الإنقلاب الخطير على جوهر الدين

القسم الأول: الاستدلال القرآني

0

أثبت كتاب الله وجود انقلاب خطير سيحدث من قبل معظم المسلمين ويأتي مباشرة بعد رحيل رسول الله، صلى الله عليه وآله، حيث جاء في الآية 144 من سورة آل عمران قول الله – تعالى -: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.
جاءت هذه الآية الشريفة ضمن سلسلة آيات تتحدث عن ابتلاء الله – تعالى – للمؤمنين، وما حدث لهم في معركة أحد حيث امتحنوا بالهزيمة بسبب ابتعادهم عن أوامر رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكيف أن البعض ترك قتال المشركين ظناً منهم أن النبي قد استشهد، فجاءت هذه الآية في سياق الأجواء السلبية التي أفرزتها تلك الهزيمة والتي أوضح الله فيها دروس الرشد والهدى للمسلمين، إلا أنه أعقب أن هناك أمراً مروعاً بانقلاب معظم الأمة ورجوعها عن دينها وأن ما سيحدث سيكون بتعمد ووعي من قبلهم وهو ما تتحدث عنه هذه الآية المباركة.
والواقع أن هذه الآية الهامة تتحدث عن قضية في غاية الخطورة، وهي السبب المباشر الذي أحدث أعظم انتكاسة في واقع المسلمين ولازالوا يدفعون ثمنها الى الآن. فالآية تخاطب عموم المسلمين الذين في عصر الرسول، صلى الله عليه وآله، بأنهم سينقلبون على أعقابهم ويبتعدون عن الدين سوى قلة شاكرة. وأن هذا الانقلاب سيحدث حتماً بعد وفاة الرسول أو قتله. وهنا عدد من الحقائق الهامة حين التأمل في هذه الآية التي حملت هذا النبأً الخطير:

  • الإنقلاب على الإسلام والحنين للجاهلية

1- إن النبي محمداً، صلى الله عليه وآله، جاء بعد سلسلة نبوية شريفة سبقته. وقد جاء ذكر النبي باسمه الشريف (محمد)، صلى الله عليه وآله، لئلا يأتي من يتفلسف ويقول إن المقصود بهذه الآية غير نبي الإسلام. ولعله تذكير من الله جل وعلا لنا أن النبي محمداً حاله كحال بقية الرسل، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وأن ما سيحدث بعد رحيله ليس بدعاً بل حدث من قبل للعديد من الرسل من قبله، حيث قام بعض أتباعهم بتحريف الدين وإفراغه من معناه، وهذا ما قام به بولس بعد رحيل المسيح، عليه السلام، من هذه الدنيا حيث أخذ المسيحية باتجاه التجسيد والشرك بعكس ما جاء به النبي عيسى، عليه السلام، إلا أن الفارق في وضع الإسلام هو وجود فرقة صالحة هي اقلية من بين المسلمين بقت تحمل الإسلام نقياً بلا تحريف. والتفرق عنه، مما عَدّه الله – تعالى – كفراً بآياته، كما قال – تعالى – في الآية 19 من سورة آل عمران: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
2- زمن الإنقلاب سيكون بمجرد رحيل النبي محمد، صلى الله عليه وآله، سواء بموته أو قتله، وقد وقع ما قاله القرآن بالفعل.
3- معنى (انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ)، وقد تكرر اللفظ مرة أخرى بدلالة فردية (ومًنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ). ومعنى انقلب على عقبيه أي رجع نحو الخلف. قال الراغب: ورجع على عقبيه إذا انثنى راجعاً، وانقلب على عقبيه نحو رجع على حافرته. وبما أن الآية تتحدث عن أكثرية ستنقلب على أعقابها، فماذا كان أعقابها سابقا؟، أليست هي الجاهلية؟ّ! وقال السيد الطباطبائي في تفسيره «الميزان» عن هذه الآية: «أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين، ورجعتم إلى أعقابكم القهقرى واتخذتم الغواية بعد الهداية».
4- المخاطبون بالآية هم الأكثرية المحيطة بالنبي، فالقرآن بصريح العبارة يقول (انْقَلَبْتُمْ)، فمعنى الإنقلاب لا يصح إلا على من اعتقد وآمن بنهج ثم رجع الى ما كان عليه سابقاً، وليس لمن لا يؤمن به أصلاً. فالذين سينقلبون على أعقابهم هم المخاطبون وقت نزول هذه الآيات عليهم في زمن النبي محمد، صلى الله عليه وآله، وهم أكثر الصحابة، وليس غيرهم من القبائل التي ارتدت كما قيل، وهناك عدد من الأحاديث النبوية الشريفة توضح أن الذين انقلبوا على الرسول هم من صحابته المحيطين به.

  • من هم {الشَّاكِرِينَ}؟

5- نتائج الإنقلاب كما تبينها الآية، تكشف عن اعجازين آخرين من نبوءة القرآن الكريم، وهما:
أولاً: عدم تضرر المسيرة الإلهية بهذا الانقلاب {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا}. بل سيرتد آثاره على الانقلابيين ومن يؤيدهم.
ثانياً: وجود قلة من المسلمين لن ينقلبوا على الدين، وسيحافظون على ارتباطهم به كاملاً، وقد عبّر الله عنهم بالشاكرين (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)، وهم بحق الناهضون بالدين والباحثون أساساً عن رضا الله – تعالى – وخشيته دون خشية أحد من الناس، وهم الذين يستحقون من الله الجزاء على ثباتهم وعدم انقلابهم. ونقول إنهم قلة، لأن الآية تحدثت عن وجود انقلاب من الأكثرية بدليل توجيه الإدانة للجميع، ولكنها أوضحت عن وجود شاكرين مما يدل على أنهم قلة، وإن الانقلاب سيحدث أثره العام في وضع المسلمين، دون أن يؤثر على مسيرة الدين الذي سيبقى ناصعاً وقوياً وماضياً بفضل القلة الشاكرة التي ستصمد على دينها. وأقول (قلة) بشهادة الله حيث يقول: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، (سورة سبأ: 13) (1).
6- ومن الواضح والمعروف تاريخياً أن أكثر الصحابة لم يرتدوا عن الدين كعقيدة، ومارسوا أكثر العبادات كالصلاة والصيام والحج وغيرها؛ فالارتداد والإنقلاب إنما كان عن جانب هام وخطير يمثل عصب الدين وجوهره وقوامه، وهو طاعة الله بما قاله وطرحه رسوله المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله، في قضية الخلافة يوم الغدير الذي حين أنصب الإمام علياً، عليه السلام، ولياً وخليفة من بعده، وبايعه آلاف المسلمين ومنهم الصحابة المعروفون آنذاك. وقد جاء إعلان بيعة الغدير بعد أن نزلت آية هامة تأمر الرسول بأن يقوم بالإبلاغ عن تعيين الإمام علي ولياً وخليفة للمسلمين من بعده في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، (سورة المائدة: 67). وحين أتم الرسول الأكرم إبلاغ جماهير المسلمين المجتمعين في منطقة غدير خم بالأمر الإلهي، وذلك بعد رجوعه، صلى الله عليه وآله، من حجة الوداع نزل قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، (سورة المائدة: 3). وكلتا الآيتين تكشف عن أن ولاية وخلافة أمير المؤمين علي بن أبي طالب تمثل أهم حلقة وقضية في الدين الإسلامي. ولهذا كانت بيعة السقيفة وماجرى بعدها من تبوء أبي بكر وعمر وعثمان لسدة الحكم تمثل مخالفة وعصيان كبير لهذه القضية التي تمثل جوهر الدين واستمرارية خط القيادة على المنهج الرباني
وهذا العصيان هو ذات المعضلة والخطيئة التي سقط فيها إبليس حين رفض طاعة الله بالسجود لآدم لإصطدام هذه الطاعة بأهوائه وكبريائه. وهذا ما حدث للكثير من الصحابة الذين تكشف بعض الأحاديث النبوية الصحيحة التي سنوردها في الحلقة القادمة، عن حدوث زيغ وانحراف لديهم بعد إيمانهم، وستوضح لنا تلك الأحاديث عن قربهم للنبي، صلى الله عليه، وما كان يعانيه بسببهم، لمعرفته بحقيقتهم وهم الى جنبه!
7- من المؤسف أن معظم التفاسير مرت على هذه الآية مروراً سريعاً، بغير ما تستحقه من التأمل في معناها، ومَنْ هم المخاطبون بها. في حين حاول عدد آخر من المفسرين تحريف معنى الآية لتتحدث عن الارتداد الذي جرى من قبل بعض القبائل العربية بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله، وهو تحريف لا يمكن أن يثبت عند أدنى تأمل وبحث. فالآية تتحدث عن إنقلاب لمعظم المسلمين عدا القلة الشاكرة. بينما ما حدث من ارتداد لبعض قبائل العرب كان على العكس، إذ كانوا قلة بين المسلمين وبعضهم لم يرتد بل رفض دفع الزكاة(2). فدقة القرآن في تحديد الجهة المخاطبة بالآية تتضح لنا من جهتين، أنه وجه خطابه لمن حول الرسول وأنه استثنى قسماً منهم لاتباعهم الهدى.

  • الإنقلاب مستمر الى اليوم!

8- أكاد أجزم أنه ما زالت أكثرية الأمة تعيش الى الآن حالة الإنقلاب عن جوهر الدين وهي راضية بما حدث بعد وفاة الرسول من انقلاب على جوهر الدين، وأن الأقلية من الأمة هي الشاكرة عملياً لله والمسلّمة لحكمه، وهي الطائفة التي لا تزال على الحق. فواقع الأمة الذي عاشته بعد النبي، صلى الله عليه وآله، والى الآن هو حالة يرثى لها من سيطرة الطغاة والفاسدين والمنحرفين على الحكم، وتشتت المسلمين وتفرقهم وسيطرة العديد من الأمم عليهم، وكل ذلك هو بسبب رضا أكثرية الأمة بذلك الإنقلاب السيّئ على جوهر الدين وتأييدهم له.
والخلاصة الهامة لهذه الآية الكريمة؛ أن انقلاباً سيقع بعد رحيل الرسول يكون خلافاً لجوهر الدين ويمثل عودة خطيرة للأعقاب – الجاهلية -، إلا أن مسيرة الدين لن تتأثر بل ستمضي على يد الشاكرين وهم أهل البيت، عليهم السلام، ومن اتبعهم من المسلمين، وقد وقع كل ذلك بالفعل بالإعراض عن بيعة الغدير وإبعاد الإمام علي، عليه السلام، من منصب الخلافة مما أدى الى حرمان المسلمين بل البشرية كلها من مجئ أعظم وأعلم وأفضل ولي صالح عرفته البشرية الى موقع القيادة، وما جرى بعد ذلك من الهجوم على بيت الإمام علي، عليه السلام، وترويع الزهراء، عليها السلام، مما أدى الى ضربها وإسقاط جنينها المحسن والاستمرار في إيذاء البيت النبوي وبالأخص فاطمة الزهراء وهي بضعة رسول الله وسيدة نساء العالمين حتى ماتت شهيدة بعد مدة وجيزة من وفاة أبيها المصطفى، صلوات الله عليه وآله، وهي غاضبة على من آذاها واغتصب فدك منها وما جرى بعد ذلك من فظائع في زمن الدولتين الأموية والعباسية بحق أئمة أهل البيت، عليهم السلام، وبالأخص ما جرى من مصائب كربلاء الدامية للإمام الحسين، عليه السلام، وأهله وأصحابه، والتي لا مثيل لها.
————————————
(1)- تحدثت أكثر من آية أن القلة هم الشاكرون، وأن الأكثرية لا تلتزم بعهودها ولا تسير وفق إيمانها، راجع : سورة يونس: 26 و55 و60.
(2)- قالوا: «نحن لا ندفع زكاتنا بعده، صلى الله عليه وآله، إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته – دعاؤه – سكن لنا». تفسير ابن كثير/ ج‏2/ ص 354.