فکر و تنمیة

التواضع مفتاح العقل

الناس يخيرون بين الدنيا و الآخرة، فلكل واحد منهم أن يختار الدنيا، أو يختار الآخرة، وليس لأحدٍ أن يختار الإثنين معاً فهذا أمرٌ لا يعقل ويستحيل حصوله، وإذا رأيتم أناساً مؤمنين ومتنعمين في الدنيا، فهؤلاء لم يختاروا في الواقع الدنيا و الآخرة وإنما هم اختاروا الآخرة، وبعد ابتلاءات وامتحانات، أعطاهم الله – سبحانه وتعالى- الدنيا إلى جنب الآخرة.

السؤال: من يختار الآخرة على الدنيا؟

إنه العاقل؛ هو الذي يختار الآخرة على الدنيا، بعد إيمان وتصديق بما سيحدث له في العالم الآخر، أما أصحاب العقول الضعيفة فهم يختارون الدنيا لأن شهواتها معدّة وتراها العين، كما يستشعرونها بحواسهم الاخرى، فيما لا يلمسوا شيئاً من الآخرة سوى الروايات والأحاديث والآيات التي نزلت بهذا الشأن.

فهل يستبدلوا شهوة حاضرة بثواب مؤجل لم تتيقن قلوبهم من الحصول عليه؟

المسألة كلها تخضع لحسابات ومعادلات دقيقة، فأهل الدنيا مثلاً يستهزئون بأهل الآخرة ويقولون لهم: أنتم تتعبون أنفسكم وتعبدون، وقد لا تحصلوا على شيء؛ لا في الدنيا ولا في أي عالم آخر! ثم ما هو الدليل على وجود العالم الآخر؟! ومن الذي خرج من قبره مدمّى أو معذب؟! والعشرات من اسئلة تهكمية هكذه، ترمي الى التشكيك بحقيقة الحساب في الآخرة، وإن كانت تأتي احياناً، من أشخاص لا يقصدون ذلك.

 

هناك حد فاصل بين عقول أهل الدنيا وعقول أهل الآخرة، أما بالنسبة لأهل الدنيا فهم يستكبرون على الحق، ونقصد بالحق هنا كل حقائق الكون من إيمانية وغير إيمانية

 

بالمنطق السطحي والبسيط، ربما يقول المرء: أن الحق مع أهل الدنيا، لأنهم على الأقل يحصلون على المكسب الدنيوي، بينما المكسب الأخروي هو غير مضمون وغير أكيد لأغلب الناس؛ فما السبب أن يخسر المرء لذة حاضرة من أجل لذة مؤجلة موجودة فقط في الكتب السماوية وكتب الأدعية وغيرها؟

كما قلنا فإن الإختيار صعب، وإن الذين يختارون الآخرة هم العقلاء، لأنهم في الواقع لابد أن يمروا بجميع المراحل العقلية حتى يصلوا إلى درجة اليقين في اعتقادهم فباليقين يستطيعون رؤية الجنة والنار، وباليقين يرون الموتى وهم منعمون أو معذبون، وباليقين ينظرون إلى الآخرة وإلى منازلها وعوالمها، وباليقين هم يعبدون الله حق العبادة، وباليقين يعملون الصالحات، وباليقين هم يجاهدون وباليقين هم يضحون بأنفسهم في سبيل الله.

قد يكون مفهوماً أن يناضل الإنسان من أجل مبادئ الإسلام وقيمه الخيرة ففي ذلك مصلحة له ولأمته، يفعل ذلك لأنه وصل إلى درجة اليقين بوجود الآخرة ونعيمها مع عدم قدرته على رؤيتها.

فوجود الآخرة والحساب والكتاب متعلق بفطرة الإنسان أكثر من تعلقه بأدلة علمية أو آيات قرآنية أو روايات نبوية، فالعقل يوقن بوجود هذه الأشياء كلها، فحتى لو لم يذكرها القرآن الكريم، فإن العقل البشري بإمكانه أن يهتدي إلى هذه الحقيقة فيصل إلى الإيمان بها.

فبعد سنوات من المواظبة والدراسة المستمرة والاختبارات الصعبة، لابد أن يقدم طالب الحقيقة النتيجة المرضية لنفسه ولعقله، فمن الناس من يكون كسولاً وطالباً للراحة، فلا يتعب نفسه بالدراسة والتعلم ظناً منه بعدم فائدة الشهادة التي سيحصل عليها ولهذا السبب سيفشل في الاختبار النهائي، أما الآخر الذي تيقن من الحقيقة الخفية، فإنه باشر بالجد والإجتهاد والمواظبة على التعلم من دروس الحياة وهكذا استطاع أن يقدم في الختام نتيجة مُرضية لنفسه وعقله.

 

  • بين عقول أهل الدنيا وأهل الآخرة

هناك حد فاصل بين عقول أهل الدنيا وعقول أهل الآخرة، أما بالنسبة لأهل الدنيا فهم يستكبرون على الحق، ونقصد بالحق هنا كل حقائق الكون من إيمانية وغير إيمانية، أما أهل الإيمان فتجد صفتهم التواضع للحق، فإذا سمعوا كلمة حق إستجابوا وخضعوا لها حتى وإن كانت تمس تصرفاتهم وسلوكياتهم، ففي الوقت الذي يعد فيه الفاسق الإنتقاد الذي يوجه إليه هو مذمة ومذلة فأن المؤمن يعتبره هدية لأنه يساعده على التطور والتقدم في عالم المعنى أو عالم المادة.

