ايديولوجيا الكسل و الفشل و التمنّي

0

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (سورة البقرة، ٧٨)
لو أخَذتك مُخيّلتك يوماً إلى أرض واسعة وجميلة و حولها أنهار و أشجار، ثم بدأتَ تبني منزلك الخاص في تلك الأرض، فكان سقف منزلك عالياً و فِناؤه واسعاً و فيه كل وسائل الراحة و الرفاهية؛ ثُمّ رأيت زوجتك فيه و هي تلاعب أبناءك في باحة المنزل، وأنت تناولهم ألذّ الأطعمة والأشربة، ولكن! فجأة، عدت إلى الواقع الذي تعيشه،فهل سترى شيئاً تحقق مما تمنيته؟!
لن يتحقق شيء من أمنياتك مهما أحببت وأردتّ.
ولو أردنا النجاح علينا أن نحوّل أمانينا إلى أفكار و خطط، ثم نكتبها على الورق، و بعد الكتابة والتخطيط ، علينا أن نعمل ثم نورثها لأبنائنا ليواصلوا مسيرة العمل و تنفيذ الخطط و الأفكار.
الأفكار تأتي من المُفكرين الذين يهتمون بمشاكل أُممهم و يحاولون حلّها، و يحاولون الإجابة عن أسئلة مهمة في الحياة و الكون.
المفكرون والعلماء أشخاص مُحترمون في كل العالم، و لهم باع طويل في تغيير الأُمم و بناء الحضارات، فهم الذين ينظرون في الاجتماع، والاقتصاد، والسياسية، والقانون، وايضاً؛ في الدين، و الفلسفة، و غيرها من العلوم الانسانية والطبيعية التي نستخفّ بها في بلادنا –للأسف-.
لكن قبل أن نستخفّ بهذه العلوم؛ علينا أن نعلم أنّ الفكرة أساس كل العلوم و الحضارات، و الفكر هو آلة تقدم الإنسان، فلولا الفكر لما تقدمت الأمم، و ما بُنيت الحضارات و ما تميز الإنسان عن الحيوانات.
فمن المهم أن نستعمل عقولنا و أن نفكر و أن نحترم أفكارنا و أفكار الآخرين، و نستفيد من الفكر في تقدمنا على باقي الأمم؛ لذلك يحثنا ربنا على التفكّر {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ۗ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}.
دول العالم المتقدمة تحترم المفكرين و تسمع منهم و تقرأ كتبهم حتى تستفيد و تستمر بالتقدم و هذا ما يحثنا عليه الإسلام عندما يأمرنا بطلب العلم. فالعلم هو الأفكار و المعلومات التي يتعلمها الإنسان و ليس نتائج الأفكار.
قال النبي صلى الله عليه وآله: “إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل” (الكافي/ص٣٢).
فمعرفة السُنن و القوانين الإلهية و آيات الله في الكون هو العلم، و الاستفادة من تلك السنن و تطبيقها على الواقع يسمّى حكمة أو فنا أو صناعة.
و كما في الحديث عن أمير المؤمنين، عليه السلام: “الناس ثلاث؛ فعالم ربانيّ و متعلم على سبيل نجاة، و همج رعاع”.
نلاحظ أن الإمام يذكر العالم الرباني الذي يُعلم الناس على الطريق الصحيح و يعطيهم العقائد الأساسية ويركز على الأمور الروحية و المعنوية لأنها تعطي للإنسان طاقة العمل و تدفعه نحو التقدم و الإحسان، لذلك علينا الاهتمام بالعلم و معرفة قيمته و استشعار الحاجة اليه.
فمعرفة أهمية العلم و استشعار الحاجة للفكر و التعلم و المطالعة الهادفة؛ هي أول خطوة نحو التقدم و التطور، أما إذا استغنينا عن علمائنا، و شعرنا بعدم الحاجة إليهم؛ فسنبقى كما نحن، نقلد الآخرين في كل شيء و نتبعهم اتبّاع الأعمى، و نستورد منهم الأفكار الجاهزة، و نترك علماءنا و الذين يشتكون إلى الله يوم القيامة.
عن الامام علي بن الحسين، عليه السلام قال: “لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللُجج”.
إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه؛ دانيال، عليه السلام، أن “أمقت عبيدي إليّ الجاهل المستخف بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، وأن أحب عبيدي إليّ التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء”.
من هنا؛ فان مشكلتنا في أننا نريد التطور العلمي من دون أن نتعب عقولنا و نجهد فكرنا قليلاً. و نريد الحضارة بدون أن نبحث عن القيم الحضارية و المبادئ التي تمسكت بها الأمم المتقدمة، إننا نتمنى ما نراه عند غيرنا، لكن ليست لدينا إرادة قوية، و لسنا مستعدين لتغيير أنفسنا و التضحية و دفع ثمن التقدم، بل إننا لم نتفق إلى الآن على فكرة نبني حضارتنا على أساسها، فبعضنا يُشَرِّق و الآخر يُغرّب و تتلاطم الأفكار في بيئتنا دون الثبوت على فكرة واحدة و الاتفاق على مبدأ واحد.