من أين يبدأ التغيير الحضاري؟

0

تُعرّف الحضارة؛ بأنها نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وتتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخُلقية، ومتابعة العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها وباختصار الحضارة هي الرقي والازدهار في جميع الميادين والمجالات.
وكثيرة هي التعاريف المتعددة، لكنها تعود الى منشأ واحد وهي رقي الانسان وخروجه من الحالة الهمجية، الى الحالة النظامية التي تضمن له العيش بسعادة، بعيداً عن الصراعات القبلية والعنصرية وغيرها..، والدول الغربية اليوم تمثل الحضارة الاقتصادية، والعملية والتكنلوجية..، لكنّ الحضارة القيمية والاخلاقية ربما تكون شبه منعدمة في تلك المجتمعات، وما يعانيه العنصر الاسود في الولايات المتحدة الامريكية، من انتهاكات، وتتميز عنصري مقيت، إلا شاهد على التشوه الخُلُقي لتلك الحضارة، والتي هي بحاجة الى عملية من الدرجة الكبرى لاستئصال الانانية، والعنصرية، والاخلاق الفاسدة.
في حين يرى الاسلام أن الحضارة لابد أن تكون متكاملة في شتى الجوانب، فكما انه يحث على اعمار الارض، في قوله الله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، ويضع المحفزات الكبيرة لذلك، وقد ورد عنه النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، انه قال: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له به صدقة”، فكما أن –الدين- أمر بعمارة الارض، فإنه في المقابل يضع اهتمامه الكبير لمن يبني هذه الارض ويعمرها، وإلا فأي فائدة ترجى أن تُبتى الارض وتُعمّر، وانسانها يعيش حالة الخراب والهدم.

 

[.. يرى الاسلام أن الحضارة قبل أن تكون مجرد تقنيات علمية متطورة، وموارد انتاجية كيبرة، قبل ذلك يجب أن تكون هناك قيم سامية ورفيعة، تكون محوراً لمقومات الحضارة المادية ..]

 

  • كيف يبني الاسلام حضارة متكاملة؟

يرى الاسلام أن الحضارة قبل أن تكون مجرد تقنيات علمية متطورة، وموارد انتاجية كيبرة، قبل ذلك يجب أن تكون هناك قيم سامية ورفيعة، تكون محوراً لمقومات الحضارة المادية، وأن توضع هذه القيم كأساس يقوم عليها البناء الحضاري، وإلا فأين الحضارة من النظام الامريكي والبريطاني والفرنسي الذي يبيع الاسلحة الفتاكة، والقنابل الذكية للنظام السعودي، والذي بدوره يقتل الاطفال الرضّع في اليمن بتلك الاسلحة الامريكية والبريطانية والفرنسية.
فهل القيم الاخلاقية والانسانية تقول: أن تشتغل مصانع الاسلحة على حساب قتل شعب أعزل يعيش أسوأ ازمة في العصر الحديث؟!

ومن هنا يرى سماحة السيد المرجع محمد تقي المدرسي( دام ظله)، في كتابه معالم الحضارة الاسلامية: “أن الحضارة هي الحضور؛ أي تفاعل الانسان، وتعاونه مع نظيره الإنسان، وهذا التفاعل والتعاون قائمان على أساس قانون؛ إذا التزم به الجميع فإن التعاون سيسير بانتظام وتصاعد؛ أما إذا لم يلتزموا به، فإن التعاون لا يلبث أن يتحوّل الى فوضى”.

 

[.. عن الإمام علي عليه السلام: “تنظّفوا بالماء من النتن الريح الذي يتأذى به، تعهدوا أنفسكم، فإن الله عز وجل يبغض من عباده القاذورة الذي يتأنف به من جلس إليه” ..]

