مآلات الأمة في أحاديث النبي الأعظم (2)

إتباع سنن اليهود والنصارى

0

ذكرنا في المقال السابق، حول نبوءات النبي، صلى الله عليه وآله، عن ما سيقع لأمته بسبب ابتعادها عن الصراط المستقيم المتمثل في قيادة وولاية أئمة أهل البيت، عليهم السلام، وأن النبوءات هذه إنما جاءت لتحذير الأمة كي تبتعد ما استطاعت عن هذه المآلات السيئة والخطيرة، وأن الارتباط بمنهج أهل البيت، عليهم السلام، وحده يمثل حبل النجاة وسفينة النجاة حيث ذكر، سلام الله عليه، أن «أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى وغرق». وهنا نذكر الحديث الثاني من أحاديث النبي عن مآلات الأمة قال، صلى الله عليه وآله: «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ: فَمَنْ»؟(1).
وفي رواية أخرى، يقول، صلّى الله عليه وآله وسلّم، مفسّراً قوله تعالى: {لَتَركَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} «حالاً بعد حال، لتركبنَّ سُنّة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقُذّة بالقُذّة، لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ، شبر بشبر، وذراع بذراع ، وباع بباع، حتى إنّه لو كان مَن قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى تعني يا رسول الله ؟ قال، صلّى الله عليه وآله وسلّم: فمن أعني؟(2).
(حذو النعل بالنعل والقُذّة بالقُذّة) مثل يُضرب للشيئين يستويان ولا يتفاوتان؛ والقُذّة: ريشة الطائر كالنسر والصقر.
وهذا الحديث الشريف هو الآخر، يحمل مضامين خطيرة جداً، فقد ذكر الله – سبحانه – في القرآن الكريم الكثير عن اليهود والنصارى وما عملوه مع أنبيائهم وكيف كانوا يقتلون الأنبياء ويؤذونهم وكيف حرفوا التوارة وما قالوه من عظيم القول المنكر في وصفهم الله – سبحانه -، كما في قولهم {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، (سورة المائدة: 64). ونحاول أن نتأمل في بعض معاني هذا الحديث الشريف والمهم والمتصل بواقعنا:
1- يؤكد الرسول، صلى الله عليه وآله، على كلامه بأمرين لفظيين في كلمة (لَتَتّبِعُنّ)، هما؛ اللام في أولها، والنون في آخرها، ان أمته – ولعل صحابته بالذات، لكونه يخاطبهم – ستتبع سنن السابقين من اليهود والنصارى.
2- إن اتباع أمته أو صحابته لليهود والنصارى سيكون إتباعاً دقيقاً جداً، ويوصف اتباع أصحابه بأنه مساو تماماً لما حدث في تلك الأمتين، فلو كان عصيانهما بمسافة شبر أو ذراع، فإن انحراف أصحابه سيكون مثلهم، وهو كناية عن أن أصحابه وأتباعهم من أمته بالتبع سيسيرون على ذات المنهجية والطريقة التي حدثت في الأمتين السابقتين. ويأتي بمثل لو أنهم دخلوا في جحر ضب لأتبعهم صحابته ومن سيليهم، وجحر الضب صغير ونتن الرائحة مما يوحي في المعنى أن فقدان الهدف الصحيح و اتباع الأهواء ينزلق بهم الى المهاوي الضيقة ذات النتائج السيئة في الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي كما هو حال الأمة في أزمنتها المختلفة.
3- يؤكد الرسول الاكرم، بالتخصيص بعد الإجمال، ان قصده من سنن السابقين هم اليهود والنصارى؛ فعلينا إذن التمهل والتفكر في ما حدث من أزمات مرت بها أمتنا، وسنجد أن ذات تلك الأزمات قد وقعت فيها الأمتان السابقتان. وفي تصوري أن منهجية الإنحراف وطريقته هي من أعمال إبليس الذي سوّل للسابقين من الأمتين ما سيجعل ذات الأمر يقع في أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله.
ويهمنا في هذا الحديث الشريف أن نتعرف ولو على بعض أزمات بني إسرائيل ونربطها بما حدث في الأمة الإسلامية، ومن تلك الأزمات؛ أن بني إسرائيل حين ذهب نبيهم موسى بن عمران ليتلقى الوحي الإلهي ونزول التوارة، جعل عليهم قائداً هو أخوه هارون، إلا أنهم بدل أن يطيعوه ويأخذوا بتوجيهاته، اتبعوا السامري الذي استطاع أن يوجههم باتجاه الماديات، فقام بصنع إله لهم من ذهب وهو العجل.
