أسوة حسنة

الإِمَامُ الصَّادِق وَبِنَاء المُجتَمَعِ الإِسلَامِي الوَاحِد

ولد الإمام جعفر الصادق (ع) في 17 ربيع الأول عام 83هـ في المدينة المنورة

مقدمة اجتماعية

إن للدِّين السماوي صبغة واحدة تنطلق من التوحيد الخالص، والعبادة المخلصة للواحد الأحد، وهي تُشكل في الحياة الإنسانية منذ أن انطلقت مساراً واحداً تصاعدياً من أبينا آدم، عليه السلام، وله مراحل ولكل مرحلة نبيِّها، لهداية البشر وإعادتهم إلى طريق الحق إذا انحرفوا عنه، ولكن عندما يكون الانحراف كبير يرسل الله سبحانه رسولاً، ويُنزل عليه كتاباً، ويُشرِّع له شريعة، ويُنهِّج له منهاجاً في نفس السياق التاريخي، وكان قادة التصحيح هؤلاء خمسة من رسل الله العظام وهم الذين نُطلق عليهم أنبياء أولي العزم من الرسل، وهم: (نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد)، صلوات الله عليهم جميعاً.

فالمسيرة ربانية رسالية، والهدف اجتماعي محض، والغاية تصحيح مسيرة الإنسانية، وإعادة الإنسان إلى الله سبحانه طاهراً نقياً كما خرج في بدايته على فطرته التوحيدية، وفي الآية الكريمة: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}. (الروم: 30)، أي (فطرهم (خلقهم) على التوحيد)، و(المعرفة، بأن الله عز وجل خالقه)، ورازقه، ومدبِّره، وفي الحديث الشريف: “كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه“، فالدِّين من الله الخالق، ولكن من أجل الناس المخلوقين، لأن الله سبحانه يريد بهم الرحمة واللطف واليسر ولا يريد لهم عكس ذلك لكه.

الإمام الصادق، عليه السلام ومنهجه الاجتماعي

 وتاريخ الأنبياء والرسالات يقول: بأن لكل نبي وصي، ولكل ميِّت وارث، إلا ما يتناقله البعض من أتباع هذا الدين العظيم، الخاتم لكل دين، والكامل التام من رب العالمين، فجاؤوا إلى عين الوصية وحاولوا فقأها، فقالوا: انتقل رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن هذه الدنيا ولم يوصِ لأحد من بعده، ولما رأوها عظيمة من العظائم، وكبيرة من الكبائر قالوا: أوصى بثلاث النساء والأطفال وإخراج المشركين..

والحقيقة أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، لم ينتقل إلى الرفيق العلى إلا وقد تركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ورئيسهم معروف، وقائدهم موصوف، وقد أخذ له منهم البيعة في يوم غدير خم وبحضور أكثر من مئة وعشرين ألف منهم، وأمرهم أن يُبلغ الشاهد الغائب، ولكن السلطة وبريقها والدنيا وبهرجتها التي حليت في عيون الطامعين فيها من رجال قريش، أخرجوها من معدنها، والقوا بها في عشائرهم، فتعاوروها، وتشاطروها، من تيم، إلى عدي، إلى أن وصلت إلى أبناء الشجرة الملعونة في القرآن الأموية، فحولوها إلى ملك عضوض، وراحوا يتلاقفونها ويتلاعبون بها كتلاعب الصبيان بالكرة كما أمرهم جدهم الذي علمهم الكفر صخر بن حرب أبو سفيان، بقوله لعثمان: “صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار“، هذا دينهم ومنهجهم وحكمهم العضوض.

