أم البنين، أسرار في خلود امرأة

0

 

تحولت من شخص لشاخص، بل هي اليوم ثقافة المؤمنين بها، يعقدون لها المجالس ويتوسلون بها إلى الله تبارك وتعالى، حتى أنها بعد أكثر من 1376 عام من وفاتها تلمع في سماء العظمة، لكن السؤال؛ أ حصلت هذه المرأة على هذه المكانة بين الناس من فراغ؟ أم أن ذلك ناشئ من أسس ثابتة وسنن إلهية حكيمة؟
ثلاثة أسس هي التي جعلت من فاطمة الكلابية، رمزاً يتمنى العظماء لو يبلغون معشاره:

  • الأول: المنبت الحسن

رحلت الصديقة الطاهرة، فاطمة الزهراء، عليها السلام، عن هذه الدنيا، فطلب أمير المؤمنين عليه السلام من أخيه عقيل، وكان عارفاً بأنساب العرب، قائلاً: “انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب”.
وبالرغم من أن الإمام امير المؤمنين، عليه السلام، منتهى الكمالات الإلهية، فهو يعسوب الدين، وإمام المتقين، وسيد الوصيين، وأشجع الأولين والآخرين، لكنه حين يريد الزواج يسأل عن امرأة ولدتها الفحولة من العرب لتكون الأرضية الخصبة لولادة طاهرة.
فالمرأة حرث الرجل ومزرعته، ولا ينبغي له التهاون في أمرها، ولذا ورد في الحديث الشريف عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، انه قال: “إياكم وخضراء الدمن”.
وقد وصف النبي، صلى الله عليه وآله، المرأة التي يعدها خير النساء يقول ـ كما في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: “إن خير نسائكم: الولود، الودود، العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرجة مع زوجها، الحصان على غيره، التي تسمع قوله، وتطيع أمره، وإذا خلا بها بذلت له ما يريد منها، ولم تبذل كتبذل الرجل”.
والحقيقة؛ أن أمير المؤمنين، عليه السلام، لم يكن يبحث عن امرأة تورث العباس الشجاعة، إذ إنه سيورثّه ذلك، إلا أنه يبحث عن امرأة من منبت حسنٍ تحمل الخصال الكريمة، فالتي تأتي من عائلة كريمة معروفة بالشجاعة، ستجد عندها سائر الصفات الحسنة أيضاً، فإن السجايا الحسنة تجتمع كما هي الصفات السيئة ايضاً.

  • الثاني: الهدف السامي مسايرة الهدف

تعلمت فاطمة الكلابية (أم البنين) من بيت الهدى، أن منصب الإمامة والنبوة هو أعلى مقاماً، وأن الولاية للمعصوم هي أثمن شيء عند الله، كما في صحيح زرارة عن الامام الصادق، عليه السلام: “بُني الاسلام على خمس؛ الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية وهي مفتاحهن والدليل عليهن، وما بني الدين على شيء كما بني على الولاية”، فجوهر الدين هو الولاية التي بُني الدين عليها، ولذلك بذلت أفلاذ كبدها وحياتها في سبيل مبدأها وعقيدتها، وهي فداء إمام زمانها، سيد الشهداء، الامام الحسين، عليه السلام، وكانت فخورة بذلك، فرحة بأنها قدمت أبناءها الشبان الأربعة هدية للبتول الشهيدة فاطمة الزهراء .
ولا يكفي أن يكون للإنسان هدفٌ سامٍ، فالكثير من الأهداف تتحول الى أماني لا تتحقق، إلا ان المهم أن يساير الإنسان هذا الهدف حتى اللحظة الأخيرة، كما فعلت أم البنين، عليها السلام.
فحينما علمت أن إختيارها واقترانها بأمير المؤمنين هو لإنجاب من ينصر سبط رسول الله، الحسين الشهيد، عليه السلام، جعلت لنفسها هذا الهدف السامي، وهي تساير هدفها في كل حركاتها وسكناتها، فالعباس كان ابن الخامسة عشرة حينما استشهد أمير المؤمنين، عليه السلام، لكن أمه كانت لا تلقمه لقمة إلا وتدعوه لنصرة سبط رسول الله.
وهذا هو الذي جعل هذه المرأة تبقى خالدة، بل وتصبح باباً للحوائج يقصدها القاصي والداني.
نعم؛ قد لا تكون مشيئة الله مع تحقق الهدف الذي ابتغيه، بيد أن المهم مسايرة هدفي على طول الخط، وكما نقرأ في زيارة أبي الفضل العباس، عليه السلام، و زيارات أخرى: “ونصرتي لكم معدّة حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين”، أي أني أعددت نصرتي، و هيأت كل ما يحتاجه الأمر في هذا السبيل.

