واقع التعليم في العراق ووضع النقاط على الحروف

1

الكثير منا يبحث دائما عن النقاط، ليضعها على الحروف!
فمن السهل ـ في الظاهر ـ تشخيص المشاكل، فلو تجلس إلى أحدهم فتسأله عن أي قضية، ستجده يسرد بإسهاب مجموعة كبيرة من الإنتقادات والمآخذ ويوصّف لك المشاكل، إلا أن السؤال الذي لا تجد له إجابة عنده في الغالب هو: ما الحل؟
الواقع أن تشخيص المشكلة لا يقل أهمية عن وضع الحلول لها، لكن الطامة في المشاكل الواضحة البيّنة، التي لا يحتاج تشخيصها إلى الكثير من الجهد والعناء، وإنما تحتاج إلى وضع الحلول والمضي قدماً لـ»وضع النقاط على الحروف»، خصوصا إذا كان الكلام عن النقاط والحروف نفسها، أعني الكلام عن التعليم.
فالجميع يتحدث عن تقهقر الواقع التعليمي في العراق، وهو أمر مؤسف خصوصا ونحن ننعم بالحرية الكافية لتطوير المناهج الدراسية والأساليب التعليمية، في ظل تقدم التكنلوجيا الحديثة في الجانب التعليمي، والإمكانيات الكبيرة التي ينعم بها العراق بفضل الطاقات البشرية الكبيرة، والخيرات التي أنعم الله بها على هذا البلد، فأين يكمن الخلل؟ وما هي الحلول؟ أليس المستقبل المشرق هو نتاج واقع تعليمي متميز؟

  • تابو الطائفية، سلاحٌ بيد البعض

حينما يكون الحديث عن العلم، فلابد من الإستماع، ذلك أن الإستماع ـ التي تشمل كل أساليب الإطلاع من القراءة والمشاهدة والتجربة والإستماع ـ هي أولى مراحل التعلم، وكما يقول ربنا سبحانه وتعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ…}، (سورة الزمر: 17)، إلا أن هذا الأمر البديهي قد حوّله البعض في عراق بعد السقوط، إلى تابو بإسم الطائفية، فما أن يطالب الأكثرية في العراق بوضع المناهج التعليمية الدينية وفقا لما يعتقدون، حتى تتعالى الأصوات من كل حدب وصوب بأن هذه دعوة طائفية، والغريب أن مئات السنين من الإكراه في تعليم المناهج المخالفة للمعتقد لم يكن من الطائفية في شيء!
ولأننا في صدد وضع النقاط على بعض الحروف، نقول: إن من الخطأ جداً تمييع وتحريف مواد العلوم الدينية وتدريسها على أساس أنها مادة «توافقية» فليس العلم ساحة المعترك السياسي لنكتب كتاباً «توافقياً» يرضي جميع الأطراف، كما تتشكل الحكومات في البلد وللأسف الشديد.
بل من الأفضل ـ إن أردنا أن يكون المعتقد الصحيح هو السائد ـ أن يتم وضع منهج الدين بحسب المعتقد، وتكتب في ذلك كتب متعددة فهذه دول مثل؛ عُمان وإيران نموذجان إسلاميان رائدان في هذا المجال، بل وأكثر من ذلك؛ فإن المدارس الكاثوليكية المنتشرة في دول العالم، تنتهج هذا النهج فلو دخل فيها طالب واحد من دين آخر فإنهم يطلبون منه الدراسة والإمتحان وفقاً لمعتقده، ولعمري إن «السعيد من انتفع بتجارب غيره».
ثم إن الغريب في أمر المناهج، أن الحديث عن منهج تدريس اللغات يرجع فيه إلى أهل الإختصاص في اللغة، وفي الرياضيات والفيزياء والكيمياء إلى العلماء والخبراء في ذلك المجال، إلا أن الرجوع إلى أهل الإختصاص في الدين، أمر محظور!

