حتى لا نبتعد عن معين العلم

0

العلم أعظم تشريف للانسان وأهم امتياز يحمله الفرد في محيطه الاجتماعي، فالجميع يحملون العقل الذي أودعه الله –تعالى- في نفوس خلقه، بيد أن الجميع ليسوا بالضرورة علماء، ولا حتى متعلمين على سبيل نجاة، كما جاء تصنيف أمير المؤمنين، عليه السلام، لذا نجد شريحة من المجتمع تجتهد لطلب العلم –بغض النظر عن الدوافع والغايات- وتقصده بكل الوسائل والسبل، معتمدين بالدرجة الاولى على نعمة العقل والجهد الذهني للانسان، بيد أن القرآن الكريم جاء ليبشر الانسان بعد مضي قرون متمادية من البحث عن مسارات العلم والمعرفة، أن ثمة ركيزة أخرى اساس الى جانب العقل لا غنى للانسان عنها وهي؛ الوحي، متمثلاً بما نزل على صدر الرسول الأكرم من آيات كريمة، ثم الاخبار والروايات المنقولة عنه، وعن أهل بيته، صلوات الله عليهم، وايضاً ما نزل على الانبياء من قبل، وقد أشار اليها القرآن الكريم بأنها {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}.

 

[ .. كما لقمان يؤتى الحكمة، فان أي انسان آخر، وفي أي زمان كان، بامكانه أن يتحصّل على هذه الحكمة الإلهية بشرطها وشروطها، من؛ تهذيب عالٍ للنفس، وايمان عميق لاتشوبه شائبة ..]

 

 

  • العقل ومسارات التعلّم

اجتهد العلماء والفلاسفة قديماً وحديثاً لتشييد البنية العقلانية للعلم، وأن لا منجز علمي دون تجربة عملية، و دون نتائج ملموسة، وقبل ان تنهض اوربا علمياً وتقنياً وصناعياً انطلاقاً من المذهب الديكارتي العقلي، كان المسلمون في القرون الاولى من تاريخ الاسلام قد سبقوهم في صياغة توجه ديني خاص يتعكز على العقل دون الوحي، وقد حمل المعتزلة لواء هذا “المذهب العقلي”، فكان لهم علماء يُعتد بهم، ولكن؛ ليسوا بالعلماء الذين يعتمدون على القرآن الكريم وما جاء به النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله كمنهج لطلب العلم والمعرفة، وإنما بما جادت به تصوراتهم الذهنية وتكهناتهم مثل؛ “خلق القرآن”، وأن لا وجود لشيء اسمه “كلام الله” الى نبيه الأكرم! وأن لا صفات حقيقية لله عزّوجلّ، مثل؛ الرزاق، والقهار، والمصور، وغيرها كثير.
مع ذلك فان القرآن الكريم رسم المسارات المؤدية الى العلم والتعلّم بما يوصل صاحبه الى مبتغاه بأقرب الطرق وأكثرها آماناً منها:

 

  • 1- التعليم

وقد أكد الاسلام على دور التعليم في البناء الحضاري، و وجوب التعلّم وطلب العلم “من المهد الى اللحد”، وفي نفس الوقت حدد الضوابط والأطر لضمان عدم الانحراف بالعلم الى ما يسبب الدمار للانسان؛ الفرد والمجتمع، كما هي الامثلة التي لا تُعد.
والى جانب التعليم في المدارس والجامعات والحوزات العلمية وغيرها من المراكزالتعليمية والاكاديمية، فان “الاستعلام” ايضاً يمثل طريقاً نحو طلب العلم من أهله، وقد عبر القرآن الكريم عنه بـ “الاستفتاء”، وقد جاءت هذه اللفظة في آيات عدّة بالقرآن الكريم، وهي “بالسؤال وطلب فيض من العلم، وبالذات في الاحكام الشرعية”.
وقبل ان يكون الاستفتاء لعالم الدين المتفقّه والمجتهد، يجب ان يكون لله –تعالى- فهو صاحب المشرّع الأساس: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهنّ}، وعندما تكون الحاجة الى علماء الدين المستوفين للشروط، فثمة معيار واضح للاستفتاء بأن يكونوا من أهل الذكر: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، وأن “لا يكون في دينه هوىً ولا رأي، ولا مقاييس، فقد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شيء”. (رسالة طويلة للإمام الصادق الى اصحابه).
وهذا يبين لنا حساسية أمر العلم والتعليم، والدقة المتوخاة في مصادره ومنابعه، فالعلم كلمات، واستماع، وفهم ثم تطبيقات على الواقع العملي، فان كانت المصادر من اصحاب المصالح الخاصة، والنوايا غير السليمة، والبعيدة عن القيم الانسانية والاخلاقية، فإن مخرجات هذا العلم، وفي أي مجال كان، ستكون من سنخها بالضرورة.