  • الثالث: التضحية والوفاء

لأهل البيت، عليهم السلام، حقٌ كبير على كل مؤمن بالله تبارك وتعالى، فلولاهم لما كان يعبد الله، بل و لولاهم لما كنّا، لكن هل نحن أوفياء تجاه أهل البيت، عليهم السلام؟
والله -تبارك وتعالى- أمر النبي، صلى الله عليه وآله، تأكيد ذلك بين الناس حيث قال سبحانه: { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.
والوفاء لأهل البيت يكون بمزيد من التضحية لهم، فكلما كانت التضحية أعظم، كان المرء أقرب إليهم وبالتالي أقرب إلى الرب سبحانه.
وبالرجوع إلى هذه السيدة الجليلة، نرى أنها أعطت كل وجودها لله، وكرسته في سبيل أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، فأول ما زفت إلى دار أمير المؤمنين عليه السلام، وكان الحسنان معتلّين، فأخذت تمرضهما حتى شُفيا، ورغم أنها في أيام العرس، لكن تعد نفسها خادمة للحسنين لأنهما سبطا رسول الله، صلى الله عليه وآله.
ثم إن ما قامت به من تضحية باسمها لم يكن بالأمر الهيّن، و اسمها من أجمل الأسماء، لكنها طلبت من أمير المؤمنين، عليه السلام، أن لا يناديها باسمها كي لا يؤذي ذلك قلب الحسنين.
وحين جاء البشير لأمير المؤمنين يخبره بولده منها، أقبل الإمام علي فقال: أين إبني، أتي به، فقال سميته عباساً، فأخذه وهو ملفوف بالقماط، وكان ذلك الطفل يحرك يديه داخل القماط، ففتح الإمام القماط فأخرج الطفل يديه وصار يلعب بهما يميناً وشمالاً، فأخذ الإمام يقلب كفي ولده ويبكي، فقالت له أم البنين: أبا الحسن قطّعت قلبي! مالي أراك تقلب كفي ولدي وتبكي؟ قال لها: يا أم البنين! ذكرت ما يجري عليه، قالت وماذا يجري عليه، أقرحت قلبي؟ فقال لها يا فاطمة! كأني بهذه الكفين قد قُطعتا، وكأني بهذا الرأس مفضوخ بعمد من حديد، قالت: ولماذا هذا؟ قال هذا فداءٌ لولدي الحسين، فسجدت لله شكراً وقالت: الحمدلله الذي جعل ولدي فداءٌ لولد فاطمة الزهراء، فأصبحت تنتظر ذلك اليوم، يوم الجهاد والتضحية.
ومنذ ذلك الحين كرست كل وجودها للحسين، عليه السلام، حتى أن الأم التي تحمي أولادها بنفسها، تدفع بهم قرابين فداءً للحسين، عليه السلام، ولذا فإن التاريخ يسجل موقفها مع بشر بن حذلم بماء من ذهب حينما سألته عن الحسين، وهو يخبرها عن أولادها واحداً بعد واحد، لكنها لم تكترث لمقتلهم ما داموا قرابين يدفعون بأنفسهم عن الإمام الحسين، عليه السلام، وأهله، لكنها حين سمعت بمقتل السبط الشهيد، سقطت على الأرض تندب سيد الشهداء.