ِمنْ خديجة نتعلم

مرتضى محمد كاظم

0

ربنا بعث السلام، وهو السلام، إلى عظام أنبيائه عبر جبرائيل حامل وحيه، فقال تعالى: {سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}، (سورة الصافات: 109)، و{سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}، (سورة الصافات: 79)، و{سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ}، (سورة الصافات: 130)، ولكن هذه المرة نزل جبرائيل بسلام مختلف، فإنه قد نزل بالسلام من السلام إلى زوجة رسوله، فقال: «إن الله يقرئ خديجة السلام»!

 

 معايير إختيار الزوجة زوجها

 

والحديث عن هذه المرأة التي سلم الله تبارك وتعالى عليها من فوق عرشه، حديث صعب وشيق؛ تلك المرأة التي ما كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يتوقف عن ذكرها بعد وفاتها، ومن الإستغفار لها كما تقول عائشة.

كان يديم ذكرها، صلى الله عليه وآله، حتى أنها ذُكرت عنده يوماً فبكى، فقالت عائشة ـ وقد أخذتها الغيرة ـ ما يبكيك على عجوزة حمراء من عجائز بني اسد، فقال النبي، صلى الله عليه وآله: «صَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبْتُمْ وَآمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرْتُمْ وَوَلَدَتْ لِي إِذْ عَقَمْتُمْ».

لا أعلم كم من الحزن دخل على قلب النبي، صلى الله عليه وآله، من يوم وفاتها حتى أنه كان يحب بقاء ذكرها، ففي الروايات أن النبي كان يصل بالعطايا بعض النساء اللواتي حفظن العهد مع خديجة في حياتها إبقاءً لذكرها.

بل إن النبي حينما دخل مكة فاتحاً، وهو المنتصر توجه إلى مقبرة حجون وأقام عند قبرها ثلاثة أيام، كأنه يريد أن يستذكر أنسه بها، وكأنه يريد بيان أن ما حصل من الفتح للإسلام، ما كان ليحصل لولا ما بذلته هذه المرأة الشريفة التي سميت في الجاهلية بـ «الطاهرة»، فقد بذلت كل شيء في سبيل إعلاء الدين وهي التي قال عنها ربنا سبحانه مخاطباً النبي الكريم: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ}، (سورة الضحى: 8)، وفي الحديث: «بِمَالِ خَدِيجَةَ».

نعم؛ أغنى ربنا – تعالى – رسوله الكريم، والحركة الإسلامية آنذاك بمال خديجة التي كانت قد ملكت القنطار في عهد رسول الله ولكنها ماتت على تراب، ولولا الكفن الذي نزل به جبرائيل من عند الله لما كانت تملك حتى كفناً لها!

 

 درس من حياتها

 

لا نريد الإسهاب في الحديث عن هذه السيدة العظيمة، لكن لا بأس بأن نأخذ درساً من حياتها، عسى أن ينفعنا ربنا بهذا الدرس في دنيانا وآخرتنا، ولعلنا نستفيد هذا الدرس من زواجها برسول الله، صلى الله عليه وآله.

الحديث عن خديجة لا ينفك عن الحديث عن العقل، فلم تكمل من النساء ـ كما قال النبي، صلى الله عليه وآله ـ إلا أربع، وهي منهن، ومن هنا لابد من مراجعة التاريخ وكلماتها، سلام الله عليها، ودراسة هذه الكلمات دراسة موضوعية، وحري بنا أن نجعلها خير قدوة لنسائنا وبناتنا.

ويكفي في عقلها أنها تزوجت برسول الله ولم تقبل غيره مع كثرة خطّابها، كما يكفي في عقلها أنها كانت تدير تجارة كبيرة في تلك الظروف التي لم يكن للمرأة دور في الحياة الإجتماعية ولا السياسية ولا الإقتصادية، لكنها تدير تجارة بهذا الحجم وكما يكتب بعضهم أن ثمانية آلاف إبل، كان حمل تجارتها، فلك أن تتصور حجم هذه التجارة، لو يعادل ذلك بحاضرنا فإن وسيلة النقل الأكبر كانت الإبل آنذاك، وهي الشاحنات الكبيرة في وقتنا الحاضر!

 

 كلمتها لرسول الله، صلى الله عليه وآله

 

من جملة كلماتها التي وصلتنا وهي قليلة ـ مع الأسف الشديد ـ ما نريد التوقف عندها، حديثها مع النبي، صلى الله عليه وآله، تبين فيه أسباب رغبتها الزواج منه فقالت له: «یَابْنَ عَمّ! اِنّی قَدْ رَغِبْتُ فِیکَ لِقِرابَتِکَ مِنّی وَشَرَفِکَ فی قَوْمِکَ وَاَمانَتِکَ عِنْدَهُمْ وَحُسْنِ خُلْقِکَ وَصِدْقِ حَدِیثِکَ».

انظروا إلى القيم التي تحدثت عنها في وقت كان المجتمع كله يغط في الماديات، وهي كانت في الجانب المادي في القمة، فهي التي ملكت القنطار كما في التواريخ، لكنها وبالرغم من بلوغها هذه المرتبة في الماديات، إلا أنها كانت تبحث عن القيم الإلهية الحقة.

خمسة صفات جعلتها السيدة خديجة، المعيار لإختيار الزوج الصالح:

الأولى: لقرابتك مني

ربنا سبحانه وتعالى يحدثنا عن القربى فيقول: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ}، (سورة الأنفال: 75)، وفي بعض النساء، مدح بنت العم للزواج، ولعل السبب في ذلك، التقارب الفكري الذي يجب أن يكون بين الزوجين، أما إذا كانت الثقافات مختلفة فمن الصعب تآلف الحياة الزوجية في المستقبل، وقد جعلت السيدة خديجة ذلك سببا ومعياراً للإختيار.

الثانية: شرفك في قومك

أن يكون الرجل شريفا في قومه أمر مهم، لا أن يكون وضيعاً، ومع الأسف نجد أن بعض الفتيات يخترن الشاب بحسب الصورة المنشورة في شبكات التواصل الأجتماعي!، أو من خلال مظهره المناسب، ولا ينظرْنَ إلى أن هذه الأمور لا تشكل قيمة حقيقية ولا يمكنها أن تكشف عن حقيقة هذا الشخص، وما نجده من إرتفاع أسباب الطلاق يعود في كثير من الأحيان إلى الخلل في المعايير.

الثالثة: أمانتك عندهم

السيدة خديجة قد جربت أمانة النبي، صلى الله عليه وآله، في تجارته لها، وهذه نقطة مهمة وهي أن الجميع يدعي الأمانة ولكن الصادق منهم هو من يكون أمينا عند الإختبار ففي الحديث عن الصادق، عليه السلام:

«لَا تَغْتَرُّوا بِصَلَاتِهِمْ وَلَا بِصِيَامِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا لَهِجَ بِالصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ وَلَكِنِ اخْتَبِرُوهُمْ عِنْدَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ».

والذي يؤتمن على المال يؤتمن على العرض أيضاً، أما الذي لا تأمنه في دينار كيف تأمنه في مختلف جوانب الحياة.

الرابعة: حسن خلقك

خُلق النبي صلى الله عليه وآله، لا يوصف، حتى أن الرب العظيم وصف هذا الخُلق بالعظيم فقال – تعالى-:

{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، (سورة القلم: 4)، وقد رأت السيدة خديجة سلام الله عليها ذلك وسمعت عنه ذلك أيضاً، وهذه هي القيمة الحقيقية، أما لو كان الرجل سيّيء الخلق فلا ينفع لحياة زوجية حتى لو كان يملك ما يملك، ولذلك تجد المرء يحب التعامل مع صاحب الخلق ومن هنا اشتهر المثل المعروف: «صاحب الخلق الطيب يشارك الناس أموالهم».

وهذا هو معيار مهم لإختيار شريك الحياة، فإن صاحب الخلق الحسن يحول الحياة بالكفاف إلى عفاف وسعادة، ولكن صاحب الخلق السيّيء يحول القصور إلى جحيم!

الخامسة: صدق الحديث

وهذه قيمة تضاف لسائر القيم وإن كانت هي تعد من حسن الخلق، لكن هذا من ذكر الخاص بعد العام، فلعل البعض يتظاهر بحسن الخلق ولكنه اذا ائتمن خان، واذا حدث كذب، بل وبكذبه يحاول أن يكسب الناس ويصور لهم أنه حسن الخلق، فلا يكفي ظاهر الشخص بل يجب أن ندقق في هذه الجزئيات.

ولعل السيدة خديجة جعلت هذه المعايير لإختيار شريك حياتها لأنها كانت تعلم ـ وبحسب بعض التواريخ ـ أنه سيبعث فيهم نبياً وهو إن كان من قريش فلن يكون إلا من كان يحمل هذه الصفات فعن الصادق، عليه السلام، قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ».

 

 زواج ميمون

 

علاقتها برسول الله أخذ منها الكثير، فقد فقدت مالها، وفقدت حتى علاقاتها الإجتماعية، لكنها بهذا الإرتباط بلغت بشرفها ما بلغت حتى أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، قال لها يوما: «یا خدیجة انّ اللّه عزّ وجلّ لیباهي بکِ کرام ملائکته کلَّ یومٍ مرارا».

الله أكبر؛ كم عظيمة هذه العبارة من النبي، بل كم هو عظيم ذلك الانسان عندما يباهي به الله ملائكته.

وهكذا كان خطاب سيد الشهداء، عليه السلام، في كربلاء للقوم: «أُنْشِدُکُمُ اللّه؛ هَلْ تَعْلمون أنَّ جَدّتی خَدیجةَ بِنْتَ خُوَیْلِد، أَوَّلُ نِساءِ هذِهِ الأُمَّةِ إسْلاماً»، فالأئمة الكرام يفخرون أنها جدتهم.