الهدى – متابعات ..
تحول الذهب في الأسواق العراقية من رمز للفرح والاستقرار إلى عبء ثقيل يكسر أحلام الشباب ويعصف بميزانيات العائلات، وسط دوامة عالمية لا تهدأ.
وبينما تتلألأ قطع الذهب خلف واجهات المحال في الأسواق العراقية، يزداد بريقها بعداً عن متناول الكثيرينن فارتفاع الأسعار المتواصل حوّل هذا المعدن النفيس من رمز للفرح والاستقرار إلى عبء ثقيل على كاهل المقبلين على الزواج، وصدمة يومية للباعة والمتسوقين على حد سواء.
وهذا الارتفاع، هو نتيجة جملة من عوامل اقتصادية عالمية ومحلية، أبرزها ارتفاع أسعار الدولار، واضطرابات الأسواق العالمية، وزيادة الطلب على الذهب كمخزون آمن في ظل الأزمات.
وفي حديث له أوضح محمد خضير، مالك محل ذهب في بغداد، أن “حركة السوق تشهد فتوراً واضحاً، وتغيراً في عادات الشراء، الناس باتوا يتجهون لشراء كميات أقل، أو نوعيات أقل جودة مثل ذهب عيار 18، رغم أنه يحتوي على نسبة عالية من النحاس والمعادن الأخرى، لكن بالنسبة لهم، هو الخيار المتاح في محاولة لتقليل العبء على ميزانياتهم”.
ويشير خضير إلى أن “ظاهرة شراء المهر الذهبي لم تعد كما كانت في السابق، بل تحولت إلى مفاوضات طويلة حول الغرامات والنوعية، حيث أصبح التفاهم بين العوائل يدور حول خفض الكمية، أو الاكتفاء بخواتم رمزية فقط، ما يعكس أزمة مجتمعية تتجاوز حدود الاقتصاد”.
وبنبرة مستغربة ذكر خضير “لقد لاحظت تحولاً في النظرة العامة تجاه الفضة، فعلى الرغم من أنها لا تتمتع بنفس قيمة الذهب التقليدية، إلا أن الناس بدأوا يقدرون جمالها ورونقها، خصوصاً مع تصاميمها الحديثة التي يمكن أن تشابه الذهب في المظهر. أصبح الكثير منهم يعتبر الفضة خياراً ذكياً، حيث تجمع بين الجمال والأناقة والسعر المعقول.. هذا التحول يشير إلى أن الناس باتوا أكثر مرونة في خياراتهم، وأصبحوا يبحثون عن بدائل تحفظ لهم قيمة ما يشترونه دون أن يرهقوا أنفسهم مالياً”.
وتقول انتصار عبدالأمير، وهي مختصة بالإرشاد النفسي والتوعية المجتمعية، إن ارتفاع أسعار الذهب في الأسواق العراقية بات له تأثير واضح ومباشر على الشباب المقبلين على الزواج، موضحة: “حين يتفق الشاب والفتاة على مهر معين، عادة ما يكون الرقم ثابتاً، ولا يتغير بسهولة. لكن ما يحدث أن الأسعار تقفز فجأة في فترة تجهيز العرس، فيفاجأ الشاب بأن عليه دفع مبلغ أكبر بكثير من قدرته”.
وهذا التحول المفاجئ لا يرهق الجيب فقط، بل يمتد إلى النفس. فالضغوط تزداد على الشاب، لا سيما مع شعور الفتاة بالإحباط أو القلق، ما يدفعها أحياناً إلى ممارسة ضغط إضافي عليه دون قصد.
وترى عبدالأمير أن المفهوم المادي بدأ يطغى على البعد الإنساني في العلاقات الزوجية، في ظل سلوك اجتماعي قائم على التفاخر والتباهي.
وتشدد الخبيرة في الإرشاد النفسي على ضرورة إعادة النظر في القيم الأسرية: “على الأسر أن تراعي الواقع الصعب الذي يعيشه الشباب، من بطالة وغلاء معيشي، وأن تخفض من صوت الأنا داخلها، وتمنح مكاناً لصوت الإنسانية”، قائلة: “بناء عش زوجي ناجح لا يبدأ من محلات الذهب، بل من التفاهم والتنازل المتبادل”.
وتشهد الأسواق العالمية حالة من الصعود القياسي في أسعار الذهب، حيث ارتفعت بنسبة 30% منذ بداية العام الحالي.
وهذه الارتفاعات تزامنت مع تصاعد التوترات في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، أمريكا والصين، مما دفع المستثمرين إلى التوجه نحو الذهب كملاذ آمن.
وفي هذا السياق، يلاحظ الخبراء أن البنوك المركزية حول العالم تتجه بشكل متزايد نحو شراء الذهب، حيث قامت بشراء أطنان إضافية خلال السنوات الأخيرة، مما يعكس القلق المتزايد من استقرار الدولار في ظل الأزمات الاقتصادية المستمرة.
