أسوة حسنة

الإمام محمد الباقر وإعادة ترتيب البيت الشيعي

أشرقت الدنيا  بمولد الإمام الزكي محمد الباقر، عليه السلام، الذي بشر به النبي، صلى الله عليه وآله، قبل ولادته وكانت ولادته  سنة ٥٧هجرية، في غرّة رجب يوم الجمعة وقد ولد قبل استشهاد جده الإمام الحسين، عليه السلام، بثلاث سنين وقيل بأربع سنين.

كانت ولادته، عليه السلام، في عهد معاوية والبلاد الاسلامية تعجُّ بالظلم، وتموج بالكوارث من ظلم معاوية وجور ولاته الذين نشروا الإرهاب واشاعوا الظلم في البلاد.

 اما القابه الشريفة فقد دلّت على شخصيته العظيمة ومن القابه الأمين الشبيه لأنه كان يشبه جده رسول الله ، صلى الله عليه وآله، الشاكر، الهادي، الصابر، الشاهد، الباقر، ويكاد يُجمع المورخون للإمام عليه السلام، على  أنه لُقّب بالباقر لأنه بَقَرَ العلم؛ أي شقّه وتوسع فيه  فعرف أصله وعلم خفيه.

 كانت الأمة مضطرة إلى الإبتعاد عن أئمتها تحت ضغط السلطة الأموية فمن تقرب  إليهم  حاربته السلطة، وقطعت رزقه، واسقطت اسمه من الديوان وربما هدمت عليه داره وحتى قتلته، وقد عبّر الإمام السجاد، عليه السلام، عن هذه المأساة الحقيقية بقوله: “ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا”، ومحبتهم، عليهم السلام، فرض من الفرائض والصلاة عليهم واجبة في الواجبات وهذا ليس من طريقهم وفقههم بل ماصرح به الإمام إدريس بن محمد الشافعي.

⭐ كانت حياة الإمام الباقر، عليه السلام، هي امتدادا طبيعيا وحقيقيا لأبيه السجاد، عليه السلام، فقد كانت حياته كربلايية عاشورائية

 كانت حياة الإمام الباقر، عليه السلام، هي امتدادا طبيعيا وحقيقيا لأبيه السجاد، عليه السلام، فقد كانت حياته كربلايية عاشورائية.

 تميّزت حياة ورسالة الإمام الباقر، عليه السلام، في فترة ولايته التي استغرقت عقدين  من الزمن بأنه، عليه السلام، تفرغ  لأمور مهمة وهي محور ولايته وجوهر رسالته  في امامته، وهي تشكيل المدرسة العلمية، وإعادة جمع الشيعة وترتيبهم والدفاع عن  حِياض الإسلام ورد الشبهات  التي ظهرت والبدع  التي انتشرت في عهده صلوات الله عليه.

هذه المسائل الثلاثة التي هي ربما كانت تمثل الخطوط العريضة لمرحلة وإمامة الإمام محمد الباقر، عليه السلام، وبالعموم  كانت امامته، عليه السلام، علمية بكل معنى الكلمة، لأن بني أمية حاولوا بكل جهدهم وكيدهم وظلمهم  وبطشهم ان يُعيدوا الأمة الإسلامية إلى الجاهلية التي انقذهم الله منها؛ فأطفأوا معالم  الفكر  والدين،  و فصلت الأمة عن دينها وكادت  تندرس عقائدها لولا الإمام  الباقر، عليه السلام، الذي شكّل المدرسة  العلمية وراح ينشر  العلوم الدينية ويبقرها يعلمها الناس.

  •  الإمام الباقر ومقومات الجماعة الصالحة

 قام الإمام الباقر، عليه السلام، بدور كبير في بيان العقيدة  السليمة للجماعة الصالحة لتقوم بدورها في إصلاح المفاهيم والأفكار ونشر عقيدة اهل البيت، عليهم السلام، في مختلف الأوساط وعلى جميع المستويات.

كانت مدرسته، عليه السلام، مدرسة علمية  إسلامية بلا مذاهب لأنها لم تظهر في عصره فكان الجميع يدرسون عنده وإن كانوا من مدرسة الخلفاء القرشي، او حتى من ازلام السلطة الأموية لأنه كان دائما يؤكد على محورية اهل البيت، عليهم السلام، وولايتهم على الأمة الاسلامية.

