مناسبات

بيعة الغدير.. هل يحجب الشمس الغربال؟!

عندما نريد أن نؤكد حقيقة ملموسة على الأرض، مثل الظواهر الاجتماعية السيئة، او حالات ..؟؟

عندما نريد أن نؤكد حقيقة ملموسة على الأرض، مثل الظواهر الاجتماعية السيئة، او حالات الفساد الاداري في دوائر الدولة، او حتى قضايا خاصة، نتوجه الى أشعة الشمس الساطعة، ونقول إنها: “مثل ضوء الشمس”، وفي هذا الاتجاه أراد الشاعر والمفكر محمد إقبال التأكيد على هذه الحقيقة بقوله: “الشمس لا يحجبها غربال” في كناية أدبية رائعة منه بفشل أي محاولة لطمس الحقيقة الى الأبد.

وبيعة الغدير من هذه الحقائق الساطعة، منذ اربعة عشر قرناً، فقد ملئت كتب التاريخ والسيرة والحديث لجميع فرق المسلمين على أن رسول الله، أوقف قافلة الحجيج الضخمة والتي سميت بحجة الوداع، بعد أن نزل عليه الوحي بأمر إلهي حاسم بشأن مصير الأمة من بعده: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك….}، وقال أمام الآلاف المحتشدين تحت أشعة الشمس: أيها الناس! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقالوا بلى، فأخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه، فنزلت الآية الكريمة: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعتمي ورضيت لكم الاسلام دينا}.

 

[.. لم تكن المرة الاولى التي يعلن فيها رسول الله خليفته للمسلمين في مناسبات عدّة، وأنه: “أخي ووصييّ”، و”أنه بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي”، فلماذا إذن؛ تنكّر المسلمون لوصي رسول الله بالنصّ الواضح؟ ..]

هذه الحقيقة التي اقترنت مع الشمس في وضوحها وسطوعها، غابت بشكل غريب وعجيب بعد لحظات من استشهاد النبي الأكرم، وإنشغال أمير المؤمنين بتجهيزه وتشييعه مع الثلّة القليلة المؤمنة ممن رعوا الحق وأهله، ولم يعد أمير المؤمنين هو مولى كل مؤمن ومؤمنة، وإنما رجلٌ عادي بين افراد الأمة الذي تجب عليه البيعة لهذا او ذاك ممن فرض “أمراً واقعاً” غير الأمر الإلهي المنزل من السماء، ومضى كل شيء كما يريده “الانقلابيون”، وسكتت تلك الآلاف التي شهدت بيعة الغدير، ولم تعترض على الأمر الجديد المفروض عليها، وجاء في الروايات أن رسول الله أقام لأمير المؤمنين خيمة في تلك اللحظات التاريخية ليدخل عليه المسلمون على شكل أفواج ويسملون عليه بإمرة المؤمنين؛ “السلام عليك يا أمير المؤمنين”، بمن فيهم كبار الصحابة وكبار زعماء القبائل، وايضاً نساء النبي اللاتي أمرهن النبي بذلك، وفي كتب أهل السنّة، أن عمر بن الخطاب جاء الى أمير المؤمنين وهو يقول: “بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة”، ثم يفسرون بأن بيعة الغدير تمثل إعلان رسول الله محبته لأمير المؤمنين، ولا علاقة للخلافة بما قاله، صلى الله عليه وآله، ثم يستمر الصمت طيلة هذه القرون وما يزال!
وهذه لم تكن المرة الاولى التي يعلن فيها رسول الله خليفته للمسلمين في مناسبات عدّة، وأنه: “أخي ووصييّ”، و”أنه بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي”، فلماذا إذن؛ تنكّر المسلمون لوصي رسول الله بالنصّ الواضح، ومالوا الى غيره، وهم يعلمون أن في عنقهم بيعة لعلي وليس لغيره بايعوه بمحضر من رسول الله، صلى الله عليه وآله؟

هذا يعني أن الحقائق ليست كل شيء في الحياة، فهناك ما يسمى “بالأمر الواقع”، وهي اسلوب من التعامل مع الاشياء والقضايا يجانب القيم والمبادئ، ويحقق المصالح الذاتية بأي ثمن انطلاقاً من نزعة انسانية للتفوق والهيمنة، وقد شهدت البشرية هذا الاسلوب، لاسيما في تجارب الانبياء مع أقوامهم، وفي قضايا الشعوب الطامحة للتحرر والتطور، فقد أصبح شخصاً ما زعيماً أوحداً لا يقبل التنافس، كما يحصل في بلاد الانقلابات العسكرية، وفي مقدمتها العراق، أو تصبح لغة معينة هي المفروضة على الشعوب، كما فرض ما كان يسمى “الاتحاد السوفيتي” اللغة الروسية على خمسة عشر شعباً بلغات مختلفة في القوقاز وآسيا الوسطى، من اجل جمعها في نطاق ذلك الاتحاد الموهوم، وكذا الحال بالنسبة للغة الفرنسية في الجزائر، لأن الأمر الواقع يفرض نفسه دون الحاجة الى قانون مكتوب او دستور متفق عليه.

