قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “الدهر يَخْلِق الابدان، و يُجدد الآمال، ويقرّب المنيّة ويُباعد الأمنية، من ظفر به نصب ومن فاته سَعُد”.
ما هو الدهر؟
وهل هو جيد أم ليس كذلك؟
وما هو الموقف السليم منه؟
إن من لا يعرف الدهر ولا يتخذ موقفاً سليماً منه، لا شك انه يُصرع به، هنالك رجال يتكئون على عكازة الزمن والآمال، بينما هنالك رجال يتكئون على عكازة العمل، فمن لا يعرف الدهر بخيره و شره، وبشكل عام؛ بخصائصه فهو لا يخسر الزمن، ولا يخسر نفسه.
والدهر هو الزمان محملاً بالحوادث، ليس الزمان كزمان، ولا الحوادث، وانما الدهر هو الزمن حينما يُحمل بالحوادث، فهذا يُسمى دهراً.
ثمة أناس يرون الدهر سيئاً فيسبونه كلما فشلوا، وثمة من يرونه جيداً دائماً، وفلسفتهم تتخلص: بأن “الخير فيما وقع”، و “الخير فيما هو واقع الان”، و “ليس بالإمكان أفضل مما كان”، ولياتي ما يأتي!
البعض يلقي بمسؤولية فشله وهزيمته على الدهر، فيلعن الدهر الذي جعله فقيراً وفاشلاً، وهذا موقف الفاشلين والعاجزين
مثل هؤلاء كالفقير الذي يمدّ يده للمارة، فما يضعوه في يده يحمدهم ويشكر ربه، فهو رجل مدّ يده الى الزمان، هو لم يقرر لنفسه ما يجب عليه ان يصنع، إنما الحوادث هي التي تصنع له حاضره ومستقبله، فإن صار فقيراً فهو جيد، و ان صار غنياً فهو جيد ايضاً، واذا ساقته الظروف لأن يعيش بين الملحدين اصبح ملحداً، و إن كان في أجواء المؤمنين صار مؤمناً.
البوصلة الدقيقة للدهر في رؤية أمير المؤمنين
أمير المؤمنين، عليه السلام، يحدد ست مواصفات للدهر، هي مواصفات لكل انسان؛ للناجحين وللفاشلين معاً:
أولاً: يُخلِق الابدان
أي انه يجعل البدن خَلِقاً وبالياً مع مضي الأيام والسنين، فالشاب الجميل في مرحلة الشباب، لن يحتفظ بنظارة وجهه الى الأبد، إنما يفقدها في مرحلة الكهولة، فلا جدوى من الاعتماد على الابدان في نظارتها وقوتها، لأنها تستحيل يوماً الى الضعف والانتكاسة.
ثانياً: يُجدد الآمال
الموقف السليم من الدهر، هو موقف من يتسابق معه، وأن تكون لدينا حالة المنافسة الشديدة مع الزمن، فكل ساعة نفكر بأن ننجز شيئاً، وأن نصنع من حاضرنا لمستقبلنا
بمرور الزمن يزيد الانسان ثقته به وبالدهر ايضاً، فهو في حالة الانحدار إلا انه يتعلق بالآمال بسبب تجدد ثقته بنفسه، يقول الحديث الشريف: “يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل”، ربما الشاب يفكر انه يموت، بينما الهرم يفكر انه يعيش اكثر، فيحرص على تجديد مظهره ليكسب مزيداً من العمر.
ثالثاً: يُقرّب المنيّة
إن الدهر يقرب الانسان الى الموت والقبر، “نفس المرء خطاه إلى أجله”، احياناً لا يحفل الانسان بسنوات عمره، حتى وان كانت سنوات طوال، ولكن عندما يخبره الطبيب انه سيموت بعد أيام، نرى التوسلات بأن لو يبعدوا الموت بعض أيام او ساعات. بمعنى ان الوقت المهدور كان له قيمة عظيمة، ولكن لم تُستثمر.
رابعاً: يُباعد الأمنية
يجعلها صعبة المنال، فاذا كانت لك في شبابك فرصة المطالعة، فان في هرمك لا فرصة لك، لذا نجد الشيخ الكبير يكون كئيباً دائماً لأنه يجد ان كثيراً من الأشياء لم يحققها ولم يتمكن من تحقيق أمنياته.
خامساً: من ظفر به نصب
بمعنى؛ من يحقق النجاح سيرى التعب، حتى الزعماء والناجحين والمبتكرين، فانهم لا ينامون مرتاحين على طول الخط، إنما يواجهون المشاكل العديدة في حياتهم.
ولأمير المؤمنين مثال جميل: “مَثلهُ كراكب الصَعبة –الدابة غير المروّضة- إن أشنق له خَرِم، وإن أسلَسَ بها تقحّم”، او كمثل شخص راكب على ظهر أسد، هو من حيث الظاهر يمتطي القوة، ولكن في لحظة واحدة ربما يكون صريع هذه القوة، فالذي يربح الزمن وينجح، سيتلقى التعب والنصب، وليس بالضرورة الراحة والدعة.
سادساً: ومن فاته تعب
لأنه في مسير البحث عن الحياة والنجاح سيبذل جهوداً مضاعفة.
هذه المواصفات والخصال تشمل الجميع؛ الفاشل والناجح، المؤمن وغير المؤمن، الصادق والكاذب.
هنا نعرف القيمة الحضارية لكلام أمير المؤمنين، عليه السلام، والذي يعلمنا كيفية اتخاذ الموقف الصحيح من الدهر.ولكن! ماذا عن موقف الناس؟ وكيف يتعاملون مع الدهر؟
ثلاث مواقف للناس من الدهر والزمان
الموقف الأول: المستسلم للدهر، والمنتظر منه المعجزات، و أن يحل الزمان مشاكله، وهو موقف الحالمين، فثمة اشخاص يحلمون في الليل مرة واحدة، بينما أناس يعيشون طوال حياتهم في الاحلام ليل نهار، وهذه الاحلام تؤدي بصاحبها الى اليأس والإحباط.
يقول أمير المؤمنين: “كيف تبقى على حالتك والدهر في إحالتك”.
إن الأنبياء والأئمة يعلموننا ناموس الحياة، ويضعون اتباعهم امام الحقائق الناصعة؛ أيها الانسان ثمة شيء غير مرئي يعمل فيك، يجعل بدنك خَلِق وبالي، ويُقربك الى المنية.
بعض الناس لا يستسلم للدهر، لكنه يَعد ما تحت يده باق له، كأن يكون بيده منصب او جاه او ملك، او حصل على أموال، والى هذا يضيء أمير المؤمنين، بأن كيف تطمئن للدهر وتغفل عنه وهو يحولك من حال الى آخر على حين غفلة؟
أما الموقف الثاني: فهو موقف المعادي للدهر، فهو يلقي بمسؤولية فشله وهزيمته على الدهر، فيلعن الدهر الذي جعله فقيراً وفاشلاً، وهذا موقف الفاشلين والعاجزين، لذا لا يعترف الانسان ابداً انه سبب الفشل، انما يتهم الاخرين.
الموقف الثالث: المستغل لطاقاته في الدهر، والعارف بحقيقة الدهر والزمان فيستغل طاقاته والفرص التي أمامه، علينا أن نعرف أننا لا نتقدم إلا اذا كان عملنا يتقدم، وإلا نحن في تراجع ونقصان، وهذه سنّة الله في الدهر.
افضل طريقة للتعامل مع الدهر والزمان
ثمة ملاحظة هامة
إن قوانين الدهر ثابتة لا تتغير من حال الى حال، لا كما يتصور البعض بأنها ثابتة للآخرين وليس له، يقول امير المؤمنين: “إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين، ما يعود ما قد فات و ولّى، ولا يبقى سرمداً مداما”. فلا شيء يعود بعد مضيّه، ولا شيء يبقى عندك، والحياة تجري مع متغيراتها، في الحزن والفرح، في الحرب والسلام، في النجاح والفشل.
الدهر ليس دائماً لك، ولا عليك، بل يوم لك ويوم عليك، ففي اليوم الذي يكون لك، لا تسترخي عنده، إنما ينبغي استثماره، وفي اليوم الذي عليك لا يجب ان لا تستلم لليأس، بل تصبر وتقاوم حتى تغير واقعك
من هنا؛ فان الموقف السليم من الدهر، هو موقف من يتسابق معه، وأن تكون لدينا حالة المنافسة الشديدة مع الزمن، فكل ساعة نفكر بأن ننجز شيئاً، وأن نصنع من حاضرنا لمستقبلنا، كما فعل أحد الخطباء، قال لي: إني أربعين سنة أمارس الخطابة، وهذا يعود بالفضل الى خمس سنوات فقط كرستها للمطالعة.
وعليه؛ فان الدهر ليس دائماً لك، ولا عليك، بل يوم لك ويوم عليك. وفي اليوم الذي يكون لك، لا يجب الاكتفاء به، والاسترخاء عنده، وإنما ينبغي استثماره والاستزادة منه، لا تأكل نجاحاتك بل استثمرها، وفي اليوم الذي عليك لا يجب ان لا تستلم لليأس، بل تصبر وتقاوم حتى يتغير ما بك.
من كل ما سبق نستنتج الحقائق التالية:
- لا تنتظر من الدهر المعجزات، بل اصنعه انت بنفسك، وهو يصدق على الافراد كما يصدق على الجماعات والشعوب التي تحلم بالتغيير والإصلاح ونيل الحرية والاستقلال.
- لا تضيع على نفسك الفرص، بل اهجم على كل فرصة، فالغد ليس افضل من اليوم.
- تأكد ان للدهر خصائص فلا تكن ضدها، فهل يمكن ان توقف بياض شعر رأسك؟! فمن الأفضل مسايرة الزمن برؤية إيجابية.
- لا تكن واثقاً من اوضاعك. لأن كلما كانت اوضاعك جيدة كانت الخطورة عليك أكبر، لذا ينبغي المواظبة على العمل والاستثمار لضمان النجاح الدائم.
وهنا نعرف قيمة وصية رسول الله، صلى الله عليه وآله، للصحابي الجليل؛ ابي ذر الغفاري: “يا أبا ذر! اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”.
*(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
