبع سنوات من الحرب في سوريا، الا ينتهون منها ـ الا تجتمعون ـ بصدق نوايا وجدية ـ وتناقشون.. والعدل يسع الجميع، وشيئا فشيئا يصلح الله – تعالى – اموركم.