لنكن اوفياء لنهضة الامام الحسين، عليه السلام

0

تمضي القرون وتتصرم وتبقى عاشوراء حية تتجدد في ضمير الانسانية، وهذا التجدد لا يقتصر فحسب على كونه ذكرى لتلك المذبحة البشعة التي طالت سبط رسول الله واهل بيته وصحبه، عليهم السلام، وسبي مخدرات الرسالة، وانما يتعدى ذلك الى تجدد الشعور العميق بضرورة تحمل مسؤولية تلك النهضة واستمرارها والوفاء لها. ولهذا ترتفع اصوات الموالين على اختلاف مشاربهم بالهتاف لبيك داعي الله؛ استجابة لتلك الواعية ووفاءً لنهضة الامام الحسين، عليه السلام، غير اننا بامس الحاجة الى تحويل تلك الهتافات الى واقع ملموس؛ كي لا نكون كغيرنا «قلوبنا مع الامام وسيوفنا عليه» فكيف نكون اوفياء لنهضة سيد الشهداء؟؟!

 

  • تحمّل مسؤولية الاصلاح السياسي

 

رغم ان نهضة الامام الحسين، عليه السلام، ثورة شاملة لكل نواحي الحياة، الا ان سمتها البارزة كانت نهضة اصلاحية للنظام السياسي القائم، ولعل هذا مؤشر على اهمية الاصلاح في هذا الجانب بالذات، وقد اكد ذلك، الحديث الشريف الذي جعل اعظم الجهاد «كلمة حق عند سلطان جائر»؛ فالسلطة السياسية هي المتصرفة في كل الامور، واصلاحها يعني اصلاح تلك الامور مجتمعة. ان الوفاء للنهضة الحسينية لا يمكن ان يكون الا بتحمل مسؤولية الاصلاح للانظمة السياسية الفاسدة، ان رفض النظام الفاسد والرغبة في الاصلاح قد ينشآن في نفوس الكثيرين، ولكنهم لا يقومون بالاصلاح حتى تبادر القيادة بالاصلاح فيتفاعل الناس معها.

ان فلسفة بعث الانبياء وتنصيب الاوصياء وتحميلهم مسؤولية الاصلاح، لدليل واضح على ان مبادرة الاصلاح انما تقع على عاتق القيادات الربانية اولا وقبل اي شخص آخر، تتبعها القيادات الاجتماعية لانها عمق المجتمع والمعبرة عن معاناته، تليها القيادات السياسية والتي غالبا ما تكون هي المسؤول الاول عن الفساد والتخلف في المجتمعات، كما انها غالبا ما تكون ضد الحركة الاصلاحية التي تقودها القيادات الدينية والاجتماعية، ولكنها ومع ذلك مسؤولة عن اصلاح نفسها.

ثم يأتي دور ابناء الأمة، في تحمل مسؤوليتهم في الاستجابة لبرامج الإصلاح والتغيير وتطبيق آلياته وان يتحملوا تكاليف الاصلاح. حيث ان عملية الاصلاح غالبا ما يكون لها آثار صعبة على المجتمع في بداياتها. أما مجرد ترديد الشعارات والتمنيات، دون تحمل تكاليفه، فلن يغيّر من واقع الأمة شيئاً، لذا فان الجماهير لايمكن ان تفي للنهضة الحسينية دون تحمل مسؤوليتها في اصلاح النظام السياسي وتحمل تبعات تلك المسؤولية.

 

  • لا وفاء بدون العودة الى شريعة السماء

 

ان منهج الاصلاح الذي اراده الامام الحسين، عليه السلام، انما تمثل في السير على نهج كتاب الله وسنة نبيه وآل بيته الكرام.

ان ابتعاد الناس عن شريعة الله كمنهج لاصلاح امورها؛ ادى بها الى الضياع وفقدان الرؤية السليمة للاصلاح فاتبعت اهواءها فوضعت لنفسها اسسا وقواعد للاصلاح رافضة شريعة الله – تعالى – فاخذت تتخبط يمينا وشمالا فتسببت بالويلات والحروب والظلم الذي يعم العالم اليوم اذ يقول – تعالى -: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}، (سورة الروم: 41) فلا وفاء للنهضة الحسينية بدون اعتماد الشريعة كدستور للامة.

 

  • صون الكرامة الانسانية ابرز صور الوفاء

 

ان درس الكرامة الإنسانية الذي سطرته ملحمة عاشوراء الخالدة، أحد أهم هذه الدروس الحيّة التي تتفاعل في ضمير كل إنسان؛ فصوت الامام الحسين، عليه السلام، لايزال يهز كل ضمير: «…ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين‏ اثنتين‏، بين السلة والذلة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجورٌ طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»، وقوله: «هيهات منّا الذلة»، وقوله ايضاً في مكان آخر: «إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً»، ومن الكلمات التي ذكرت له، عليه السلام: «موت في عزّ خير من حياة في ذل».

ولكي نكون اوفياء للنهضة الحسينية فلابد لنا من صون الكرامة الانسانية من خلال:

1- العدل ونبذ الظلم

فقيمة العدل في تحقيق كرامة الانسان، اذ الظلم انتهاك لكرامة الإنسان؛ حيث يفقد الظالم شعوره بإنسانيته، ويفقد المظلوم كرامته.

2- حرية الانسان واختياره

إذ إن سلب حريته واختياره إنما يقوض كرامته ويمتهنها، حتى أن الله تعالى، الذي امر الانسان بعبادته وحده لا شريك له، بيّن له السبيل والصراط المستقيم، ثم أعطاه حرية الاختيار، وجعله مسؤولاً عن اختياره، ومحاسباً عليه.

3- المساواة

فقد بين القرآن الكريم أن البشر قد خلقوا جميعاً من ماء، ومن تراب؛ من صلصال؛ من حمأً مسنون؛ ومن نفس واحدة، وجعل منها زوجها من ذكر وأنثى، وحتى قادة البشر الأنبياء، عليهم السلام، إنما هم بشر، وإنما يفضِّلهم الوحي.

هذه البصيرة التي تمهد السبيل الى عولمة القيم المُثلى، وتكرّس الكرامة الإنسانية بأمثل ما تصبو اليه المبادئ الأخلاقية، لهي ركيزة أساسية من ركائز التشريعات الاسلامية؛ وفي ذات الوقت حجر الزاوية فيما يتصل بالنظام الأخلاقي في الإسلام، حيث تقتلع جذور الفخر والكبر والحمية الجاهلية.

4- تربية الطفل على الكرامة

فالكرامة لا تأتي بوصفة سريعة، وإنما هي بناء تربوي يمتد على زمن طويل، يبدأ مع الانسان من أولى لحظات حياته، واهم ما يغرسها في نفس الانسان هو التربية الكريمة، من لحظة تكونه في رحم أمه، وحتى اكتمال نضجه، وهنا يتحمل الوالدان المسؤولية العظمى في هذه النشأة المكرمة التي أرادها الله – تعالى – للإنسان، والقائمة أولا؛ على تربيته على الهداية الى توحيد الله – تعالى -، والتي هي جوهر الكرامة الإنسانية، وايضاً، عدم امتهان كرامته في التعامل معه أثناء هذه النشأة؛ وهذا ما يحتاج منهما الى أن يتعلما منهج التربية الاسلامية الصحيحة، والاستفادة من معطيات العلم الحديث في ذلك.

5- حفظ كرامة المرأة

فالطفل اكثر ما يكون الى جانب الأم؛ فالاهتمام بالأم وتربيتها كبنت كريمة، ومعاملتها كزوجة كريمة، أنما هو الأساس في التربية، بينما نشهد اليوم أن المرأة تعامل في طفولتها كما هو حال الابن (الذكر)، معاملة قائمة على التعسف والاحتقار في البيت، وكذا المدرسة وحتى في الجامعة، ومن ثم تنتقل الى بيت الزوج لتجد فيه هو الآخر أشكال المهانة والاحتقار، وللأسف الشديد فان نسبة لا بأس بها من نساء مجتمعاتنا تعيش هذا الواقع المرير، وبعد كل هذا؛ لا أدري كيف يمكن لأم، بهذه المواصفات أن تغرس الكرامة الإنسانية في نفوس أولادها؟!

6- الإعلام وامتهان الكرامة الإنسانية

إن المتمعن بإعلام المسلمين الرسمي وغير الرسمي، وطريقة تعاطيه مع بناء الانسان المسلم يصاب بالذهول؛ فليس فيها من برامج بناء الانسان والكرامة الإنسانية إلا النادر؛ فما دامت الكرامة الإنسانية مبنية على توحيد الله تعالى، فأين إعلامنا عن هذا؟! والغالبية العظمى من الفضائيات العربية، إنما تبث الفجور والفسوق ولا شيء غيره! فأين اهتمام هذه الفضائيات بما يعانيه المسلمون اليوم من امتهان كرامتهم وهي تبث الأفلام والأغاني التي تكرس امتهان الكرامة الإنسانية؟! والبعض الآخر يدعو الى سلطان لا يمتّ للإنسانية بصلة، او مذهب يستبيح قتل الآمنين وانتهاك أعراضهم وكرامتهم! والوفاء لهذه النهضة يتطلب مقاومة هذا الاعلام اولا وبناء اعلام حسيني قوي.

 

  • القضاء على ثقافة المادة

 

لعل احد اهم اسباب الجريمة البشعة بحق بيت النبوة هو عبادة الامة للمادة، التي ابعدت كبار قيادات الامة الاجتماعية والسياسية عن طريق الحق، وجعلت حتى صغار القوم يتدافعون على قتل سيد الشهداء من اجل حفنة حقيرة من المال.

