حوار حول سورة الأعلى – القسم الرابع

(من الآية التاسعة إلى الآية الخامسة عشرة )

0

 

إثارة العقل

* لماذا أمر بالتذكر وقال تعالى: {فذكّر}؟

– لأن الله َيسَّرَ شريعته للناس، ويَسَّرَ الحياة لهم بها؛ ولذا أمر بالدعوة اليها عبر المنهاج الميسر المتمثل في التذكرة. أليست التذكرة تستهدف إثارة العقل وإيقاظ الضمير ليبصر الانسان الحقيقة بنفسه ومن دون حجاب او وسيط؟

 

شروط التذكرة

* التذكرة تنفع الناس جميعا؛ شاؤوا الإنتفاع بها أم أبوا؛ فلماذا جاء بها مشروطة وقال تعالى: {إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}؟

– كلا؛ إنها لن تنفع من لا يخشى؛ لأنها إثارة العقل من داخل الانسان، وشرط نفعها استعداد الانسان للتأثر بها، أما القلب الجامد الجاحد المتصلب فانه أشد من الصم الصياخيد، وهكذا قال ربنا: {إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}.
وهذا يعني ان تذكرتك نافعة مع وجود الشروط الموضوعية لها، اما بدونها فهي لا تنفع؛ لا لنقص فيها وإنما للصد من قبلهم، وهذا لا يعني الكف عن التذكرة ان لم تنفع إذ لا يفهم نفعها او عدم نفعها إلا بعدها، وهذا مثل ان نقول: طلعت الشمس إن رأيتها، هذا واضح إن فكرت.
وقد اختلف المفسرون في معنى الآية؛ قال الجرجاني: التذكيـر واجب وإن لم ينفع؛ والمعنى: فذكّر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع؛ فحذف «وإن لم تنفع»، كما قال تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ}، (سورة النحل: 81)؛ والمعنى: تقيكم الحر والبرد؛ فحذف «والبرد». وقال ابن عباس: تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي، وقال البعض: «إن» هنا بمعنى «إذ» كقوله تعالى: {وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، (سورة آل عمران: 139)؛ فكأنه قال: وأنتم الأعلون إذ كنتم مؤمنين.
والأقرب: ان كلمة «إن» هنا الشرطية في الظاهر؛ ولكن المراد منها هنا ليس ظاهرها، كما ان أداة الإستفهام تطلق ويراد بها التقرير، او الإنكار؛ او ما اشبه. ولأن الذكرى تسبق معرفة نفعها وعدم نفعها؛ فان الشرط انما هو لبيان فائدة التذكرة لا اصلها.

 

هذا يتذكر وهذا يتجنب

* قال – تعالى- بعد ذلك: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى}؛ لماذا جعل الخشية شرطا لنفع الذكرى؟ ولماذا يتجنبها الأشقى؟

– التذكرة للجميع؛ انها موعظة للمؤمن، وحجة بالغة على الكافر، والدليل ان المؤمن يتذكر بها، بينما الأشقى يتجنبها .والخشية ميراث المعرفة؛ ولذا قال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى}؛ فمن لم يفكر في المستقبل ولم يعش وعيه لا يستعد له؛ فلا يبحث عما ينفعه فيه، ولا يتحذر ما يضره فيه.
وهكذا جُعلت الخشية، التي هي فعل الانسان نفسه، شرطا لنفع الذكرى؛ لنعرف ان علينا ألا ننتظر الهدى من دون سعي منا اليه، بلى؛ لو تقدمت الى الله شبرا تلقاك رب الرحمة بفضله مترا وأكثر.
اما الكافر الذي بلغ من الشقوة درجة سدت أبواب المعرفة أمامه؛ فانه يتجنب التذكرة؛ ولذا قال تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى}؛ فهو يهرب منها كما لو انها تضره، ويضع أمامه حواجز لكي لا تصل اليه، ويلفق حول صاحبها التهم عساه يقنع نفسه بانه على حق، وهو الأشقى لأنه لا يُرجى له علاج؛ فقد يكون الأقل منه شقوة ينتفع بالذكرى في بعض ساعات حياته.
ومثل هذا الانسان لا يصلح إلا للنار؛ لأنه أعدم كل عناصر الخير في ذاته؛ ولذا قال تعالى: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}.