من كلام للإمام الصادق، عليه السلام: “أُوصيك بتقوى الله؛ وبرّ أخيك المسلم، وأحب له ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، وإن سألك فأعطه، وإن كفَّ عنك فأعرض عليه، لا تملّه خيراً فإنّه لا يملّك، وكن له عضداً فإنّه لك عضد”

والإمام الصادق، عليه السلام، هو الوصي والإمام السادس من أئمة المسلمين، ووريث جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، الذي كان مؤتمناً على الدين، والرسالة، والأمة الإسلامية، وقد عاش في مرحلة حرجة جداً من العهدين الساقط الأموي والصاعد العباسي، فكان مخضرماً بينهما ولكنه كان يرى بأم العين كيف راحت تتساقط الأمة الإسلامية في الفتن المقبلة عليها كقطع الليل المظلم، وتفرقها شيعاً وأحزاباً وتقسمها بين الأقوياء والسلاطين، فصارت المذاهب واخترعت الطرائق الكلامية، والفرق الإسلامية وكل صار له أمير المؤمنين ومنبر، كما قالوا..

 فكيف عمل الإمام الصادق، عليه السلام، في تلك الفترة العصيبة جداً على الأمة الإسلامية؟

  1. تحصين الأمة عقائدياً

في عقيدتنا أن الإمام كالرسول، صلى الله عليه وآله، مسؤول عن الدين القويم، وعقائد الناس فيه، ولذا عمل الإمام الصادق، عليه السلام، على حفظ دين الأمة وتحصينها ضد الغزو الثقافي الخارج – كيومنا هذا – الذي كان بالأفكار، والثقافات الوافدة من خارجها، كما أنه صانها من الغزو الداخلي بالأفكار المنحرفة فيها الذين راحوا يُفرخوا ويكبروا كالفطر في الأمة، فما كان من الإمام الصادق، عليه السلام، إلا عزز الحوزة العلمية بالمصطلح الخاص، والجامعة الجعفرية بالمفهوم المعاصر، وراح يجمع الطلاب والتلاميذ فيها حتى فاق عدد المتخرجين منها الاثني عشر الف.

 وكانت تضم أربعة آلاف في وقت واحد، وفيها مختلف العلوم الدينية، واللغوية، والطبيعية، والكيميائية، والهيئة، وغيرها من العلوم التي وقفت سداً منيعاً أمام الغزوين الخارجي والداخلي، وهو ما تفعله الحوزة العلمية المباركة ومراجعنا الكرام في هذا العصر الأغبر حيث يدفعون عن الدِّين الإسلامي وعقائد الأمة الأعداء الذين جاؤوا من كل حدب وصوب للنيل منها وإخراج الناس من دينهم.

  • صيانة وحدة الأمة الإسلامية

 في ذلك العصر الذي كانت الأحوال متقلبة ومضطربة إلى حدٍّ بعيد، حيث انتهت أيام السلطة الأموية الغاشمة التي امتدت لألف شهر من الظلم والقهر، وبدأت أيام السلطة العباسية الظالمة التي قامت أصلاً بالدعوة إلى (الرضا من آل محمد) وكان الإمام الصادق، عليه السلام، هو الذي يُشار إليه بالبنان والبيان ولكنه رفض كل الدعوات التي جاءته لينخرط بالعملية السياسية، وبإغراءات سخية من أبي السرايا ورسالة مكتوبة حرقها الإمام قبل أن يقرأها، حتى أن حاملها يستغرب ويقول: (عجباً! أن أحداً تُعرض عليه الخلافة فيرفض)، فلا يُعقل أن هناك مَنْ يأتيه الملك فيفر منه ليعيش في الناس ومع الناس، إلا مَنْ كان يحمل رسالة الله إليهم ليُخلصهم من الظلم.

  فلم يكن هدف الإمام الصادق، عليه السلام، في ذلك الوقت الكرسي والحكم بل كان يُريد الأمة الإسلامية الواحد التي فرقتها السياسة إلى طرائق قدداً وجعلتها فِرقاً ومذاهب شتى، فعمل على إعادة لحمتها إليها، وتجميعها تحت رايتها العظمى (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فكان يأمر الشيعة بالانخراط في الأمة حيث يوصيهم بوصاياه الوحدوية فيقول، عليه السلام: “صلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق الحديث، وأدى الأمانة، وحسَّن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، فيسرُّني ذلك، ويَدخل عليَّ منه السرور، وقيل هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعاره، وقيل هذا أدب جعفر.. والله؛ لحدثني أبي، عليه السلام: إن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة عليٍّ، عليه السلام، فيكون زينها؛ آداهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث“.