ان عبادة المادة ثقافة خطيرة يهدد انتشارها كيان المجتمع بشكل خطير، ومع شديد الاسف فاننا نلاحظ عودة ثقافة المادة وبشكل بارز في اوساط مجتمعاتنا الاسلامية، وفي الحقيقة لايمكن لاحد منا ان يدعي نصرته لنهضة الامام الحسين في الوقت الذي هو متلبس بهذه الثقافة الجاهلية الشيطانية التي تعد احد اهم مداخل الشيطان؛ لذلك يتوجب على كل موالٍ يدعي وفاءه للنهضة الحسينية ان يراجع نفسه مرارا وتكرارا حينما يفرض مهرا مرتفعا لابنته، او عندما يزوجها للغني عديم الدين، مع رفضه تزويج المتدين الفقير، وكذلك السياسي الذي يسرق قوت الناس ويتلاعب بعقود المناقصات لمشاريع الدولة، او ذلك المقاول الذي لا ينجز المشاريع على النحو الصحيح في سبيل تحقيق ارباح اكبر، او ذلك الموظف الذي لايقوم باداء واجبه على الوجه الاكمل، فالوفاء للنهضة الحسينية انما تعني النهضة العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصناعية على يد الجميع.

 

  • دعم الشعائر الحسينية أجلى صور الوفاء

 

تمثل الشعائر الحسينية المحرك الابرز على الاطلاق في ديمومة النهضة الحسينية واستمراريتها؛ فهي تمثل قالب ومظهر تلك النهضة بل وقاعدة وارضية إنبات قيمها؛ لذلك فان الوفاء للنهضة الحسينية لا ينفك ابدا عن دعم الشعائر الحسينية بكل قوة واصرار.

وهنا لابد من الاشارة الى الاصوات السلبية التي ترتفع هنا وهناك منتقدة أولئك الاشخاص الذين دفعهم حب اولياء الله – تعالى – الى زيارتهم، في لحظة صحوة ونقطة تحول الى الهداية الالهية، داعية اياهم الى تركها بدعوى أولوية الالتزام بالفرائض والقيم الاخلاقية بشكل كامل قبل المشاركة بالشعائر الحسينية، وفي الحقيقة فانها دعوى شيطانية بامتياز، إذ الموقف المطلوب من هذه الاصوات هو جعل هذه الزيارة مرتكزاً ومنطلقاً لتشجيع هؤلاء الاشخاص للاستمرار بالزيارة أولا؛ ثم جعلها منطلقا ومعراجا للهداية الربانية بخطاب ايجابي ثانيا، بدل صدهم عن سبب هذه الهداية؛ فلا يزكي الأنفس الا الله – تعالى -.

 

  • لماذا الطعن بالشعائر؟!

 

على مر الازمان، طال الطعن كل ماهو حق وحقيقة من رسالات وانبياء وتشريعات، ويرجع ذلك الى عدة اسباب؛ منها ماهو ناتج عن الجهل، فالناس اعداء ما جهلوا، فجهل الانسان بفلسفة هذه الشعائر ومنها الزيارات، يجعلهم ينظرون اليها بصورة سطحية وقشرية، بعيدا عن غاياتها وجوهرها، والتي شُرعت لأجلها؛ فاصبح لا يرى من السعي بين الصفا والمروة إلا الذهاب والإياب، ومن الطواف، إلا الدوران، ولا يرى من الزيارة إلا الوقوف أمام المراقد المشرفة. وقد صيّر البعض نفسهم عقليات اقتصادية عملاقة، فأجروا حساباً لتكاليف هذه الزيارات، وقالوا انها تكلف البلاد والعباد المليارات! ونسوا ان الرازق هو الله، وهو الذي دعانا اليها، ووضع لذلك اجرا عظيما، بل جعلها احدى ابواب الرزق. وفي جانب آخر تحول اشخاص الى عمالقة اداريين، فقالوا: ان الزيارات المليونية تعطل مصالح الناس، وتؤخر اعمال الدولة، وهو يعلم ان دوائرنا الحكومية لا تنجز في عامها كله ما تنجزه نظيراتها اليابانية في اسبوع، فترى ذلك المنتقد يقضي حياته كلها كسلاً وتهرباً عن العمل، وفي ايام الزيارات يبحث عن الإنجاز! ولو دقق الانسان في هذا الرفض لوجد ان لديه جذوراً نفسية ومشكلة تجاه شعيرة الله – تعالى – وكم هو يحتاج الى علاج لمشكلته النفسية، كما انه ينسى ان هذه الشعيرة لو استثمرت بالشكل الصحيح، فانها تمثل منهجاً لتحقيق الانجازات الكبرى، علاوة على انها منهج للاصلاح الحقيقي، ليس للشيعة فقط، وانما للبشرية جمعاء.

ان الوفاء للنهضة الحسينية يتطلب منا جميعا تحمل مسؤولية احياء القيم التي قام لاجلها سيد شباب الجنة، ووضعها موضع التطبيق في حياتنا العملية من رجالات دين، او رجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد ومثقفين وحكومات واعلام اوعامة الناس.

ان الامام الحسين، عليه السلام، لم يكتفِ بالكلام وانما ضحى بكل شيء في سبيل هذه النهضة، ولم يترك، عليه السلام، واهل بيته واصحابه لاحد منا عذرا للتقاعس عن نصرتها مهما تقدم الزمن وتغيرت الظروف.