ثقافة رسالية

المنكر.. والوقوف على الحياد

بعد يوم طويل وانت تقضي هذا اليوم في عمل شاق؛ تريد ان تستريح، وأول ما تصنع عند عودتك للبيت ان تفتح الشاشة، او تتصفح في الموبايل، لمعرفة الأخبار، وإذا بك تسمع خبرا مفجعا، دولة غازية معتدية غاصبة، قامت بقصف منطقة فيها مستشفى للاطفال، فجثث الاطفال موزعة في كل مكان! او قد ترى مشهدا آخر لذات الدولة المعتدية وهي تقصف تجمعا لمجموعة من الناس كانوا ينتظرون المساعدات. ما الذي يصيبك وانت تشاهد تلك المناظر المفجعة؟

جميعنا قد شاهد تلك المناظر؛ ولا ريب أن كلَ صاحب ضمير حي سينتفض، ويتعجب ان يحدث كل ذلك ونحن في القرن الواحد والعشرين، كيف يمكن ان يشاهد العالم تلك المناظر البشعة ولا يتحرك؟!

ردّة الفعل الطبيعية ان الانسان يصاب بالحزن والأسى لتلك الجرائم، لكن ماذا لو شاهد الانسان خبرا مشابها، وتكرره عليه في اليوم الثالث والرابع، الى عشر مرات او اكثر، ربما في اليوم الاول لا يستطيع الانسان ان ينام تلك الليلة وهو يفكر في ذلك الامر، وما الذي يستيطع ان يقدمه ازاء ذلك.

ولكن بعد مرور وتكرار هذا الامر لعشر مرات او اكثر، سوف يتجاوز ذلك الخبر بسهولة بدون ابداء اي ردة فعل، فما الذي  تغيّر؟

الحدث لم يتغيّر، سواء تم قصف مستشفى المعمداني ام غيره، والطفل الذي يئن اليوم، لا يختلف عن ذلك الذي شاهدت خبره اول يوم، فهل منكرية الفعل تغيّرت؟ يعني؛ هل هذا الفعل الاول منكر ومستهَجن والآخر غير منكر؟

الذي تغيّر هو الانسان نفسه وليس منكرية الفعل، فالفارق بين مشاهدة الفعل في المرة الاول، وبين المرة العاشرة هو ذات الانسان.

ذلك أن الله ـ تعالى ـ قد أودع في كل إنسان جاهزا للتحسين والتقبيح، اي ما يسمى الفطرة والذي أودع الباري فيه الخيرَ والشر، ونشترك نحن البشر جميعا في اي مكان في الكرة الارضية من شمالها الى جنوبها، ومن شرقها الى غربها، أن هذه الامور لا تختلف، فلا أحد يشك بأن الظلم قبيح، وان العدل حَسَن.

إلا أن الذي يحدث؛ أن الانسان بطريقة إرادية او لا إرادية يُسكت هذا الجاهز (الفطرة)، في المرة الاولى ينتفض الجهاز وينادي، كجاهز الانذار للحريق، لكن في المرة الثانية وما بعدها يهدأ شيئا فشيئا، وفي نهاية المطاف يتحول الخبر المفجع الى همس يسهل تجاوزه.

هذه العملية تسمى بـ التطبّع والتي ربما في مثل هذه الايام ان الناس اصبحوا لا يميزوا ان المنكر طبعٌ أم تطبّع، بعض القضايا المنكرة ـ والتي اُزيل عنها حالة المنكرية ـ تحولت الى ان الناس يظنون انها شيء طبيعي!

اليوم هناك عمل قبيح يحصل هذه الايام بشكل قانوني وهو (الاجهاض) فالله قدّر لطفل ان يعيش في هذه الحياة واعطاه الروح في بطن الام، لكن الاب او الام او كليهما يقررون سلبَ حياته، وبعض طرق الاجهاض بشعة جدا!

حين يصبح الايمان بالآخرة قويا عند الانسان المؤمن تتغيّر حياته، فحين يعي العاقبة والتي ستكون إما جنة او نار، فإن سلوكياته وحركاته في الحياة تتكيف وفق معادلة صائبة جدا

ومع الاسف هنالك بعض المنكرات اصبحت طبيعية في مجتمعنا الاسلامي كالتبرج، والبعض يتقبل هذا الامر وكأنه تماشيا مع الزمان والتطور، وهذا الامر طال بعض المسائل الدينية، فبعض اللطميات تسلّلت إليها الحان الغناء وبعض الموسيقى التي تناسب مجالس اللهو، ويعد هذا الامر طبيعيا عند البعض والسبب انه تطبّع مع المنكر، والفقهاء الذين يجيزون بعض انواع الموسيقى غير اللهوية فإنهم لا يجيزون الغناء.

مراحل التطبّع مع المنكر

تمر عملية التطبّع مع المنكر بثلاث مراحل اساسية:

المرحلة الاولى: رفع قبح المنكر

تتم هذه العملية عبر عدة أمور:

  1. اشاعة المنكر: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال له النبي، صلى الله عليه وآله: لو رأيت رجلا على فاحشة قال: أستره قال إن رأيته ثانيا، قال: أستره بأزاري وردائي إلى ثلاث مرات فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا فتى الا علي”. وقال صلى الله عليه وآله أستروا على إخوانكم. وهنا مثلا، على الآباء اذا رأوا من ابنائهم بعض الامور القبيحة، او كان بين الاصدقاء فيجب الستر، لان اكبر جريمة يتم ارتكابها هي فضيحة الشخص الذي وقع ضحية الذنب، لانه بالفضيحة يتم إغلاق باب التوبة أمامه.
  2. التكرار: تكرار نشر المنكرات.
  3. التلاعب بالالفاظ: في هذه الحالة يتم التلاعب بالالفاظ لتقديم المنكر وكأنه شيء طبيعي، فمثلا يتم وضع كلمة (جريئة) بل كلمة (فاضحة)، فإذا كان هناك خبر عن امرأة تنشر المنكرات يقال في الإعلام: ظهرت بصورة (جرئية)! او كمثال آخر فيما يتعلق بالخبر، يقال: مشروبات روحية، او في العلاقات المحرمة، يقولون: (علاقات حميمة).

مع الاسف هنالك بعض المنكرات اصبحت طبيعية في مجتمعنا الاسلامي كالتبرج، والبعض يتقبل هذا الامر وكأنه تماشيا مع الزمان والتطور، وهذا الامر طال بعض المسائل الدينية، فبعض اللطميات تسلّلت إليها الحان الغناء وبعض الموسيقى التي تناسب مجالس اللهو

وفي هذه المرحلة لابد ان يتحرك الناس في وجه المنكر حتى يتم اسقاط بقية مراحله، لان هذه المرحلة إذا تمت فهي مقدمة للمراحل التالية، وإذا تم وئدها فبقية المراحل بالتأكيد لا تظهر.

المرحلة الثانية: التعايش مع المنكر

وفي هذه المرحلة يريد القائم على نشر المنكرات ان يصبح الانسان محايدا بالنسبة للمنكر، تحت شعار (ِشكو بيها) فمثلا يقولون: شكو بيها إذا شرب الخبر بس هو خوش آدمي، او مثلا: شكو بيها اذا نزعت حجابها لانه قلبها طيب. في هذه المرحلة يتم تحويل المنكر من قضية مرفوضة نهائيا، الى مسألة قابلة للنقاش، فمسألة حجاب المرأة قضية لا خلاف عليها لانها أمر إلهي سارت عليها نسوة الانبياء والاولياء والصالحين الى يومنا هذا، لكن حتى يتم التشكيك بهذا الامر الالهي بهدف ابعاد المرأة عن الحجاب يقولون: من قال ان الحجاب واجب؟ هل هناك آية في القرآن تشير الى الحجاب؟

المرحلة الثالثة: مواجهة المستنكِر

في هذه المرحلة يتم الدفع بالناس لمواجهة الذي يستنكر القبيح

كيف نواجه عملية التطبّع مع المنكر؟

في مواجهة التطبّع مع المنكرات لابد من عدة أمور

  1. تقوية الاساس: الايمان عبارة عن شجرة فيها جذور واغصانها والاوراق فهذه تمثّل الاخلاق والاحكام، اما الجذور فهي العقائد، فلابد من تقوية الايمان بالله، والايمان بالآخرة، فإذا كانت عظمة الله قوية عند الانسان، فإن احكامه تكون قوية أيضا، لذلك فالفرق بين يقترف المنكر ويرضى به، وبين من يمتنع عنه، هو مقدار حضور عظمة الله في نفسه.

والايمان بالله يتجلى عمليا في سلوك الانسان، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أتاه رجل فقال: وقعت فأرة في خابية فيها سمن، أو زيت، فما ترى في أكله؟ قال: فقال له أبو جعفر عليه السلام: لا تأكله، فقال له الرجل؟ الفأرة أهون على من أن أترك طعامي من أجلها قال: فقال له أبو جعفر عليه السلام: إنك لم تستخف بالفأرة، وإنما استخففت بدينك، إن الله حرّم الميتة من كل شيء.

حين يصبح الايمان بالآخرة قويا عند الانسان المؤمن تتغيّر حياته، فحين يعي العاقبة والتي ستكون إما جنة او نار، فإن سلوكياته وحركاته في الحياة تتكيف وفق معادلة صائبة جدا.

  • إيقاظ الضمير من جديد: وهذا يكون عبر محاسبة النفس “ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم وليله”، وهنا لابد للانسان المؤمن ان يراجع الموازين الالهية في اي قضية.
  • التحكّم في منافذ الفطرة: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} فالانسان مسؤول عن ماذا يسمع او يرى، او يتكلم، لان هذه المنافذ تمثل ناقلا لما يدخل الى الفطرة، وابسط الامور في حياتنا العملية نتبه لها، فمثلا عند شرائنا لاي شيء لابد ان ننظر تاريخ صلاحيته، وهل هو صالح للأكل ام لا! فإذا كان منتهي الصلاحية فلا احد يقدم على شرائه ومن ثم أكله، لان في ذلك ضرر للصحة، ذات الامر في مسألة الافكار، فليس من الصحيح ان يقبل الانسان المؤمن كل فكرة دون تمحيص.وإذا سيّطر الانسان على هذه المنافذ فإنه سيقي نفسه الكثير من الامور السلبية.

____________

(مقتبس من محاضرة مجلس محرم الحرام لسماحة السيد مرتضى المدرّسي)

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا