هل التقدم والتطور فرصة متاحة للجميع؟

0

هل هناك حتمية حضارية، او حتمية تاريخية في العالم؟
وهل التقدم الحضاري مختصٌ بأمة معينة، وعلى باقي الأمم تجرع مرارة التخلف والتراجع؟
أم أن التقدم والتراجع الحضاريان مرهوننان بأسباب وعوامل ذاتية؟
هنالك من يدّعي أن للتاريخ مساراً واحداً يسير فيه، ويعتقد بضرورة السير ضمن هذا المسار، حيث إن الناس ضمنه مقيدون بحتميات تسيرهم نحو مصير واحد، ومن جهة اخرى هنالك من يدعي أن التاريخ والتقدم الحضاري وصل الى ذروته ونهايته، فيما وصلت اليه البشرية اليوم من مدنية بكل جوانبها السياسية والاقتصادية هو أقصى ما يمكن ان تصل اليه، وأنها ستبقى في هذه المدنية التي توفر لها الرفاه والسعادة ولن تتراجع، فلا بديل عن هذه الحضارة إلا نفسها.
هنالك العديد من أشباه هذه النظريات او القراءات للتاريخ وللحضارات، والتي تقوم جميعها على مجموعة من المرتكزات الخاطئة، كالحتمية التاريخية، أو القطب الواحد الحاكم، او التفضيل والتمييز العشوائي.
فالبعض يعتقد خاطئاً أن التقدم محصور بفئة محددة دون أخرى، وأن هذه الفئة لها الحق المطلق في الانطلاق الحضاري، بينما على باقي البشر القبول بالتخلف الذي يعيشونه، بل عليهم أن يتحولوا الى عبيد لدى الفئة المتقدمة.
تُرى؛ هل إن ما قاله الكاتب الاميركي، فرانسيس فوكوياما، في كتابه “نهاية التاريخ” من أن “انتصار الغرب في الحرب الباردة جاء ليشكل علامة مميزة وفارقة جسدت بدورها وصول التطور البشري الى ذروة النضوج والاكتمال”، فهل كان هذا الكلام صحيحاً من الناحية الواقعية اليوم؟

البعض يعتقد خاطئاً أن التقدم محصور بفئة محددة دون أخرى، وأن هذه الفئة لها الحق المطلق في الانطلاق الحضاري، بينما على باقي البشر القبول بالتخلف الذي يعيشونه، بل عليهم أن يتحولوا الى عبيد لدى الفئة المتقدمة

أم أننا نرى حركة صاعدة ونازلة في مختلف المواقع، وتبدل وتحرك للأقطاب، ونمو حضاري في مكان، وتراجع حضاري في مكان آخر، ولو كانت النظريات المطروحة كلها صحيحة لما ظهر من علماء ومفكري الغرب من ينتقدها، منهم؛ الكاتب، روبرت و. ميري، في كتابه “رمال الامبراطورية” ينتقد بشدة مثل هذه النظريات، ويرى أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، بل يتبع مساراً حافلاً بالانحناءات والتعرجات، بل والاستدارات، فلا المنتصر فيه سيظل منتصراً ومتفوقاً، ولا المهزوم سيظل مختلفاً ومهزوماً.

  • الالتزام بالسُنن والقوانين السماوية

وبالعودة الى السؤال الآنف الذكر: هل إن التقدم قضاء وقدر بالنسبة للبعض، فيما التخلف قضاء وقدر لآخرين؟ نقول:
الناس أحرار في مواقفهم وتصرفاتهم، والله تعالى قد وفّر الموارد والامكانات للجميع، ولم يحرم احداً منها: {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}، فمن يسير ضمن السنن الإلهية فانه يتقدم ويتطور، ومن يخالفها فانه سيتراجع بلا شك، فالمزارع الذي يستفيد من النعم التي اعطاها ربنا له، من الارض، والماء، والبذور، ثم يعمل ويجتهد، فانه سيحصد الثمار اليانعة.

الفراعنة تقدموا حينما أخذوا باسباب التقدم، وتراجعوا، بل أهلكوا حينما لم يلتزموا باسباب التقدم التي منها الإيمان بالله، واتباع الانبياء ،عليهم السلام

