تأملات في دعاء العهد

سرور النبي برجوع الدين كما كان من جديد

0

مازلنا مع دعاء العهد وهو الدعاء المعروف الذي كتبه الإمام الصادق، عليه السلام، لتعجيل ظهور الامام المهدي، عجل الله تعالى فرجه، وللمشاركة في التحول العالمي الأكبر.
وصل بنا المقام عند الفقرة “اَللّـهُمَّ وَسُرَّ نَبِيَّكَ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِرُؤْيَتِهِ”.
فما هي النكتة الكامنة وراء هذا التوسل المشار في هذه الفقرة “اَللّـهُمَّ وَسُرَّ نَبِيَّكَ”؟
إن الإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه، كونه خاتم الأئمة الأطهار، عليهم السلام، وصلته بالنبي محمد، صلى الله عليه وآله، بصفته خاتم الأنبياء، فهو امتداد للرسالة السماوية، و ظهوره، وإنقاذه
أي إن الصلة بين البداية لرسالة النبي، صلى الله عليه وآله، وبين النهاية الامتدادية للحركة الإصلاحية المقترنة بظهور الإمام، عجل الله فرجه، ولا شك أن هذا يستدعي سرور النبي، صلى الله عليه وآله، عندما يجد ان الاسلام يعود كما كان في بداية عهده.
وجاء في الفقرة التي ذكرت في الحلقة السابقة “وَاجْعَلْهُ اَللّـهُمَّ… وَمُجَدِّداً لِما عُطِّلَ مِنْ أحْكَامِ كِتَابِك”، فإن عملية التجديد تعني: إن الشيء يصبح جديداً، أي ان العمل بأحكام القرآن يصبح جديداً، بعد ان توقف العمل بها – التجديد هنا للعمل، وليس للاحكام- لذلك فان التجديد لما عُطل من الاحكام، يصبح استئنافاً للعمل بها بعد التوقف، وهذا التجديد للعمل باحكام القرآن سوف يشكل مقدمة لبناء جديد للدين، لذا فإن النبي “يُسَر”، عندما يرى الإمام بحركته التجديدية، عندما يملأ الأرض عدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجورا.
بعد ذلك تعقبها فقرة؛ “وَمَنْ تَبِعَهُ عَلى دَعْوَتِهِ، وَارْحَمِ اسْتِكانَتَنا بَعْدَهُ”، إنها ترتبط بالفقرة السابقة؛ “اَللّـهُمَّ وَسُرَّ نَبِيَّكَ”، في قضية سرور النبي، صلى الله عليه وآله.
العبارة الأولى تتوسل بالله – تعالى – على أن يسر من يتَّبع النبي محمداً على دعوته، وهذا التوسل له وضوحه وفاعليته، فإن أصحاب هذا الإتباع على الدعوة حتماً هم الطائفة الحقة، المؤمنة بكتاب الله الذي انزل على رسول الله، وبعترته الطاهرة التي أشار إليها القرآن الكريم، وأكدها، صلى الله عليه وآله، في توصياته؛ أكيد إنهم يُسرون بظهور الإمام المهدي -عجل الله فرجه- ما داموا قد اتبعوا النبي في دعوته وتوصياته.
أما فقرة “وَارْحَمِ اسْتِكانَتَنا بَعْدَهُ”، قد يكون فيها بعض الغموض؟
فالاستكانة؛ تعني الخضوع والذل، ربما يقصد بذلك؛ أن الله -تعالى- رحم استكانتنا بعد النبي، صلى الله عليه وآله، بعد التوسل به -تعالى- بأن يسره، صلى الله عليه وآله، برؤية الإمام المهدي -عجل الله فرجه- وهذا ما يمكن استخلاصه في ضوء الفقرة التالية والأخيرة من الدعاء: “اَللّـهُمَّ اكْشِفْ هذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هذِهِ الأمة بِحُضُورِهِ، وَعَجِّلْ لَنا ظُهُورَهُ، اِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعيداً وَنَراهُ قَريباً”.
ولكن من الملاحظ في هذا المقطع جملة أمور تتعلق بالعبارة السابقة؛ “بحضوره”، والعبارة الاخرى التي تتحدث عن “ظهوره”، والدعاء يتوسل بالله -تعالى- ان يكشف الْغُمَّةَ عن هذه الامة بحضوره -عجل الله فرجه-، والغُمّة هي الحزن والكرب، ولذلك فإنها عندما تبلغ مداها الكبير في هذه الأمة، يكون بذلك قد وصلت إلى أشد مستوياتها، ومادام الامر كذلك، فإن حضور الامام -عجل الله فرجه- ذاته في زمن غيبته يظل مقترناً برعايته ولطفه، وهذا مما يستدعي التوسل بالله -تعالى- بأن يكشف الشدة، او الشدائد، او الغمة عن الامة المتمسكة بكتاب الله -تعالى- وعترة النبي، صلى الله عليه وآله.
وهذا يقودنا إلى بلورة مفاهيمنا و إدراكنا لحركة الإمام المهدي المنتظر، وما يواكبها من تطورات، وما تتحدث النصوص الواردة عن المعصومين، عليهم السلام، في ذلك، بتفصيلات نحاول ان نتحدث عنها في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.