وعلى هذا الأساس ينبغي أن يفتح المرء صدره لحديث الناس ويستمع إليهم جيداً وبعد ذلك يقوم بتحليل ذلك لعل هذا الكلام يحتوي ما يمكن أن ينتفع به؟ والاهتداء للسبيل إلى تنفيذ ما جاء من الحق بشأنه؟

إن التواضع للحق هو الذي يقود الإنسان إلى المعالي، لأنه مع هذه الحالة يكون المرء في حالة تطور دائم. لأنه يقوم بتصحيح أفكاره وسلوكياته باستمرار، لذلك فإن الذي يستمع إلى ما يقال له من الحق فربما يصل إلى درجة الكمال من الناحيتين الفكرية والعملية.

ولكن من ذا يدوس على (الأنا) لديه ويعترف بخطأ أفكاره ونظرياته، أو سلوكياته؟ من يعترف للآخرين بفضل أفكارهم إذا كانوا مصيبين؟ ومن يستطيع أن ينتقد تاريخه الفكري والسياسي بالسهولةذاتها التي ينتقد بها الآخرين؟

فعندما يتحدث أحدهم عن الأخطاء الفكرية أوالتكتيكية، يأتي لك بعشرات الحجج والمبررات ليس إعتقاداً منه بسلامة منهجه، بل كي يحافظ على سمعته وسمعة الجماعة التي ينتمي إليها، فهو يعد الدفاع عن هذا الكيان واحدة من المقدسات التي لايجوز مسها.

 

من سيرة علمائنا الأفاضل نجد أن أغلبهم حينما تسأله عن وضعه لايصف نفسه بالعالم وإنما يقول بأني ما زلت متعلماً، وهذه هي الحقيقة الكبرى لأن الله سبحانه وتعالى هو العالم ولايشترك معه في هذه الصفة أحد من عباده لامن الملائكة ولامن البشر

 

ليست هناك ذات مقدسة لايمكن توجيه النقد لها، سوى الذات العليا للباري عزوجل رغم ذلك تعرض المشركون لها، وكذا الانبياء وكذا الأوصياء، وبالطبع نحن وظيفتنا أن ندافع عن حرمة وقدسية الذات الإلهية والانبياء والأوصياء عليهم السلام.

إن الذي يغلق ذهنه عن الحق، لن يتعلم شيئاً، ولن يتطور أبداً، وأول العلم أن تقول لا أعلم، فهذه هي الخطوة الأولى من أجل التعلم، والإستفادة من الآخرين، بينما لو قلت بأنك عالم، عندها ستغلق كل منافذ العلم على ذهنك على أساس أن العالم هو الذي يعلم ولايتعلم، ولايُصغي بعد ذلك لكلمة حق أبداً لأنه يرى نفسه الأفضل بين الناس.

ومن سيرة علمائنا الأفاضل نجد أن أغلبهم حينما تسأله عن وضعه لايصف نفسه بالعالم وإنما يقول بأني ما زلت متعلماً، وهذه هي الحقيقة الكبرى لأن الله سبحانه وتعالى هو العالم ولايشترك معه في هذه الصفة أحد من عباده لامن الملائكة ولامن البشر.

وبرغم ما كان يملكه من العلم والفهم كانوا يطلقون على لقمان بالحكيم ونقرأ في وصية الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم: “إن لقمان قال لإبنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس، يا بُني أن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وجسرها الإيمان، وشراعها التوكل، وقيمها العقل، ودليلها العلم وسكانها الصبر”.

ويضيف الإمام عليه السلام: “يا هشام لكل شيء دليل، ودليل العاقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية ومطية العاقل التواضع، وكفى بك جهلاً أن تركب ما نهيت عنه”. فالتواضع هو وسيلة العاقل للوصول إلى قمة الكمال والمجد، ولعل السؤال يبرز هنا لماذا يتخذ التواضع هذه المكانة من جهة العقل؟

الإنسان المتواضع يفتح قلبه للحق، حتى وإن كان على نفسه، أما المتكبر فهو الذي يغلق كل منافذ قلبه وعقله بوجه الحق، فإذا صورنا العقل أو القلب بأنه مخزن للعلم، فكيف يمكن لأن تدخل المعارف والعلوم الى هذا المخزن، والقلب مغلق بالأنا والاستعلاء والتفاخر؟

وأول المعرفة هي كلمة حق يقولها إنسان، وربما كان هذا الإنسان صبياً، وربما كان مجنوناً، أليس لدينا (خذ الحكمة ولو من أفواه المجانين) فلو تجادلت فرضاً مع صبي، سواء كان ابنك ام غييره وقد أفحمك في موضوع ما، فهل تتنازل إليه وتقبل بالحق الذي جاء على لسانه؟ هذا إختبار عسير وقد يسقط فيه الكثير، الكثير من الناس.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا