الأسرة و استثمار الطاقات الهائلة

1

من حسن حظ أي شعب بالعالم امتلاكه ثلاث طاقات اساسية معاً وبشكل متوازن ليكون في طريق النمو والتطور، ثم الازدهار. وهي: الطاقة الذهنية، والطاقة العضلية، والطاقة المالية.
هناك دول في العالم، لديها العقول لكنها تفتقد لليد العاملة، كما هو حال الدول الاوربية، مما جعلها تفتح الابواب أمام الهجرة للاستفادة من اليد العاملة، فلا نجد مقصداً للهجرة في العالم أكثر من اوربا، ثم جاءت في المرتبة الثانية خلال العقود الاخيرة من القرن العشرين؛ الولايات المتحدة، بينما نلاحظ العكس، في الدول الخليجية حيث وفرة المال بشكل يُحسد عليه في جميع أنحاء العالم، ولكنهم اضطروا لبناء الجسور، والطرق، والبنايات الشاهقة ومنشآت الطاقة والمستشفيات، والجامعات، وحتى المؤسسة العسكرية لغرض الدفاع عن نفسها، للاستعانة بالعقول الغربية، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.
ويعتقد الخبراء منذ زمن بعيد أن العراق كان هو صاحب الحظ السعيد من الناحية النظرية بامتلاكه الطاقات والقدرات الثلاث: العقول، واليد العاملة، والثروة الطائلة، بيد ان ظروفاً سياسية حالت دون أن تتحول هذه المعادلة الى منطلق للنمو والتقدم.
وعندما يثار الحديث عن هذا الموضوع تتجه أصابع المسؤولية الى الحكومة والنظام السياسي فوراً، بأن عليه تنمية هذه القدرات من خلال مناهج تعليمية رصينة، ثم الاستفادة من الخريجين من الجامعات وما يحملونه من كفاءات علمية في مشاريع تنموية وبرامج مختلفة تخدم الدولة والشعب.
الجميع متسمّرون الى رئيس الجمهورية، او رئيس الوزراء، ومن معه من الوزراء، ومن يقف خلفهم في السلطة التشريعية (مجلس النواب) المنتخبين من قبل الشعب، بان عليهم إعداد القوانين التي تهيئ الارضية لتحقيق هذا الطموح والأمل الكبير.
ولكن!
ماذا لو زلّت قدم هذا المسؤول أو ذاك نحو طرق الفساد والطغيان والاستئثار بالحكم والثروات؟ ما عسانا نفعل؟
هل نجلس في بيوتنا ونندب حضنا العاثر أو في أحسن الفروض؛ نخرج منفجرين بالغضب والاحتجاج على شكل تظاهرات جماهيرية تتخللها وقفات واعتصامات وإضرابات، مع جولات عنف واصطدام مع قوات “مكافحة الشغب”؟! علماً أن في دولنا القائمة على الديكتاتورية اساساً، وإن تلبّست برداء الديمقراطية فانها قد حصنت نفسها مسبقاً من أي تأثير لهكذا اعتراضات جماهيرية مهما كانت التضحيات والدماء.
إذن؛ لم يبقَ إلا العودة الى الأسرة التي تحتضن أهم قدرتين؛ الذهنية والعضلية، وربما في بعض الحالات يكون للبعض شيئاً من القدرات المالية الخاصة، بيد ان نشوء الافراد لا يكون إلا بين الأبوين وفي حضن الأسرة الدافئ، فالطفل الذي يحبو بين يدي أمه وأبيه، ثم تطفو على وجهه تلك الابتسامات الرقيقة التي تبعث النشوة والارتياح في النفوس، لابد أن تستتبعها ظهور مهارات وقابليات في مراحل عمرية متقدمة، والامر يشمل البنين كما يشمل البنات ايضاً، وقد بحث علماء التربية في هذا الجانب كثيراً، وفصلوا في العوامل المساعدة لتنمية القدرات الذهنية، كما يهتم الأبوان دائماً بتنمية القدرات البدنية والحفاظ على سلامة ابنائهما.
هذه التنمية بحاجة الى اهتمام خاص وبرنامج منسجم من الابوين للبحث، ثم بلورة ما يظهر من مهارات على سلوك الطفل، كأن يكون الركون الى الهدوء واللعب باقلام الرسم والكتابة، علامة على توجه معين واضح، أو يكون التحرك المتزايد والانفتاح على الاخرين، لاسيما الكبار وإظهار المجاملة وغيرها من الاشارات ما يدل على يمكن ان يوصل الطفل في مستقبله الى مدارج العلم والعمل في الحياة كونه “شاطر” كما يعبّر عنه في التعبير الدارج، ولو أن الهدوء والسكينة لا تلغي الشطارة بأي حال من الاحوال، فربما تكون شطارة من نوع آخر.
في الوقت الحاضر، في العراق، وفي كثير من بلادنا، نشهد عملية قتل للعقل بشكل غير مقصود ومؤسف حقاً على يد الأب أو الأم، او الاثنين معاً.
وبالرغم من علمنا أن الأبوين يريدان دائماً مصلحة الابناء ويكنان لهم كل الحب والحنان، بيد ان الواقع يعطينا شيئاً آخر، وهذا يعود الى وجود مشاكل عدّة تعيشها الأسرة، ويكون الطفل البريء ضحية لها، نذكر منها:

