ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (78) النجاح في النجاة من نفق الشبهات

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “إنّ الامور إذا اشتبهت أعتُبر آخرها بأولها”.

فهل تتشابه الامور؟ و أين يحدث ذلك عادة؟

و إذا تشابهت؛ فما المقياس لمعرفة الصحيح من الخطأ؟

حقيقتان في البدء

قبل الاجابة على هذه الأسئلة، لابد من ذكر حقيقتين:

الحقيقة الاولى: ان هذه الحياة التي لم تأتِ صدفة، فهي تسير ضمن قنوات، وهي التي تسمى في القرآن الكريم “سُنن، سنن الله تعني طريقة الله في الحياة، وتعني تلك القنوات التي لاتتبدل ولا تتغير؛ سنة الله في الطبيعة، وفي جسم الانسان، ومعنى السنن؛ أي طريقة الله في إدارة الحياة، فهو خالقها وله طريقة في إدارتها، وفي بقائها وحياتها.

ولان الحياة تسير ضمن تلك القنوات، فلأمورها بداية ونهاية، والله –تعالى- وحده لا بداية له ولا نهاية، اما بقية الامور فلها بداية ونهاية، فالشجرة بدايتها البذرة ونهايتها الحطب، والانسان بدايته نطفةً وانتهاؤه جثة هامدة.

فما دام ان هذه الحياة تسير وفق قنوات محددة، فإن لكل سبب نتيجة، ولكل نتيجة سببا، فالنار لا تحدث إلا بسبب الكبريت مثلا، والله وحده القادر على ان يمنع الاسباب من ان تؤدي الى نتائجها وهو ما يسمى المعجزة، وهو ما لا يفعله الله عادة الا في حالات استثنائية، كأن يمنع ان تكون النار مُحرقة، ولم يحدث ذلك في التاريخ إلا مرة واحدة مع ابراهيم الخليل، عليه السلام.

الحقيقة الثانية: إن النتيجة دائما من نوع السبب، فالنار نتيجتها الاحتراق لا البرودة، والثلج ينتج البرودة، ولذلك فإن البدايات تدل على النهايات، كما ان النهايات تدل على البدايات.

ومن هنا فنحن نستطيع ان نتنبأ بعواقب الامور كلها عبر بداياتها، فإذا رأينا شابا يدرس الطب فإنه سيصبح طبيبا، لا مهندسا، وهكذا في مختلف الامور الحياتية، ونحن عادة نفهم هذه المسألة في القضايا الشخصية –الجزئية-، فلو ان احدهم صبَّ الماء على الارض فنعرف ان الثياب والفراش سيتبلّل.

المطلوب فهم الكليات

المشكلة تكمن في معرفة القضايا الاجتماعية، وفهم مسيرة البشرية، وسنن التاريخ، فإذا رأينا شعبا قاوم جلاديه وتحمل الالآم فإن نهايته الانتصار، لكن الذي يفهم هذه الامور في الجزئيات ولا يفهمها في الكليات يتعجب من انتصار شعب ويعدها معجرةً لا تتكرر.

ما من إنسان؛ عالماً كان أم جاهلا، إلا ويمر بلحظات تشتبه عليه الامور وتختلط، وهنا تتضح عظمة الانسان حينما يختار الصحيح بضميره وبوجدانه، ويعرف ان ذلك الشيء حق والآخر باطل

فإذا رأينا طفلا يلعب مع الصبيان وفي يوم من الايام يصبح مرجعا دينيا كبيرا فلا عجب في ذلك، فهذا ليس معجرة لانها الامور الطبيعية التي خلقها الله -عز وجل-، ولان المعجزة عكس هذه الامور، وهذا ما لا يحدث إلا بإرادة الله.