وهو، عليه السلام القائل: “بُني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم ينادِ  بشيء كما نودي الولاية فأخذ الناس  بأربع وتركوا هذه النعمة يعني ـ الولاية ـ”. (الكافي – الشيخ الكليني – ج ٢ – الصفحة ١٨).

وبالتالي أعاد الإمام الباقر، عليه السلام، بحركته العلمية والفكرية والثقافية جمع الشيعة الكرام  وكان يقول دائماً: “إنما شيعة علي الحلماء العلماء الذبل الشفاه تعرف الرهبانية على وجوههم”.

هذه المقومات والصفات للشيعة وما اسماه علماؤنا بالجماعة الصالحة الذين أراد أن يربيهم  ويغرس فيهم تلك القيم الايمانية، حتى يكونوا دعاة لهم بألسنتهم واعمالهم لأن ذلك ادعى للتأثير في النفوس والقلوب والتغيير في المجتمع.

  • الإمام الباقر وانقاذ النقد العملة من تبعية الروم

 تركزت مهمة الائمة بعد الرسول، صلى الله عليه وآله، في تفهيم النهج الإسلامي الصحيح  وتعميق جذوره في نفوس الناس ومقاومة الانحراف الحاصل في الأمة نتيجة ابعادهم عن موقعهم القيادي، وربما من هذا المنطلق كانت حركته مع والده الامام السجاد، عليه السلام، في إنقاذ الدولة الأموية واقتصادها في قصة سك العملة وتحريرها من يد الروم.

  روى بعض المؤرخين ومنهم ابن قتيبة في الإمامة أن الحاكم الاموي عبد الملك  منع  تداول  صنف معين  من الأواني والثياب  كان يصنعها بعض المسيحين في مصر  ويثبتون عليها بالسريانية شعار الاب والابن وروح القُدُس، ودارت المفاوضات بين الحاكم الأموي عبد الملك وملك الروم  بهذا الشأن، وكان عبد الملك يرفض الاستجابة لطلب ملك الروم  في الاستمرارية بذلك الإنتاج.

واخيراً هدد ملك الروم  في حالة عدم تلبية طلبه  بتثبيت جملة السب لنبي الإسلام على الدراهم و الدنانير  المتداولة من قبل  المسلمين  وكانت  النقود إلى ذلك  اليوم  تصنع في بلاد الروم.

 عندها استشار عبد الملك  إمامنا الباقر، عليه السلام، في هذا الأمر واستدعاه إلى الشام فما كان من الإمام الباقر، عليه السلام، إلا أن أمر  بإحضار الصناع فاحضرهم  عبد الملك فاوضح لهم  الإمام، عليه السلام، طريقة  سبك الدراهم و الدنانير وتنظيم قوالبها ومقاديرها.

بهذا التخطيط المنظم للإمام، عليه السلام،  تغلب على على المشكلة وهدم  خطط ملك الروم  في اخضاع المسلمين ورضوخهم  لتهديداته الوقحة.

⭐ تركزت مهمة الائمة بعد الرسول، صلى الله عليه وآله، في تفهيم النهج الإسلامي الصحيح  وتعميق جذوره في نفوس الناس ومقاومة الانحراف الحاصل في الأمة نتيجة ابعادهم عن موقعهم القيادي

ضرب عبد الملك  السكة النقدية حسبما رأه  الإمام الباقر، عليه السلام، وظل التعامل بهذه السكة التي صممها الإمام الباقر، عليه السلام، إلى زمن العباسين، وبالتالي أصبح العالم الإسلامي مَديّنا للإمام الباقر، عليه السلام،  بما أسداه من فضلٍ في إنقاذ  النقد  من تبعية الروم وهو يحمل الشعار الإسلامي.

 هكذا ازدهرت الحياة الفكرية و العلمية  في الإسلام بهذا الإمام العظيم الذي التقت فيه عناصر شخصية الإمامين الحسن والحسن عليهما السلام، وامتزجت به تلك الأصول الكريمة والإصلاب الشامخة والارحام  المطهرة التي تفرع منها.

كان عليه السلام، يتختم بخاتم جده رسول الله صلى الله عليه وآله،  وجده الإمام الحسين، عليه السلام، وكان نقشه “العزة لله جميعا”، “إن الله بالغ أمره”، وذلك ما يدل على انقطاع التام إلى الله وشدة تعلقه به.

 اللهم ارزقنا زيارته في الدنيا و شفاعته في الاخرة.

عن المؤلف

أ.د سادسة حلاوي حمود ــ جامعة واسط ــ قسم تاريخ الأندلس والمغرب

اترك تعليقا