  • أولاً: المشاكل النفسية

وهي ما تعيشه معظم مجتمعاتنا المأزومة سياسياً واقتصادياً مما ينعكس مباشرة على الوضع الاجتماعي وعلى الافراد جميعاً، هذه الازمات التي يعجز عن حلها الساسة، مع ما لديهم من امكانات وقدرات، تجعل الناس تتخبط في مسارات الحل، فنجد كل فرد يسعى لأن ينجو بنفسه من أزمة المال، او فرصة العمل –مثلاً- أو السكن، وسائر القضايا العامة التي تهمّ الجميع ويفترض ان تكون ضمن الاهتمامات المشتركة وفق المنظومة الاجتماعية الاسلامية التي تدعو الى التكافل والتعاون.
هذه الازمة النفسية تولّد بشكل لا إرادي عقد نفسية لدى الكثير –إن لم نقل جميع الناس- إلا ما رحم ربي، ومن هذه العقد؛ فقدان الثقة، واليأس، والأنانية، وفي طريق نمو الطفل تنمو معه هذه الحالات السلبية والطريقة الخاطئة في التفكير الموجودة لدى الأبوين، ثم ينقلون العدوى الى الطفل الذي سينظر الى العالم من حوله وهو في مرحلة الشباب، بمنظار أسود لا مجال فيه للتفاؤل والايجابية.

  • ثانياً: المشاكل المالية

وهي المشكلة الكبرى التي تقض مضاجع الكثير في كل مكان، وهي ايضاً مما تخلفه الانظمة السياسية الفاشلة في بلادنا التي تترك الناس في متاهات العمل والبحث عن لقمة العيش في كل مكان، فيما الآخرون الأقدر في ساحات العمل، يكون همّهم الكسب الأكبر عبر الامتيازات الحكومية او الاستئثار بالمال في السوق وإن كان بالطرق غير المشروعة وغير الانسانية.
فإذا يكون اهتمام العائلة في هذا الاتجاه، كيف يجدون الفرصة للتفكير فيما يضمره الطفل من ابداع وعقل وقدرات ذهنية؟
أعمل.. أعمل.. ثم أعمل لجني المال! هذا شعار معظم الأبوين يضعونه أمام الطفل الصغير، حتى وهو مشغولٌ بدراسته وتحصيله العلمي في مراحل متقدمة، على أن مستقبله مرهونٌ بالمال، ولا ضمان له في الحياة، بل لا أمان له إلا بسلاح المال، والمال فقط!!

  • ثالثاً: المشاكل الزوجية

اختلاف الافكار والتوجهات التي أشرنا اليها آنفاً، تمنع من بلورة منهج موحد وبرنامج مشترك من الزوج وزوجته للعناية بقدرات الابناء، وربما هنالك أسر لا تشكو من مشكلة مالية، ولا مشكلة نفسية، فكل شيء لديهم على مايرام –الى حدٍ ما- إلا تطرّف الأب الى منهج معين في الحياة، مقابل تعصّب الأم لطريقة معينة يجعل البيت ساحة صراع إرادات، فتعلو أصوات النقاش والجدال العقيم على أتفه الامور داخل البيت، فضلاً عن مسائل كبرى تتعلق بالتربية.
مثال ذلك؛ رغبة أحد الزوجين في الابقاء على علاقات الصداقة أيام الشباب والخروج هنا وهناك، لاسيما الى بيوت الاقارب وجلسات السمر وقضاء الوقت في المقاهي والنوادي او في الاسواق والمجالس وغيرها. أو مشكلة التبذير وعدم وجود رؤية للاقتصاد في ميزانية الأسرة، او ربما في طريقة التعامل مع الاقارب والآخرين، وغيرها من التباينات التي تنتج نقاط افتراق عدّة ومن ثم الطلاق.
صحيح إن الانسان ليس معصوماً من الزلل والخطأ، ولا بيت إلا فيه بعض التقاطعات في الأذواق والاجتهادات، بل هي الحالة الصحية والطبيعية كون الاختلاف أمر طبيعي ومما فطر عليه الله –تعالى- البشر، ولكن هذا لا يعني عدم الاهتمام بنشأة الطفل ثم الشاب وإعداده للمستقبل الذي يعنيه هو شخصياً ايضاً يعني مصلحة أسرته، ومن ثم مجتمعه. وكلما وفّر الأبوان والأسرة عوامل النمو الصحيح للقدرات الذهنية والعضلية ايضاً للطفل، كلما كانا قادرين على تقديم العلماء والموهوبين والمبدعين الى المجتمع والدولة بأكثر عدد ممكن من شأنه، ليس فقط يزيل غمامة الازمات والمشاكل من وجه البلد، وإنما يبشر بمسقبل مشرق وواعد ينعم به الجميع.