 

  • 2- التفكّر

هو جهد ذهني –انساني آخر يقرّه الاسلام ويحثّ عليه بشدّة لما فيه من إثارة دفائن العقول، وما وهبه الله –تعالى- للانسان من قدرات وامكانات من شأنها تطوير حياته على مر الزمان، وهو ما اكتشفه الغربيون في القرون الاخيرة، وما يسمى بعصر النهضة، بينما سبقهم المسلمون بنهضات علمية عديدة في فجر التاريخ الاسلامي، ولكن! للاسف غطّوا سبات عميق تزامناً مع نهضة الغربيين!
وقد أكد القرآن الكريم على أمر التفكّر في آيات عديدة، وجعلها سبيلاً للوصول الى الحقائق الكبرى، {الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض}، فاذا كان النظر والسمع يلتقطان علامات الحقيقة واياتها وآثارها، واذا كان التذكّر يستثر دفائن العقول ويبلور ركائز المعرفة في القلب، فان التفكّر –فيما يبدو لي- يقوم بتقليب المعلومات وعرضها على المعارف الفطرية وتكميل بعضها ببعض”.
هذا التفكّر بحاجة الى بوصلة نحو الاتجاه الصحيح، فالتفكر يمكن ان يأخذ مسارات وتوجهات عدّة، لذا حدد الامام الصادق، عليه السلام، المسار في جوابه على سؤال أحد اصحابه عن الحديث الشريف: “تفكر ساعة خير من قيام الليل”، بان كيف يتفكّر؟ قال: يمر بخربة اوبالدار فيقول: اين ساكنوك؟ أين بانوك؟ مالك لا تتلكمين؟!
وهذا مستوى عال من العلم والمعرفة بأحوال الماضين، وكيف كانوا يفكرون، وماذا صنعوا؟ وما كانت دوافعهم؟ فهم ذهبوا وفنوا، وبقيت آثارهم التي أرادوها وسيلة للسعادة والهناء في حياتهم، و”العالم مدرسة المؤمن، لا ينظر الى آية من آياته ويتفكر فيها حتى يبلغ ما وارئها من سنن وحِكم وعبر، فاذا به ينمي معارفه ويزكي نفسه، والتفكر ينير عند المؤمن التساؤلات التي يبحث لها عن اجابة”.

 

[ .. العلم أعظم تشريف للانسان وأهم امتياز يحمله الفرد في محيطه الاجتماعي، فالجميع يحملون العقل الذي أودعه الله –تعالى- في نفوس خلقه، بيد أن الجميع ليسوا بالضرورة علماء ..]

 

 

  • الوحي ينبوع لا ينضب للعلم

صحيح إن بامكان البشر التوصل لبعض الحقائق عن حياتهم الشخصية، وعن الطبيعة من حولهم، وحركة النجوم والفلك وغيرها، بيد أنها تبقى قاصرة ومحدودة بمحدودية عقل البشر انفسهم، لذا نجد التجديد، والتطوير، واحيانا كثيرة؛ التصويب والتصحيح لكثير من القواعد والقوانين، وهذا لا يعني –بأي حال من الاحوال- إلغاء الدور الانساني في طلب العلم والتعلّم مطلقاً، لان بالمحصلة النهائية، ينتهي كل شيء في الحياة الى الانسان وتسخيره للاشياء من حوله واستفادته منها بقدر ما يحيط به علماً ومعرفة بها، وهذا ما سنّه وشرّعه الخالق –عزّوجل-، إنما القضية في تذكير الانسان دائماً بأن {فوق كل ذي علم عليم}، وأن مصدر علمه الحقيقي ليس هو، بل الله –تعالى- ومن أوضح المصاديق على هذا ما يقدمه القرآن الكريم من أنباء الغيب عن الاقوام السابقة وكيف عاشوا؟ ولماذا أبيدوا؟ “ولولا الوحي لبقي البشر في ضلال بعيد”.