 

 

  • مقومات الحضارة

مر فيما سبق أن الحضارة لابد أن تقوم على أساس متين يمثل قاعدة هرمية من القيم والاخلاق والمبادئ، وهي عبارة عن قوانين إذا التزم بها الناس، فإنهم على الطريق الصحيح للنباء الحضاري المنشود.
وبالعودة الى كتاب معالم الحضارة الاسلامية، لسماحة المرجع المدرسي، والذي يستعرض أهم المقومات والبنود للنباء الحضاري:

 

 

  • أولا: الالتزام بالقانون:

من أهم مقومات المجتمع الحضاري – في النظرة القرآنية- هي الالتزام بالقانون، وهذا الالتزام يشكّل حبلاً متينا بين افراد المجتمع، فالمعاملات التجارية، والالتزامات الحياتية إذا لم يكن فيها التزام من افراد المجتمع، فإن ثقة الناس ببعضهم تتزعزع.
يقول المرجع المدرسي بهذا الخصوص: “وهناك من العقود ما هو تجاري، وما هو اجتماعي، ونحن جميعا سمعنا بنظرية العقد الاجتماعي، التي تحاول أن تصوغ النظام السياسي للمجتمعات، فهي قائمة على فكرة أن الانسان حرٌّ ولكنه قادر على أن يربط نفسه بعقد فيكون ملتزما به، ولايجوز له أن يتحلّل منه، وتقرّر هذه النظرية أن السلطة السياسية تقوم على هذا الاساس؛ أي على أساس أن العلاقة بين افراد المجتمع والسلطة الحاكمة تقوم من خلال عقد سياسي.
وبناء على ذلك، فإن الركيزة الاولى للمجتمع المتحضر هي الالتزام بالعقود والمعاهدات كما يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}”.

 

 

  • ثانيا: اجتناب المحرمات

الركيزة الثانية هي مقومات الحضارة وفق -النظرة القرآنية- هي اجتناب المحرمات، فالعالَم اليوم يعيش في خضم الصراع مع الفايروس التاجي( كورونا)، يرجح بعض الاطباء والمختصين في علم الاوبئة والفايروسات أن بدايات هذا الفايروس المميت، جاءت من أكل الحشرات وبعض الحيوانات التي أدت الى هذا النوع من المرض، في الضفة المقابلة ترى تعاليم الدين الاسلامي تنهى عن أكل الخبائث من الاطعمة والأشربة، للحفاظ على صحة الانسان من الامراض.
كذلك الأمر في بقية المحرمات، فإن النصوص الدينية صريحة في تحريمها ومنعها، كالغش والربا التي ما إن تنتشر في مجتمع من المجتمعات، إلا وتُحيله الى مجتمع تنتشر فيه البطالة والكسل والخمول، التي تكون بالضد من النشاط والحركة، التي هي محور مهم في البناء الحضاري.
وكما أن الاسلام ينهى عن المحرمات، فإنه يضع للانسان البدائل، فيرشده الى الطيبات بمختلف انواعها، يقول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ}، وهناك قاعدة فقهيه تقول: ” كل شيء حلال حتى تعلم أنه حرام”، وعشرات الروايات جاءت لتحث الانسان على الطيبات، وتبعده عن الخبائث، في سبيل اسعاده ليعيش هانئاً صحيح الجسم والعقل.

 

 

  • ثالثا: الالتزام بالنظافة

تعد النظافة جزء ضروري في حياة الانسان، وطريقا الى صحة وسلامة الجسم من الامراض المختلفة، والنظافة تبدأ من الشخص ذاته، ثم تتموج الى المحيط من حوله، فمن البيت الى الشارع، الى المدرسة …، واليوم وفيما مضى جُعلت النظافة من المقاييس الضرورية في طريق البناء الحضاري، والنصوص الدينية أولت اهتماماً بالغا بهذا الجانب من الحياة الاجتماعية، إذ ربطت بين الالتزام بالنظافة الشخصية والاجتماعية بالسعادة النفسية والصحية، فقد ورد عن الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله: “إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة”.
وعن الإمام علي عليه السلام: “تنظّفوا بالماء من النتن الريح الذي يتأذى به، تعهدوا أنفسكم، فإن الله عز وجل يبغض من عباده القاذورة الذي يتأنف به من جلس إليه”
وهناك مئات الروايات التي تأمر بالنظافة على المستوى الشخص، او في المحيط من حولك، فعن تنظيف البيوت ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تبيتوا القمامة في بيوتكم وأخرجوها نهاراً، فإنها مقعد الشيطان”.