(الطشة) في عصر السوشيال ميديا

سيكولوجية الشهرة وحب الظهور

0

عندما نقلب صفحات التأريخ نجد أن هناك شخصيات ذات مكانة مرموقة اشتهرت بمواقفها النبيلة فأصبحت قدوة على مر التأريخ على اختلاف عنوان شهرتها التي أفادوا بها المجتمعات بكل تأكيد؛ على المستوى الديني أو الأخلاقي أو الاجتماعي أو السياسي، بنضال بعضهم واستشهاد البعض الآخر على يد الظلم والطغيان، فكانوا خير صفوة تستحق أن تشتهر بما أنجزت؛ وحُفظت لهم بصمتهم في الحياة لينتفع بهم للأجيال من بعدهم.
ومع تقدم السنين وتطور آليات التواصل بتقدم التكنولوجيا الحديثة، وبتطور الوسائل، انقاد الكثير، وبالأخص؛ من الشباب إلى حب الشهرة وطلبها، وحب الظهور بين أوساط المجتمع من دون امتلاكهم لكفاءة ما، فقد يكون ذا كاريزما مقبولة، من الناحية الدينية والاجتماعية، بيد أنه يستخدم هذا خدمة لمصالح خاصة، فتراه يتبع مبدأ “خالف تُعرف”، او التنازل عن الثوابت الدينية، مثل؛ رفع الإشكال عن اختلاط الرجال بالنساء، وشرعنة إقامة العلاقات بين الجنسين، ظنّاً منهم أنهم يغازلون فئة الشباب لكي يكون بنظرهم الشخص المنفتح والمتفهم لحاجة العصر، في محاولة منه لكسب رضا أكبر عدد من الناس وبالأخص الشباب وهي مغالطة بكل تأكيد.

  • الاشتهار – طلب الشهرة –

الاشتهار؛ هو طلب الشهرة، لا أن يكون معروفاً تلقائياً من خلال أعماله وانجازاته وخدماته للمجتمع، وإنما من خلال إجهاد النفس بأشياء تافهة، واتباع أنماط من التباهي برحلات ويوميات لا تقدم ولا تؤخر لهم، ولا لمن يتابعهم عبر وسائل الاعلام، ولاسيما وسائل التواصل الاجتماعي؛ كاليوتيوب، والانستغرام، وسناب شات، وغيرها، حتى أصبحت هدفاً لهم بالحصول على المتابعين والشهرة فقط، ويبذلون من أجله حتى كرامتهم، بأن يجعلوا من أنفسهم أضحوكة للمتابعين! خاصة بعد أن أصبحت الشهرة خصلة سهلة المنال، فهي لا تحتاج لعلم ولا الى ثقافة؛ إنما قليلاً من التحلل عن الالتزامات الاخلاقية، واحياناً الانسانية، لتتحول هوساً و وباءً اجتماعيا سريع الانتشار، يتنافسون عليه ويتباهون بكثرة المتابعين لا بمحتوى ما قدموا.
ومن وجهة نظر علم النفس الذي يؤكد على أن لفت الانتباه حاجة نفسية غريزية لا تختلف عن الحاجات البيولوجية الجسدية والحاجات العاطفية والاجتماعية؛ ولكن إذا أصبحت الرغبة جامحة في حب الظهور، أخذت منحىً مرضياً تدفع صاحبها المهووس نحو الكبر والاستعلاء و احتقار من هم دونه، فتتوق نفسه إلى أن يُشار إليه بالبَنان.

  • دور الأسرة في لجم جموح الشهرة السلبية

للتربية دور فاعل في معالجة هذه الظاهرة، فينبغي على المربّي أن يغرس في الأفراد ثقته بنفسه، وأن يطور من إمكانية أبنائه العلمية، وأن يكون الابن ذا رؤية للتمييز بين المفيد وغير المفيد لكي لا يلتهم الترفيه الفارغ المحتوى أوقاتهم، بمتابعة ما يضرهم ولا ينفعهم. أو يجعلهم بلا هوية، فيعمدون إلى أن يكونوا ذوي شأن وهمي، يعوضون ما بداخلهم من فراغ الإحساس بالشخصية السوية، أو يتلقفون كل ما حولهم ويتأثرون به ويقلدونه، فكلما زادت ثقة الأبناء بأنفسهم، كلما كانوا مستغنين عن هوس الشهرة، والعكس صحيح، ومن هنا لا بد من مراعاة الآباء لاحتياجات أبنائهم ومنها الاحتياجات الاجتماعية من خلال أصدقاء ينتمون إليهم، وإشعارهم بشرف الانتماء وتمسكهم بما يحملون من مبادئ وقيم أصيلة، حتى لا ينجرفوا خلف شخصيات فارغة، يقتبسون منها سلوكياتهم وتفاصيل حياتهم، فلا يفعلون كل شيء يرونه من أشخاص لمجرد أنهم مشهورون على صفحات مواقع التواصل.