لذا نجد أن الانبياء والمرسلين والأوصياء كانوا يستقون علومهم من السماء، “فبالعلم يفضل الله الانبياء على كثير من عباده المؤمنين”، بما ينفع الناس ويحل مشاكلهم، ويلبي حاجاتهم في مختلف المجالات، حتى تلك الجزئية التي وردت في قصة نبي الله يعقوب مع أولاده، {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. (سورة يوسف،68)، وهنا نجد أن يعقوب نقل العلم الإلهي الى أولاده بأن يتجنبوا الدخول من باب واحدة “لاخفائهم من عيون الراصدين”.
وعندما نقرأ الآيات التي تذكر الكتاب نجد أن الحكمة تقترن بها في بعض الآيات، لأن “الكتاب والحكمة هو محتوى الرسالة العلمي” لدى الانبياء، فبعد “ان يتلو آيات الكتاب المجيد التي تذكر الانسان بربه ونعمه واسماءه، وتفتح عقله وإنارة قلبه، يزكي الرسول من استجاب، ويعلمهم الكتاب، وفيه شرائع الدين وأحكامه، ثم يعلمهم الحكمة، وفيها أصول العلم وبصائر المعرفة ومناهج الحياة”.

 

واذا كان للعلم قواعد ثابتة، فان الحكمة لها مسارات ثابتة ايضاً لمن أتاها، وليس لكل من سعى اليها وحاول اكتسابها مثل العلم والمعرفة، فالحكمة يختصّ بها الله –تعالى- نفراً من عباده لما فيهم من الشروط والمواصفات، {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}، وهي تتعلق بالحياة الانسانية، اكثر مما تتعلق بالاحكام الشرعية، وقد أتى الله الانبياء والمرسلين الحكمة، واحياناً الحُكم ايضاً، لتكون له اليد الطولى في حل مشاكل الناس ويتمكن من الاجابة على مختلف الاسئلة وما يستجد في حياتهم، وهذا ما دفع الكثير ممن يعد نفسه مميزاً من الناحية الذهنية بين الناس العاديين، بأن يجعل نفسه “حكيماً”، كما فعل الفلاسفة اليونان عندما فكروا وحللوا الظواهر الانسانية، والظواهر الطبيعية وخرجوا بنتائج معينة قالوا انها يمكن ان تفيد الناس في حياتهم، مثل اعتماد الانسان على المادة، وعلى المحسوسات لاصدار الحكم عليها، والاعتماد على قدراته الذاتية وحسب.

بالمقابل نلاحظ اشخاصاً لم يكونوا من الانبياء ولا الأوصياء، بل كانوا عباداً صالحين، فشملهم اللطف الإلهي بالحكمة كما أوتي لقمان، وصار لقمان الحكيم، ونزلت سورة باسمه تحمل مضامين تربوية وأخلاقية عالية كلها تشير الى أهمية الحكمة والالتزام بها، فهي تخفي الاسباب والعلل عن أعين القاصرين ممن لا يملكون القدرة على التبصّر بالاحكام واستشراف المستقبل وعواقب الأمور، وهي ليست منقصة –بالطبع- إنما هي مستويات الناس والبشر في كل زمان ومكان.

وكما لقمان يؤتى الحكمة، فان أي انسان آخر، وفي أي زمان كان، بامكانه أن يتحصّل على هذه الحكمة الإلهية بشرطها وشروطها، من؛ تهذيب عالٍ للنفس، وايمان عميق لاتشوبه شائبة، يبقى التفاعل والاستجابة من المحيط الاجتماعي، بل من الامة جمعاء حتى تستفيد من هذه الاضاءات والاستبصارات وتضمن حياتها بعيداً عن الازمات والمحن.

——————————————–

  • مقتبس من كتاب: التشريع الاسلامي، مناهجه ومقاصده؛ للمرجع المدرسي/ الجزء السادس