ما جاء به القرآن الكريم وما اراد ان يبينه الانبياء في كتبهم ليست قضايا جزئية من هذا النوع، ليس بيان سنن الله أن النار تُحرق، وأن من يسقط من شاهق يموت، الانبياء جاؤوا لكي يعلّموا سنن الله في البشرية، وفي التاريخ؛ يبيّنوا النهايات المهلِكة، سواء للفرد كفرد، وللجماعات كجماعات، فمن يزرع القمح لا يجني الحنطة، ومن يعمل صالحا لا يجني إلا صالحا، والذي يرتكب الموبقات لا يحصد إلا المهالك، وتلك نتيجة لا تتغير من زمن لآخر، قد تتأخر ولا نراها في العاجل. قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}.

هذه الحقيقة تتكرر في مناطق مختلفة، وعلى اقوام متعددين، تارة في روما، وأخرى على المسيحيين، وثالثة على اليهود، ورابعة على المسلمين، لا فرق فتلك سنة من سنن لله -عز وجل-.

وللانتصار ـ مثلاـ اسباب إن توفرت في فرد او في أمة، ولو ان فلاحا بذر في الارض وتعهدها فإنه سيجني ثمارا.

هل هنالك شبهة تحدث في الحياة؟

وكيف تحدث الشبهة؟

في الطبيعة، وفي الحياة، وفي الطب، وفي سائر امور الحياة هنالك امور بيّنة وأمور مشتبه فيها، حتى في القرآن الكريم {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، والتشابه يعني الجهل بالشيء، لكن هذا الشيء يختلف عند العالِم، فالأمور عنده بيّنة، فمثلا في القرآن الكريم هناك آيات واضحة، وهناك آيات قد يجهلها انسان، هي في علم الله، وعند الراسخين في العلم واضحة، لكن جهل الفرد يجعل منها شُبهة، {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} فهل الرب غائبا حتى يحضر؟

ولاشك ان في امور الحياة شبهة وعادةً الانحرافات في الامم والافراد لا تحدث في الامور البيّنة بل تبدأ من الشبهة وعدم الورع منها.

وما من إنسان؛ عالماً كان أم جاهلا، إلا ويمر بلحظات تشتبه عليه الامور وتختلط، وهنا تتضح عظمة الانسان حينما يختار الصحيح بضميره وبوجدانه، ويعرف ان ذلك الشيء حق والآخر باطل.

قال النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: “إنما سُميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سَمْت الهدى، و أما اعداء الله فدعاؤهم فيها ضلال ودليلهم العمى”.

واقتحام الشبهات فيها مقتل الناس، قال أمير المؤمنين: “إياك والوقوع في الشبهات، والولوع بالشهوات، فإنهما يقتادانك إلى الوقوع في الحرام وركوب كثير من الآثام”.

الانبياء جاؤوا لكي يعلّموا سنن الله في البشرية، وفي التاريخ؛ يبيّنوا النهايات المهلكة، سواء للفرد كفرد، وللجماعات كجماعات، فمن يزرع القمح لا يجني الحنطة، ومن يعمل صالحا لا يجني إلا صالحا

نحن عادة نحاسب انفسنا بعد الوصول الى النتيجة ونظن اننا لا نستطيع فهم النتائج إلا بعد حدوثها، وهذه هي مشكلة الفاشلين من الافراد والامم، يبدأون بداية تنتهي الى نتيجة خاطئة وحينها يعاتبون انفسهم.

الانسان في نهاية حياته يندم ولكن ولات ساعة مندم، لانه في النهايات يكون العتاب، لا محاسبة النفس، لذلك الانسان العاقل يحاسب نفسه في البداية، ويتثبت في الامور وينظر ان تلك البداية هي صحيحة ام لا؟

نستخلص من كلام أمير المؤمنين، عليه السلام، بمجموعة من الامور:

  1. ضرورة التثبّت في البداية، فلا يصح الولوج في مضيق لا نعرف نهايته.
  2. من يسلك سبيل الراشدين يفلح ومن يسير في طريق الفاشلين يفشل، لان النتيجة من قماش المقدمة.
  3. المرء إ ذا شك في النهاية فليتبصر في البداية، ولذلك على الانسان ان يقدم وهو على بصيرة من أمره وهذه قضية مهمة جدا “لاتجعلوا علمكم جهلا ويقينكم شكا”.

_______________

(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا