شهيد الحمار!

3

حينما ينتشر الجهل، فعليك أن تتوقع كل شيء؛ الموازين تتغير، فالأمّي يصبح عالماً، والمُضحك يصبح سياسياً، بل ويأتيك متسكع يفتي الناس بغير ما انزل الله به من سلطان!
ومما أثارني مؤخراً في المظاهرات المطلبية التي انطلقت في العراق، قضية إطلاق كلمة الشهيد على من يسقط في المظاهرات على بعض من لا يستحق مثل هذا اللقب، خصوصاً بعد أن ذُكر هذا الأمر في بعض خطب الجمعة بالنسبة إلى بعض الضحايا، فهل يصح حقاً إطلاق كلمة الشهيد على كل من يقتل في الشارع خلال أعمال العنف؟ وهل كل من يقتل مظلوماً فهو شهيد؟ ثم إن كان سقط شخصان متقابلان في القضية ذاتها أحدهما يريد حرق مكان، والآخر يدافع عن المكان فمن الشهيد منهما؟ أم أنهما معاً؟!
كنا نضحك حين نقرأ على قبر الشهيد حجر بن عدي عبارة كتبت: “هذا قبر الصحابي الجليل حجر بن عدي الذي قتله الصحابي الجليل معاوية بن ابي سفيان!” لكنّا اليوم نجد ـ وللأسف الشديد ـ نفس المنطق عند الكثير ممن اختلط عليهم الأمر.

  • الموت قنطرة ليس إلا

الحقيقة، أن الموت هو بوابة الانتقال من عالم الامتحان الى عالم الجزاء، وهو قد يكون بما كتب الله –تعالى- وقد يكون بفعل فاعل كمن يموت بتفجير ارهابي أو يقتل.
لكن من يقتل، حتى لو قتل مظلوماً فإن ذلك لا يعني أنه سيكون من أهل الجنة قطعاً، ولا يعطيه مقتله على يد ظالم صك البراءة من النيران، فإن الموت كما ذكرنا هو نهاية للحياة فحسب، ويبقى عمل الإنسان هو ما يحدد مصيره بعد الموت إلى الجنة أو النار.
نعم؛ بعض من يُقتل مظلوماً تُحمّل تبعاته على قاتله شريطة أن يكون مؤمناً، أما المنكر لله ولوجوده ولمعاده فعليه أن يبحث عن غير الله ليأخذ له بحقه من قاتله! ومن هنا فإن عقدية كلٌ تحدد مصيره هناك.
لست هنا لأقوم مقام الرب –سبحانه- في حساب العباد والحكم عليهم، فليس لأحد ذلك قطعاً إلا أنا نمتلك الموازين الشرعية التي تبين لنا مصير العباد بعد الانتقال من هذه الدنيا، بل وبيان هذا الأمر ربما يكون من الضروري بمكان، حيث إن التفاصل العَقدي أمرٌ مطلوب في الشريعة ولذا نجد التأكيد في القرآن الكريم على ضرورة بيان هذا التفاصل بكل وضوح حيث قال تعالى مخاطباً نبيه: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}.
ومن هنا رأيت من الضروري بيان مثل هذه الحقيقة لصيانة هذا المصطلح الشرعي عن اللبس والفهم المغلوط، فلا يجوز إطلاق لقب “الشهيد” على كلّ من قتل، بل للشهيد مواصفات أكدت عليها أخبارنا الشريفة؛ لعل أهمها هو الإيمان بالله تعالى وبشريعته.
يقول تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}، فالآية دلت بوضوح أنَّ الإيمان بالله والرسول شرط إطلاق كلمة الشهيد على من يقتل مظلوماً، ومن هنا فقد يسمى شهيداً وهو لم يضرب بسيف، ولم يَقتل، حتى كما أطلق ذلك على من مات على ولاية آل محمد، صلى الله عليه وآله، غرقاً أو حرقاً.
أما من لم تتوفر فيه الشروط، فحتى لو مات بأبشع صورة في ظل حاكم ظالم، فلا يصح إطلاق صفة الشهيد عليه.

  • النية قبل العمل

هذا كله في أصل عقيدته وبعد لما يتم الأمر فإن النية في ذلك مهمة أيضاً، فالعمل الصالح يجب أن يصطبغ بنية صالحة، ومن هنا صارت “نية المرء خير من عمله”، ففي الحديث عن النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، قال: “من كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته إلى اللَّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”، فليس كل من هاجر، فقد هاجر في سبيل الله، ولا يستحق على الله أجرا لو كانت هجرته من بنية فاسدة.
ولذا سُمي بعض من استشهد في غزوات النبي وبين يديه، صلى الله عليه وآله بـ”شهيد الحمار”، و آخر بـ”شهيد أم جميل” إذ كانت نية الأول الحصول على حمار غنيمة، والآخر كان يريد أم جميل!
صفوة القول: إن الشهادة يجب أن تكون بعقيدة صالحة، وبنية صالحة، أما تسمية الشهيد على من ينكر وجود الخالق، ويحتسي الخمور، ويجاهر بها، أو من يتهور ويريد حرق البلاد والعباد، أو من يتجاوز على حرمات الله ويريد حرق مساجد الله، فهو أمر يضحك الثكلى.