 

[.. الحقائق واضحة وضوح الشمس، بيد أن المشكلة تبدأ بوجود أرضية فاسدة تمهد للأمر الواقع ..]

 

ويحتاج الأمر الواقع ليفرض نفسه لدعامتين بالأساس؛ الاولى: النزعة الى الهيمنة والسلطة التي كانت في زمان الغدير؛ تتجسد في القبلية والتعصب للعنصر والقوم، ونراها اليوم تتجسد في الاحزاب السياسية الطامحة الى السلطة وهي تحمل في مكنوناتها مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، والدعامة الاخرى؛ النزعة النفسية لدى بعض الناس الى حياة الراحة والدعة والابتعاد عن المشاكل، ودون هذه الدعامة تحديداً من غير الممكن فرض أي أمر واقع مهما كانت الاسباب والعوامل، وهذه هي الباب الواسعة التي تنزلق فيها الشعوب والأمم عن جادة الصواب، وعن الطريق القويم الذي ترجوه لنفسها نحو النجاة والرقي والسعادة، فتأتي النتائج عكسية وكارثية عندما تجد أن الأمر الواقع الذي ارتضته حقق مصالح خاصة لهذا الشخص وتلك الجماعة على حساب مصالحها هي، وما عليها سوى دفع ثمن هذه المصالح بدمائها و دمارها الواسع، وإلا هل كان عمر بن الخطاب –مثلاً- يجهل فضل ومكانة أمير المؤمنين؟ أم يجهلها أبو بكر، وسائر “الاصحاب” ممن سمعوا من فم رسول الله التأكيدات الواحدة تلو الاخرى في حق أمير المؤمنين؟ وتكررت تجربة الغدير في كربلاء، عندما حوّل شخص مثل؛ شبث بن ربعي ولائه من أهل البيت الى يزيد بن معاوية، فهل أدرك هذا الفقيه والعالم أنه كان على خطأ بإرساله الدعوة والبيعة للامام الحسين، وأن يزيد هو الأفضل؟! حتى عمر بن سعد يعرف الامام الحسين حقّ المعرفة، وقد لهج به لسانه في الساعات الاخيرة قبل النزال الحاسم فراح يرتجز ويقول:

أ أترك ملك الري والري منيتي
أم أعود مأثوماً بقتل حسينِ
حسين ابن عمي والحوادث جمةٌ
ولي في ملك الري قرة عينِ!

الحقائق واضحة وضوح الشمس، بيد أن المشكلة تبدأ بوجود أرضية فاسدة تمهد للأمر الواقع، كما جاء في المحاورة بين عمر بن سعد والحُر الرياحي عندما جاءه (الحر) وقد مُلئ قلبه مما سمعه من الامام الحسين من منزلته ومكانته من رسول الله، ومن الحجج البالغة، فقال: ما ترى فيما يطرحه الحسين من الخصال، فأجاب ابن سعد بما يعكس تلك الارضية الفاسدة: لو كان الأمر إليّ لقبلت لكن أميرك ابن زياد يأبى ذلك!
وعندما يصعب ويستحيل حجب الحقائق يكون اللجوء السريع نحو التغييب، واحياناً التحريف لصياغة حقيقة مزيفة للرأي العام تساعد على نشوء الارضية الفاسدة والمطلوبة، وهذا ما فعله “الانقلابيون” على بيعة الغدير بابتداع قاعدة ومبدأ أن “الخلافة الاسلامية تنعقد شرعاً وتصح عقلاً وعرفاً ببيعة نفر قليل من المسلمين”، (فلسفة التوحيد والولاية- الشيخ محمد جواد مغنية)، وبذلك ضربوا عرض الحائط، مبدأ الشورى الذي طالما يدعون الوصل به كذباً و زوراً حتى اليوم، وهو ما أمرهم به الله لحل ما يشكل بين المسلمين في حياتهم اليومية، الى جانب بيعة الغدير التي كانت في اعناق كل فرد حضر تلك اللحظات التاريخية الحاسمة في غدير خم، وتبقى في عنقهم الى يوم القيامة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا