الرؤى الاصلاحية في ساحات التظاهر

0

شهدت ساحات التظاهر مجموعة من الظواهر الحضارية التي تنبأ عن وعي القائمين عليها ،إذ ترجم المتظاهرون رصيدهم الثقافي على ارض الواقع وبين صفوف الجماهرير المتفاعلين معهم في سبيل رفد الشباب بالتنوع المعرفي والعلمي تعبيرًا عن حبهم لوطنهم وشعورهم بأهمية المشاركة الحضارية في بناء الوطن والمواطن ، وقد تخلل ذلك دعماً لوجستياً من قِبل الميسورين من الاهالي والتجار وغيرهم، إذ شكلت الرؤى الاصلاحية صورة حضارية نقية ترمز إلى وعي الجيل القادم في بناء المسقبل، وإدراكه المستنير للمفاهيم الإنسانية والقيم الدينية والإجتماعية.
ولإجل استمرار هذا النسق الحضاري الجميل،حاول المتظاهر المحافظة على مبدأ سلمية التظاهرات، وأبعادها عن مختلف انواع العنف النظري والعملي من إجل الاستمرار في ممارسة دورهم الريادي لصناعة الوعي الاجتماعي لدى الجماهير، إذ المحافظة على سلمية التظاهر عنصراً رئيسياً يضمن قانونية التواجد وشرعية الاعتصام، ولأجل المحافظة على ذلك ابتعد المتظاهرون بمختلف اطيافهم عن كل ألوان العنف المفضي الى نفي الشرعية القانونية عن عنها، وان تخلل هذه السلمية بعض الممارسات العدائية ضد الطرفين فإن ذلك مردّه إلى سهولة اختراق التظاهرات بسبب ضعف التنظيم التظاهري والجهد الأمني الذي تقع عليه المسؤولية الاكبر، إذ اختراق التظاهرات من قبل المندسين يقضي على مشروعية التظاهرات وتحويلها إلى تجمعات تخريبية تستهدف أمن البلد وسلامته، وتجعلها طرف معادي مُستهدف من قِبلِ الاجهزة الامنية، وهذا ما يفضي إلى ضياع جهد الحراك السلمي .

  • ساحات التظاهر .. وصناعة الوعي التغييري

في الوقت الذي يُحافظ فيه المتظاهرون السلميون على إشاعة روح النقد البنّاء لممارسات الفساد الحكومي، وهذا ما يساهم في بلورة الرؤى الاصلاحية في ساحات التظاهر تعبيرًا عن وعيهم وحبهم لبلدهم ولذلك تنوعت ممارسات الاصلاح الجماهيري بين إقامة المجالس الثقافية والدينية والتعليمية الاكاديمية، فقد عقد المتظاهرون في كربلاء المقدسة جلسات ثقافية حول أهمية القراءة، وقاموا بإنشاء مكتبة صغيرة للمطالعة، والتسلح بقيم العلم وهكذا تم التركيز على اهمية النظافة خصوصًا في أماكن تجمع المتظاهرين، وإقامة المحافل القرآنية للمحافظة على قيم الرسالة، وصناعة التغيير السياسي على أُسس الضوابط الشرعية والقانوية من خلال اختيار الشعارات التي لا تخرج عن الإطار الاخلاقي، وطريقة التعبير العام ضمن النسق القيمي للمطالب المشروعة، وقد ساعد ذلك عنصر التحدي الاخلاقي الذي عمل الشباب المتظاهر من اجل تأكيده في الممارسة الاحتجاجية.

  • الوجه الحضاري للتظاهرات

كانت الذات الواعية للجماهير حاضرة بقوة في ساحات التظاهر، ومدركة لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، لهذا لم يغب عن وعيهم الجمعي أداء مهامهم الفردية في مختلف الحقول المعرفية أو المهنية، إذ مارس اساتذة من قسم الاعلام والقانون والرياضيات والدراسات القرآنية إلقاء محاضرات تخصصية وعامة للطلبة وبعض المشاركين في التظاهرات الشعبية، من اجل ثقيف الجمهور وتزويدهم بالسلاح العلمي المعرفي ووضع الشعب أمام الصورة الحقيقية لحاضرهم ومستقبلهم.
إنّ هذه الصور الايجابية وأن تخللها بعض التصرفات اللامسؤولة، تضعنا أمام محور مهم من محاور التطور الاجتماعي والاخلاقي لبناء البلد وصناعة الدولة الحضارية الحديثة ، إذ غالباً ما تعتمد البلدان العصرية الحديثة على مجموعة من الركائز التي تمثل الاعمدة الرئيسية التي يقوم عليها نظام الدولة، ونحن إذ نشرع بتشييد النظام الديمقراطي لا بد من الاعتماد على مفاهيم المواطنة والحرية والقانون العادل والعلم النافع، والانفتاح على العالم والإيمان بمبدأ الحوار والنقد التكاملي والاخلاق الاجتماعية، لذلك إن تمسك المتظاهرون بهذه المبادئ واظهروا لنا الصور الحضارية كان بالامكان تجاوز الواقع المأساوي والعمل بروح الجماعة وبناء الدولة الحضارية .