  • الفهم أم الحفظ

قديماً كانت الدراسة الأكاديمية ترتكز على الحفظ، فحتى جداول الضرب كان على الطالب حفظها، فما أن يدخل الطالب المدرسة، إلا ويجد أمامه آلاف المعلومات التي يجب عليه أن يحفظها، ولذلك فإن الطالب المتميز كان هو الأكثر حفظاً.
في الوقت نفسه كانت الحوزات العلمية تنتهج منهجاً مختلفاً تماماً، فلا إمتحانات ولا مراحل دراسية، بل ولا تركيز على الحفظ أبداً إلا في الأمور التي يرغب الطالب بحفظها كالقرآن الكريم والأحاديث والنصوص الشريفة، فعلى العكس من التعليم الأكاديمي كان الطالب في الحوازت العلمية مطالباً بالفهم، فإن البناء العلمي كالبناء الانشائي يرتكز بعضه على بعض.
ويقوم هذا النموذج على أساس الإتقان وليس على أساس نسبية التعليم، فلا يتجاوز طالب مرحلة معينة إلا وهو قادر على أن يكون استاذا لما تعلمه ويدرس غيره، ومن هنا فإن الأستاذ في الحوزة العلمية في الغالب كان يدرس المادة الواحدة مرة أو مرتين لينتقل لتدريس المواد الأخرى، وهكذا يتدرج ويأتي طلابه ليحلوا محله وهكذا.
وقد انتقل بعضٌ من هذا النموذج إلى المناهج العلمية في الأكاديميات في العالم فتغيّر اسلوب التعليم ليرتكز هو الآخر على الفهم بدل الحفظ، ثم انتقل من المناهج العلمية إلى سائر العلوم أيضاً فأصبح الطالب يمتحن وهو في داره وعنده الكتب والملازم، فلا يطلب منه الإجابة على أسئلة معينة بقدر ما يطلب منه البحث عن الإجابة الصحيحة وهكذا ينمو فهمه ويستطيع إدراك العلوم المختلفة، وبطبيعة الحال سيكون حافظا للمعلومات بصورة إجمالية.
ومع الأسف الشديد نجد أن التقهقر الذي أصاب واقعنا التعليمي، يعود الى هذا الجانب، فصارت المدارس ـ بل وحتى الجامعات ـ تركز على الحفظ فالطالب المتميز هو الذي يحفظ المعلومات بحيث لو غيّر الاستاذ أرقام المعادلة الرياضية في سؤال معين، سيقف الطالب عاجزاً عن الإجابة؛ وهذه كارثة كبرى!

  • مسؤولية الجميع والسؤال المحوري:

على من تقع هذه المسؤولية؟
وقبل الإجابة عن السؤال، لابد من بيان أن المستقبل الواعد مرهون ببذل المزيد من الجهد في هذه المرحلة، فإن نشأة جيل من المفكرين والأطباء والمهندسين الحاذقين، الذين لا يستفيدون من التقدم العلمي فحسب، بل يكونون ممن يثري التطور العلمي في حقله، كل ذلك رهين تطوير كبير في واقع التعليم.
ومن هنا فإن هذه المسؤولية تقع على عاتق الجميع، خصوصاً ونحن نعلم أن التعليم أمر لا ينفك عن التربية التي تعد هي الأخرى بمثابة الأرضية الأساسية للبناء العلمي، والذي يشترك في وضعها الاسرة والكادر التعليمي والمؤسسة الدينية، التي قادت لفترة طويلة زمام الأمور في تربية الأجيال في مختلف الظروف، مع استقلالها في المنهج والأسلوب، هي قادرة للمشاركة اليوم ـ وبقوة ـ في وضع ملامح مستقبل تربوي وتعليمي واعد.
والذي أراه أن العراق يمكنه الإرتقاء بواقعه التعليمي في فترة وجيزة لما يمتكله من إمكانيات وفرص، فالحرية والإنفتاح من جهة، ووجود مراكز المؤسسة الدينية فيه من جهة أخرى، مع وجود جيل شاب وطموح؛ بهذه الثلاث يمكنه أن يصنع واقعاً مختلفاً شريطة أن ترسم ملامح المستقبل التعليمي في خارطة طريق عشرينية، كما هو المعهود في كثير من الدول المتقدمة، فبالإنفتاح والحرية ننفتح على التجارب الرائدة وتقوم مؤسسات المجتمع المدني بطرح مشاريع تنموية في أساليب التعليم، وتقوم المؤسسة الدينية بوضع المناهج التربوية ورسم معالم الثقافة التعليمية السليمة، بناء الجيل الواعد.