  • ميزان الشهرة في الشريعة الإسلامية

إن المقياس الإيجابي والسلبي هو حكم الله، وأنبياؤه ورسله والأئمة، صلوات الله عليهم أجمعين، ورأي الشريعة من الشهرة واضح، وهو النهي عن سلوك طرائقها عندما تكون الغاية هي الشهرة بعينها، ولكن؛ عندما يكون الشخص ذا رسالة وأهداف وتصدى لإصلاح المجتمع وقيادته لتحقيق تلك الرسالة من دون سعي للشهرة، عندها تكون زيادة معرفته وشهرته منفعة لأكبر عدد من الناس بهدف نشر القيم والأهداف النبيلة، وإن أصبح مشهوراً بين الناس، عليه أن لا يكون ذلك قاعدة للتعامل مع من يوجه اليهم خطابه وأفكاره، مهما كثر أتباعه، فلا يبحث عن الكمية بل النوعية، وعلى قدر تحقيق أهدافه، دون المجاملة على الحق، ليتميز عن الساعي للشهرة، ممن يجامل، بل ويخالف قيمه وتقاليده لإرضاء جمهوره فقط.
وقد ورد عن الإمام زين العابدين، عليه السلام، أنه قال: “اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا ترفعني في الناس درجة الا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها. يا أرحم الراحمين” وقال الإمام علي، عليه السلام: “ما أرى شيئاً أضر بقلوب الرجال من خفق النعال وراء ظهورهم”. وقال الإمام السجاد، عليه السلام: “كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا”.
وقد تحدث العالم الجليل محمد مهدي النراقي في كتابه، جامع السعادات، عن حب الشهرة بقوله: “إعلم؛ أن حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة، وطالبهما طالب الآفات الدنيوية والأخروية، ومن اشتهر اسمه وانتشر صيته، لا يكاد أن تسلم دنياه وعقباه، إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب للشهرة منه. ولذا ورد في ذم من يسعى إلى الشهرة ما لا يمكن إحصاؤه من الآيات والأخبار. قال الله سبحانه: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا}.
فالشهرة محمودة إن كانت من غير سعي للحصول عليها، وكانت بتحقيق أهداف ذات قيمة وفائدة للمجتمع دينياً كانت أم دنيوياً، وبخدمة المسلمين، و لدفع الظلم والجور عنهم، ودفع مواطن الفساد والانحراف من المجتمع، وإصلاح الخراب، و نشر العلوم والثقافة والوعي، عندها لا تكون عيباً علينا أن نتخلص منه بعد كَبح جِماح النفس وتواضعها وتحقيق أهداف قيمة، أما غيرها مما نرى أكثرها في وقتنا الحالي بأن “يطشّ” أحدهم وهو يسلك الطرائق الملتوية ويسعى حثيثاً لمجرد أن يكون معروفاً من غير أن تكون له رسالة معينة، ويهمه كثرة المعجبين والأتباع، فهذه شهرة سلبية فارغة علينا أن نبين لأبنائنا بأن لا يسلكوها، ولا يتبعوا من حصلوا عليها وهماً لأنها لا حقيقة فيها.
ومن هنا كانت أهمية الانتباه لخطورة ظاهرة طلب الشهرة في محاولة الحد منها، وتصحيح مسارها؛ ولمنع أبنائنا من الانزلاق نحو الباحثين عن الشهرة، بتوعيتهم وبناء شخصيتهم بشكل متكامل، من خلال ربطهم بقدوات حسنة قديمة أو حديثة، وذات قيم خلقية ودينية أو علمية مفيدة. وشغل فراغهم بما ينفعهم، وأن يهتموا باكتساب العلم والقيم، مع إعداد شخصيتهم بشكل سوي وأن يكون أصدقاؤهم ممن يؤمن عليه منهم.