في ظهيرة اليوم العاشر من المحرم سنة 61 وقعت جريمة مروعة غير مسبوقة ولا تأتي مثلها الى يوم القيامة، أدمت قلب رسول الله، وامير المؤمنين، والصديقة الطاهرة، وأبكت ملائكة السماء وأهل الأرض، وما يزالون، فقد اجتمعت كل اشكال القسوة والغلظة وموت الضمير والعقيدة والإيمان لتخلق مشاهد مفجعة؛ من حظر الماء ومحاربة الامام الحسين وأهل بيته واصحابه بالعطش، ثم قتل الرضيع العطشان، وقتل الامام الحسين واخيه ابي الفضل العباس واهل بيته واصحابه، وحرق الخيام وانتهاك حرمة رسول الله بالهجوم على النساء وضربهن بالسياط وسبيهنّ الى قصور طغاة بني أمية.
هذه المشاهد العاطفية التي لا تترك لكل ذي قلب سليم وضمير حيّ مجالاً إلا أن يتفاعل بالبكاء وكل اشكال التأسّي بما نراه في الشارع اليوم، سبقتها مشاهد عقلانية خلقها الامام الحسين، عليه السلام، بنفسه وهو واقفٌ على قدميه أمام جيش الضلالة، وهو يؤدي دوره الرسالي بالإصلاح في أمة جدّه من خلال الحجج والبراهين لثنيهم عن المضي في غيهم، وارتكاب جريمة قتله.
إن المظلومية خلقها الأمويون، ولكن مقارعة الظلم خلقه الامام الحسين، عليه السلام، وقد أكد العلماء والمفكرون والباحثون على أن الامام لم يكن ليخلق مآسي العطش، وقلّة الناصر، ولم يُرد لأهل الكوفة التخاذل والازدواجية والنفاق وأن يكونوا من أهل النار قطعاً، بقدر ما كانت مهمته إحياء الضمائر، ومخاطبة العقول ليتخذوا القرار الصحّ، وكانت ثمرة جهوده هذه؛ شخصٌ واحد من بين ثلاثين الف مقاتل، ولكن هذا الشخص الواحد اليوم يُعد في معيار الحضارة أمة بأسرها، وهو اليوم كذلك، نجده في أدمغة المحللين والباحثين، وفي قلوب المحبين والاحرار ممن يبحثون عن المنهج السليم للتفكير.
اقترب الحر من عمر بن سعد، وكان أحد قادة الجيش الأموي، ليسأل القائد الأعلى عن “أ مقاتلٌ أنت هذا الرجل”؟! أجاب: “بلى؛ قتالٌ أيسره ان تطيح الرؤوس والأيدي”! وهنا كانت الانعطافة الفكرية والتاريخية العظيمة بالسؤال: “وما ترى فيما طرحه من خصال”؟! ويقصد تلكم الحجج والبراهين عن منزلته من رسول الله، ومن الإسلام، فجاءه الجواب المتخاذل ليفصل بين انطلاقة الى الأعالي، وسقوط الى أسفل السافلين: “بلى صحيح! ولكن أميرك ابن زياد يأبى ذلك”! فلأن الأمير الأموي يأبى الخصال الكريمة لأهل بيت رسول الله، فلا طاقة لي على اتخاذ موقف مغاير.
إن التعبير عن كل اشكال التعاطف والمواساة لمصاب الامام الحسين، عليه السلام، أمرٌ مطلوب ومندوب ايضاً، والمطلوب الآخر الى جانبه؛ الوصول الى حقائق النهضة الحسينية ومنها؛ بناء الذات، وتهذيب النفس، وتكريس كل الصفات الأخلاقية الحسنة في السلوك اليومي، وهي وغيرها تندرج ضمن منهج الإصلاح الذي ضحى من أجله الامام الحسين يوم عاشوراء.
هذه الحقائق العقلانية لا ترتكز في النفس إلا بوجود أرضية خصبة من العاطفة في القلب الحيّ الذي يتحسس المصاب والألم فيحفّز النفس لخطوة تالية بالقيام بما يلزم لعدم تكرار أخطاء تسبب في تلكم المصائب، وهو تحديداً ما كان يريده الامام الحسين، والأئمة المعصومين من بعده، عليهم السلام، فاذا حصل الاندماج بين العقل والعاطفة في أيام عاشوراء نعرف أننا بلغنا مستوى من الفهم لقيم النهضة الحسينية، وتمكنا من تحويلها الى مادة عملية في حياتنا، نصلح به انحرافاتنا وأزماتنا.
ولكن! لو توقفنا عند البكاء، واللطم، وتوزيع الطعام والشراب، وخدمة الزائرين بالسكن والنقل وغيرها من الخدمات الحسينية الرائعة، فاننا نكرر نشاطنا العضلي المعهود طيلة أيام السَنة، مع الفارق أن هذه الاعمال تحت لافتة: عاشوراء الامام الحسين فقط!
إن الامام الحسين، عليه السلام، الذي نقول إنه حمل رسالة الأنبياء والصالحين عبر الزمن، وإنه مشروع إصلاحي متكامل، يدعونا الى الإيمان المطلق بقيم الدين والأخلاق لتكون لصيقة بحياتنا رجاء العيش الكريم، وفي نفس الوقت نكون على أهبة الاستعداد لمواجهة أي انحراف بدءاً من زاوية البيت الصغير، وحتى الدائرة الحكومية الكبيرة في الدولة حتى لا يتكرر يزيد و ابن زياد والشمر، ولا تتكرر تجربة أهل الكوفة وشريح القاضي، وكل من شارك في قتل الامام الحسين بالسيف، او كلمة الرضى بأن يكون مشاركاً في آخر صفوف الجيش الأموي، او حتى بالسكوت والبقاء في عقر الدار. {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.