وهذا ما حدث في أمة النبي محمد، صلى الله عليه وآله، بعد وفاته، حيث ابتعدوا عن القائد والولي الشرعي الذي أمرهم النبي باتباعه وهو الإمام علي، عليه السلام، وبدلاً من ذلك اتبعوا ما أفرزته سقيفة بني ساعدة والتي أتت بحاكم لم يكن بمستوى علمي ومعرفي وسلوكي وجهادي يؤهله لقيادة أمة عظمى بناها الرسول، صلى الله عليه وآله، ثم أتى من بعده الثاني والثالث الى الحكم فساقا الأمة الى مزيد من التعثر والتخبط، وسيطرة المفسدين على الأمة، فكان من ذلك تمكينهما للأمويين للإستيلاء على مقاليد الحكم وهم من أشد أعداء الإسلام، وهم الشجرة الملعونة في القرآن، وهم من الذين لم يسلموا بل استسلموا كما قال الإمام علي، عليه السلام، فقد كانوا يكيدون للأمة ويفكرون في الانقضاض عليها، كما قال أبو سفيان – وكان مكفوفاً – لعثمان وجماعة من بني أمية: «تلقّفوها يا بني أميّة تلقّف الكرة فما من جنّة ولا نار»(3)، وقد حصل ذلك لهم بتولي معاوية على مقاليد حكم المسلمين وهو أبعد ما يكون عن الدين إيماناً وعقيدة وأخلاقاً، ثم توالت المصائب على الأمة بشكل واسع وعظيم الى عصرنا هذا.
ومن تلك السنن التي حدثت في أمة اليهود، هو التيه الذي حصل لهم في سيناء، حين رفضوا الجهاد في سبيل الله بفتح أريحا التي كتبها الله لهم. لنحاول هنا أن نقرأ بتأمل ما حدث لهم كما جاء في سورة المائدة: {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}.
إن رفض بني إسرائيل لأمر النبي موسى، والشعور الذي انتاب هذا النبي العظيم بعد رفض أمره، حتى شعر أنه لا يملك الا نفسه وأخاه، ثم ما أدى ذلك الى أن يفرق بينه وبين من عصوه، فمات النبيان موسى وهارون، عليهما السلام، وفي قلبيهما حسرة مما آلى إليه وضع اليهود الذين أنعم الله عليهم بنعم كثيرة لا تحصى، فعاقبهم الله تعالى بالتيه أربعين عاماً. وذات الأمر حدث للنبي محمد، صلى الله عليه وآله، حين طلب من المسلمين أن ينفذوا جيش إسامة وأن يشارك فيه أبوبكر وعمر وبقية الصحابة إلا من استبقاهم الرسول في المدينة وفي مقدمتهم وصيه علي بن أبي طالب، إلا أن الكثير ممن طمعوا في الخلافة لم ينفذوا أمره، وبقوا في المدينة بحجة مرض النبي، صلى الله عليه وآله، حتى أن الرسول لعن من تخلف عن جيش إسامة(4). وإذا عرفنا أن الرسول في حالة مرض شديد، فكم يكون مقدار وتأثير الأذى الذي سببه عناد ورفض بعض أصحابه لعدم التحاقهم بجيش إسامة حتى يضطر الى لعن من يتخلف عنه، وإيذاء الرسول مما يلحق عواقب شديدة في الدنيا والآخرة. فالله – سبحانه تعالى – أنزل أكثر من آية حول خطورة وعواقب آيذاء النبي، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}، (سورة الأحزاب: 57).
إلا أن الأمر لم يتوقف على هذا الأذى، بل زادوا عليه أذى أعظم في الساعات الأخيرة لرسول الله، صلى الله عليه وآله؛ فحين طلب من صحابته الذين جاءوا لعيادته أن يأتوه بدواة وقلم ليكتب لهم وصية لن يضلوا بعده أبداً، هنا وقع بعضهم في حرج شديد، لعلمهم أن الوصية ستؤكد مضمون بيعة الغدير العظيمة وهي خلاف ما يضمرونه من السيطرة على الحكم بعد وفاة الرسول، فكان ان قال عمر بن الخطاب قولاً تعدى فيه كل الحدود، فرفض أن يتم تنفيذ ما طلبه الرسول، بل وأعقب بالقول: «حسبنا كتاب الله، إن نبيكم ليهجر»، وهي كلمة تحمل إتهاماً خطيراً جداً لأعظم خلق الله بأنه يهذي خلافاً منه لكتاب الله الذي قال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}، (سورة النجم: 3).
فتنازع القوم، بين من يريد أن يأتي للنبي بما طلب، وبين عمر الذي فرض رأيه، -فيما عرف برزية الخميس التي أخفى أكثر علماء المسلمين أمرها – فتأذى الرسول محمد، صلى الله عليه وآله، وطلب منهم أن يغادروا منزله وأبقى علياً وأهل البيت، عليهم السلام.
وبهذا التعدي على مقام النبي في ظل وجوده، ثم عدم التقيد بأوامره بعد رحيله دخلت الأمة في التيه الأول مدة 25 عاماً حتى جاء الإمام علي، عليه السلام، الى الحكم وقد تغير وضع الأمة وأصابها الضعف والهوان النفسي، فلم تتحرك بما ينبغي، فعصت أمره بقتال معاوية تكاسلاً ورغبة في الدنيا، هنا أيضاً طلب الإمام علي أن يفرق بينه وبين الأمة بموته، وجاءت شهادته لتبدأ الأمة بعد الإمام علي تيهاً طويلاً لا يزال الى الآن.
إن معصية الرسول ليست بالأمر الهين، خاصة في موضوع كبير وخطير وأساسي، كموضوع قيادة الأمة ومن يتولى دفتها ويوجهها ويأخذ بها. إن خطورة هذه المعصية هي بقدر تأثيرها العام الذي استمر قروناً متطاولة وبحجم يكون تأثيرها سلبياً على الأمة كلها، وعلى مسيرة الإسلام ككل، فإن المعصية حينئذ تكون في غاية الخطورة والعواقب في الدنيا وفي الحياة الآخرة.
————————————

(1)- صحيح مسلم/ باب اتباع سنن اليهود والنصارى
(2)- بحار الأنوار/ للمجلسي/ ٢٨ : ٨٠ / ١١/ باب ١ كتاب الفتن والمحن. والآية من سورة الانشقاق ٤ : ١٩.
(3)- أنساب الأشراف 5 / 19. مروج الذهب 2 / 343.
(4)- الملل والنحل/ (ط دار المعرفة) ج 1/ ص 23/ و(بهامش الفصل لابن حزم)/ ج1 ص 20.