نعم؛ هكذا كان الإمام، عليه ‌السلام، يأمر شيعته ومحبيه بالاهتمام بوحدة الأمة الإسلامية، والتعامل مع المذاهب الأخرى المستحدثة، وبذلك حاول ترسيخ روح التعايش السلمي، القائم على مبدأ المحبّة والمودة والوئام، وتأكيد الدائم على التماسك بين الجماعات والفرق الإسلامية؛ فنراه يُحرّضهم جميعاً على التضامن فيما بينهم، والتكافل لبعضهم، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود مع كل المسلمين، قال، عليه‌ السلام في ذلك: “عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز، إنّه لا بدّ لكم من الناس، إنّ أحداً لا يستغني عن الناس في حياته، والناس لا بدّ لبعضهم من بعض“، كم هي عظيمة هذه الكلمات النورانية وهامة وضرورية لرأب الصدع في حياتنا الاجتماعية المعاصرة، بعد أن فرقتها السياسة وشتتها الأهواء في هذا الزمن الذي ما ترك علاقة إلا قطعها حتى أشد وأوثق العلاقات الاجتماعية.

  • تعزيز مبدأ الأخوة الإيمانية

وهنا يمكن أن نلاحظ على منهج الإمام الصادق، عليه السلام، الاجتماعي الخاص بالشيعة الكرام، ولكي لا يُحس مَنْ يقرأ الوصايا السابقة بأن الإمام كان لا يُريد مصلحة الشيعة بل هي في صميم تحصين الشيعة وتربيتهم لقادم الأيام لعلمه اللدني بما ستؤول إليه الأوضاع في الأمة الإسلامية في أتون الحكومات العباسية الظالمة، ولذا كان يُعزز فيهم رابطة الأخوة الإيمانية بشكل كبير جداً، فكم هي الروايات المنقولة عن الإمام الصادق في الأخوة، وحقوق الأخ حيث يوصلها إلى ثلاثين في رواية وغلى سبعين في أخرى، وعي من أجمل ما روي في بابه، كقوله، عليه السلام، لأحدهم: “أُوصيك بتقوى الله؛ وبرّ أخيك المسلم، وأحب له ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، وإن سألك فأعطه، وإن كفَّ عنك فأعرض عليه، لا تملّه خيراً فإنّه لا يملّك، وكن له عضداً فإنّه لك عضد، وإن وجد عليك فلا تفارقه حتى تحلّ سخيمته (الضغينة) وإن غاب فاحفظه في غيبته، وإن شهد فاكنفه، وأعضده، ووازره، وأكرمه، ولاطِفه، فإنّه منك وأنت منه“.  

وفي وصية أخرى له عليه السلام يقول فيها: “أبلغ موالينا السلام وأوصهم بتقوى الله، والعمل الصالح، وأن يعود صحيحهم مريضهم، وليعد غنيهم على فقيرهم، وأن يشهد جنازة ميّتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، وأن يتفاوضوا علم الدِّين فإنّ ذلك حياة لأمرنا رحم الله عبداً أحيى أمرنا“.

وقال، عليه السلام: “تقرّبوا إلى الله تعالى بمواساة إخوانكم“، فهي قُربى وطاعة لله.

فكم نحن بحاجة إلى هذا الخطاب الراقي والرائع من إمامنا الصادق، عليه السلام، في هذا الزمن الذي تباعدنا فيه عن بعضنا البعض، فجاءت هذه الجائحة والبلاء (الكورونا) لتُعيدنا إلى بيوتنا، وعوائلنا، وأنفسنا حيث أدبنا ربنا بسوط البلاء في هذا العصر ونسأل الله أن يُفرجه عنا بأيسر وأسهل الطرق، وأن يصرفه من بلادنا لأنه خطف الكثير من أعزائنا وأحبائنا من بيننا.

هكذا علمنا الإمام الصادق، عليه السلام، كيف نصون مجتمعنا الإسلامي ونحافظ على أخوتنا، ووحدتنا عندما تتعرض لعدو غادر أو خطر داهم.

عن المؤلف

الحسين أحمد كريمو

اترك تعليقا