وعلى البشرية من أجل ان تلامس التقدم والتطور، وتتخلص من أزماتها المتشابكة، أن تقرأ التاريخ وتستخلص منه العبر، وتتعرف على الاسباب والنتائج التي أدت الى قيام الحضارات السابقة، وكذلك الاسباب التي أدت الى سقوطها، وذلك من خلال الدراسة الجادّة والفاحصة لقصص بعض الأمم، مثل قصة فرعون وبني اسرائيل، ذلك أن أهل مصر حينما بنوا ما بنوا، وازدهرت أحوالهم أخلدوا الى الارض، ومارسوا الظلم والعدوان، وأصبح ذلك منهجاً سياسياً واجتماعياً لهم، فقد أمر فرعون بذبح رجال بني اسرائيل، والإبقاء على نسائهم، ولما بلغ الظلم نهايته قضى ربنا أن يزيل فرعون عن ملكه، ويرفع من شأن المستضعفين من بني اسرائيل.
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.
صحيح أن الله –عزّوجل- يُهلك الأمم احياناً في لحظة واحدة، غلا ان ذلك لا يعني ان السقوط المفاجئ لم يكن نتيجة تراكم مجموعة من الاسباب والعوالم، من هنا رأينا كيف أن فرعون، وآل فرعون تعاقبت عليهم المجاعات، ونزل عليهم الدم، وآذاهم كثرة القمّل، والضفادع، وأكل الجراد حرثهم، يحدثنا القرآن الكريم عن هذا المآل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ}.
وهكذا فإن افعال البشر هي التي ترسم مساراتهم؛ سواءً صعوداً او انحداراً، لذلك فان الالتزام بالوعي والحكمة كفيل بإبعاد الناس عن الهلاك الذي يأتي نتيجة الظلم والعدوان والطغيان والتجبر والتكبر في الحياة.
لذا نجد أن بني اسرائيل الذي أنقذهم الله باتبعاهم لنبي الله موسى، عليه السلام، ونصرهم على فرعون وآله، حينما دبّ الفساد فيهم، أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم، فالله يورث الارض عباده الصالحين، لكن هذه الوراثة منوطة بسنّة الاستقامة، وبالايمان والعمل الصالح، واتباع منهج السماء، والالتزام بالقيم والمثل التي أقام الله الكون عليها.
فالفراعنة تقدموا حينما أخذوا باسباب التقدم، وتراجعوا، بل أهلكوا حينما لم يلتزموا باسباب التقدم التي منها الإيمان بالله، واتباع الانبياء ،عليهم السلام.

  • فرصة العودة عن الانحراف

ومن رحمة الله –تعالى- بالبشر أنه جعل لهم مسار عودة وتراجع عما يقترفوه من أخطاء، فاذا أفسدوا ثم رجعوا عن فسادهم، فالله –تعىلى- يغيّر طريقته معهم، فربنا يريد أن يتراجع عن غيّهم، وهو إذ يذيقهم بعض العذاب فما ذلك إلا لكي يرجعوا، يقول –عزّوجل-: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
واذا كان الحديث في هذه الآية المباركة عن أمم سابقة، فذلك لكي نتعرف على سنن الله في الحياة، كما انها تحذير للأمم التي ستأتي من بعد، فمن رأي عاقبة الفساد لابد ان يبتعد عنه، ومن رأى عاقبة الظلم لابد أن يتجنبه، فإن ما حدث للأمم السابقة سوف يحدث الآن وغداً، {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}.

  • ارتفاع نسبة الظلم والطغيان

وهنا ملاحظة هامة، وهي أن هلاك الأمم إنما يكون اذا ساد الطغيان والظلم والفساد في الأمة، فبمجرد ان يرتكب فردٌ واحد لجريمة من الجرائم لايؤدي ذلك بالضرورة الى سقوط الامة كلها، كما ان صلاح شخص واحد في أمة فاسدة، لا يؤدي الى رُقي تلك الامة بالضرورة، وهذا يعني أن ظلم الانسان لنفسه من خلال فساده العقائدي او العملي او الاخلاقي ليس مدعاة لهلاك الجميع ما دام مقتصراً على فرد او مجموعة افراد، بينما تبقى الأمة محتفظة بقيمها ومبادئها، ولكن اذا تجاوز الظلم والفساد حدود الافراد الى مساحة واسعة في الامة، حينئذ يبدأ التراجع الحضاري، ومن ثمّ السقوط الى درك الهوان والذل، ثم الاندثار.
هذه المعادلة يبينها القرآن الكريم من خلال قصة قوم نوح: {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}، فانه –تعالى- يهلك الامة عندما يكون أكثر افرادها غير ملتزمين، ومتفقين على الانحراف وممارسة الظلم والطغيان. الامثلة عديدة عن العذاب الذي نزل على أقوام سابقة، فالخطاب الإلهي يأتي بصيغة الجمع: {أهلكناهم}، {فأخذهم}.
وهكذا فان قيام الحضارات له جذوره في التاريخ، وسقوطها ايضاً له جذوره في التاريخ، فالبدايات قد لاتكون مرئية، ولكن عندما تقوم الحضارة ويراها الناس حينها يُعلم أن هذه الامة كانت قد التزمت ببعض المبادئ والقيم والمثل، وكذلك سقوطها هو بسبب عدم الالتزام بما يمكن تسميته بالحق بمعناه الواسع والذي يعني الايمان والعمل الصالح، حاكمية المبادئ والقيم والنظام الاجتماعي الصالح.

  • من كتاب: أصول الحضارة، بين روح القيم وبراعة الشكل.