إضاءات تدبریة

الاستقلال الثقافي ضمان تقدم الامة

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. (سورة البقرة: 104-105).

الثقافة تعكس الهوية الحقيقية للمجتمعات والأمم. والكلمات والعبارات والمجاملات والآداب التي يتداولها الناس بكثرة فيما بينهم أو مع الآخرين تكشف حقيقة الثقافة. فالثقافة التي تنبع من معتقدات الأمم تتجلّى في التعاملات اليومية للناس، ومن أهمها الألفاظ والكلمات.

فمثلاً إذا سافرت الى بلد جديد ولاحظت أنَّ الناس هناك يتكلمون فيما بينهم بعبارات لطيفة ومؤدَّبة، ويتبادلون عبارات الاحترام والمودة والمحبة، تعرف أن هؤلاء الناس يتمتعون بثقافة رفيعة، تكمن وراءها عقيدة ايجابية تجاه الحياة والإنسان.

أما إذا كانت كلمات المجتمع مليئة بالسب والشتم وعبارات الإهانة والتحقير والتسقيط للآخرين، ويستخدمون الكلمات البذيئة والقبيحة، تعرف أن ثقافة هذا المجتمع ثقافة سلبية متخلفة متدنية وساقطة لا تستند الى فكر سليم ومعتقد ايجابي مناقبي بنّاء.

الإستقلال الثقافي، والتمسك بالأصالة، والإصرار على ما نملك من ايجابيات، كل ذلك يضمن لنا التقدم وبناء مجتمع مناقبي فاضل، يتعاون الأفراد فيه من أجل البناء والتقدم والرفاه

 

الآية الكريمة التي صدرنا بها المقال، وهي مقتضبة جداً تشير الى نموذج من الثقافة المتدنية لليهود. وفي نفس الوقت تنهى المسلمين من التأثر بهذه الثقافة واستيرادها في تعاملاتهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا، وَقُولُوا انْظُرْنَا، وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

كان اليهود – حسب بعض الروايات – يقولون لنبيهم: (راعنا) كلما جاءهم تكليف من الله وبرنامج عمل. والكلمة مشتقة من المراعاة أي الحفظ والمراقبة، ولكن اليهود كانوا يقصدون بذلك التنقيص من دور النبي والرسالة، وطلب التخفيف من الواجبات والتكاليف تهربا من العمل، وكانت الكلمة أشبه شيء بالسب والشتم عندهم.

وانتقلت الكلمة – حسب بعض المفسرين والحكايات التاريخية – الى ثقافة قريش، وكانوا باطلاقها يستهزؤون بالمصلحين والاولياء وبالأخص برسول الله، صلى الله عليه وآله المبعوث لهم برسالة متكاملة ذات برنامج سامٍ لبناء الحياة السعيدة.

فالآية تنهى المسلمين عن استخدام كلمة (راعنا) تجاه التكاليف والواجبات، اذ الكلمة تحمل ظلال الاستهزاء والسخرية أو التهرُّب من الالتزام والعمل بالوظائف.

وبالمقابل تأمر الآية بأن يقول المسلمون: (انْظُرْنَا) أي: امهلنا حتى نستعد للعمل بالواجب الذي نتلقاه من الله عبرك ايها الرسول. فتلاحظ أن ظلال هذه الكلمة ايجابية وهي تكشف عن عزم المسلم على العمل بالتكاليف وليس التهرّب من المسؤولية.

وايضاً تأمر الآية المسلمين بالسمع والطاعة للرسول: (وَاسْمَعُوا).

وعلى المسلمين أن يعرفوا بأن هناك فرق كبير بينهم وبين الكفار. إذ: (وللكافرين عذاب أليم) فينبغي الحذر من الوقوع في حبائل الثقافات الغريبة عن خلفياتنا ومعتقداتنا.

في كل الأحوال، ربما تدل الآية على ضرورة (الاستقلال الثقافي) للأمة، فلا يستخدموا كلمات اليهود، ولا عبارات مشركي قريش، ولا يقلدوا الكافرين في طلب تخفيف الأحكام والتهرَّب من السمع والطاعة للنبي صلى الله عليه وآله.

والآية التالية تدعم فكرة (الإستقلال الثقافي) إذ تقول: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

فالكفار لا يضمرون لنا الخير، ولا يريدون ولا يحبِّذون نزول الخير من الله لنا، فعلينا أن نشك في نواياهم حينما يقدمون لنا اقتراحاً، او برنامجاً، أو دستوراً أو قانوناً، وعلينا أن نفكر ألف مرة قبل أن نتبعهم ونقلدهم فيما يريدون منا.

وفي عصرنا الحاضر، تعتبر الشبكة العنكبوتية (الانترنت) بكل مفاصلها من الشبكات الاجتماعية، والمنصات، والبرامج، والاعلاميات الالكترونية وما شاكل، تعتبر تلك من ابرز مصاديق المجالات التي يحاول الكفار وأصحاب الثقافات المنحرفة والضالة التأثير السلبي والتخريبي من خلالها على المجتمعات المختلفة، وبالأخص الأمة الإسلامية.

علينا ان نكون حذرين في التعامل مع المجال الافتراضي وأن نميز بين الغثِّ والسمين، فنستفيد مما يتناسب مع ثقافتنا وفكرنا، ونتجنب ما يريد الاعداء فرضه علينا وتخريب ثقافتنا وعلاقاتنا وبرامج حياتنا.

الإستقلال الثقافي، والتمسك بالأصالة، والإصرار على ما نملك من ايجابيات، كل ذلك يضمن لنا التقدم وبناء مجتمع مناقبي فاضل، يتعاون الأفراد فيه من أجل البناء والتقدم والرفاه.

عن المؤلف

الشيخ صاحب الصادق

اترك تعليقا