 

أشد وأبقى

* نار الآخرة كنار الدنيا؛ تحرق، وتجعل الشيء رمادا؛ أليس كذلك؟

– نار الآخرة ليست كهذه النار التي نراها في الدنيا؛ انها أشد وأبقى. وقد بين الحديث المأثور عن الامام الصادق، عليه السلام، مدى الفرق بينهما بالقول: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وقد أطفئت سبعين مرة بالماء ثم التهبت، ولولا ذلك لما استطاع آدمي أن يطيقها».(1)

 

إمكانات الجسم المتألم

* كيف يتحمل جسم الانسان هذه النار العظيمة فلا يحترق ويصبح رمادا او غازا كما أصبحت الأشياء التي أحترقت بنار القنبلة الذرية،مثلاً، والتي لا ريب انها اقل بكثير من نيران جهنم؟

– بلى؛ ربنا يعطي الجسم المزيد من الامكانات تمهيدا لتألم صاحبه.
أَوَلَم يقل ربنا سبحانه:
{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}، (سورة النساء: 56)؟
وهكذا يبقى الأشقى في النار بين الموت والحياة؛ فكل اسباب الموت موجودة، وكل عوامل الحياة مفقودة؛ ولكنه لا يموت بقدرة الله؛ ولذا قال تعالى:
{ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى}.
ومثال ذلك في الدنيا أن بعضهم يُبتلى بعذاب الدنيا من فقر، ومرض، وسجن، وقلق، و… و…؛ ولكنه لا يموت فيستريح.

 

نحو الفلاح المنشود

* تلك كانت عاقبة الذي يتجنب التذكرة؛ اما الذي تذكر؛فقال – تعالى- عنه:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}؛ فهل هذا هو الفلاح المنشود؟

– إن الذي تذكر؛ فانه يتدرج في معارج السمو حتى يبلغ الذروة. انه – بعد التذكر- يزكي نفسه من رواسب الشرك بالله؛ فلا يقدس أحدا سواه؛ بل لا يخاف أحدا حق الخوف، ولا يرجوه حق الرجاء سوى ربه الأعلى، ويسعى لتطهير قلبه من حب الدنيا، والتكاثر منها، والتنافس على حطامها، ويتحرر من الغل تجاه إخوانه ومن الحسد والحقد والعصبية؛ وهكذا يبلغ الفلاح الذي يعني وصول الانسان الى هدفه الأسمى؛ وهو قوله – تعالى-: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}.
انه يبحث عن الطهارة؛ طهارة قلبه من رواسب الشرك وأخلاقه الرذيلة، وتطهير ماله وحقوق الفقراء (بما يسمى زكاة بوجه عام)، وتطهير جسده من النجاسات.
ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، انه قال (في تفسير الآية): «أخرج زكاة الفطر» (2).
وبهذا التفسير لكلمة «التزكّي» نجمع بين الآراء المختلفة في تفسيرها من زكاة القلب من الشرك الى زكاة المال من حق الآخرين.

 

الصلاة وحالة الخشوع

* في قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}؛ لماذا جاء اسم الرب؟ وماذا أراد بالصلاة؟

– بعد ان يتزكى القلب، يتلقى نور ربه؛ فيذكره بانشراح، ويصلي له بخشوع.
وفي هذه الآية المباركة – أيضا – ذكر الاسم وأُريدَ المسمى. أَوَلَيست الصلاة له وليست لاسمه سبحانه؟
والقلب من دون تزكية لا يتلقى نور الذكر؛ فان كل عقدة نفسية أو ضلالة شركية أو انحراف خلقي يشكل حجابا بين العبد وربه؛ فأنى لمن يشرك بالله ان يعرفه، وأنى لمن غمر قلبه بحب الدنيا وزينتها ان يتفرغ لرُؤية جمال الخالق ونعيمه في الآخرة؟! أولم يقولوا: حب الشيء يعمي ويصم؟.
والصلاة، هنا، كل حالة خشوع لله ولرسوله، ولمن أمر الرسول، صلى الله عليه وآله. انها التسليم التام لله؛ ولذلك جاء في بعض النصوص تأويلها بصلاة العيد، وفي بعضها تأويلها بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وآله. بلى؛ إنهما – معا – مظهران لحالة واحدة؛ فمن سلم لله سلم لرسوله، ومن صلى صلاة العيد فانما يصليها خلف إمام نصبه الله، وأمر باتباعه الرسول، صلى الله عليه وآله؛ أليس كذلك؟
هكذا سئل الامام الصادق، عليه السلام، عن قول الله عز وجل:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} قال: «من أخرج الفطرة».
قيل له: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}؟ قال: «خرج الى الجبانة فصلى».(3)(4)
وجاء في حديث مأثور عن الامام الرضا، عليه السلام، انه قال في تفسير الآية: «كلما ذكر اسم ربه صلى على محمد وآله». (5)
————-
1- تفسير نمونه/ ج26/ ص400؛ نقلا عن موسوعة لبحار/ ج8/ ص288.
2- تفسير القرطبي/ ج20/ ص21.
3- الجبانة: الصحراء؛ لأن صلاة العيد تصلى فيها.
4- تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص565.
5- تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص565.