ما جديد المتربصين بالشعائر الحسينية؟

0

يعتقد الكثير أن المتربصين بالشعائر الحسينية هذا العام سيختارون باباً جديداً يدخلون من خلاله الى مشاعر الناس وعقولهم في محاولة منهم لتحجيم هذه الشعائر، او التقليل من أهميتها، ففي الاعوام الماضية دأب ما بات يُعرف بالذباب الالكتروني على العزف على وتر الفقر والخدمات وما يثير حفيظة الناس طيلة الايام الماضية ويكدّر عليهم عيشهم، من قبيل؛ “بدلاً من الانفاق على المواكب الخدمية وإطعام الزائرين اطعموا الفقراء”، يرفعون لواء مناصرة الفقراء في هذه الايام، وأنهم الأولى بالانفاق لتوفير الطعام والسكن والزواج وحتى التعليم والماء والكهرباء!
باتت هذه النغمة غير محبذة، ولا مفيدة هذه الايام بعد أن رفضها المنطق والعقل وكشف زيفها الرأي العام، على أن الانفاق في شهري محرم وصفر يأتي بالدرجة الاولى من الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وهم الاكثر حضوراً في الشعائر الحسينية، لانهم يجدون في الامام الحسين وقضيته؛ الملاذ الوحيد الذي يبثون فيه شكواهم، ويجدون فيه حلولاً لازماتهم، فهو ناصر المظلومين والمضطهدين.
وقد جاءت حادثة الشجار الحاصل في مطار مشهد المقدسة بين امرأة عراقية وضابط الجوازات، وما حصل من اعتداء على المرأة العراقية، ليكون بمنزلة عود ثقاب للمتربصين ليشعلوا به مواقع التواصل الاجتماعي ليس دفاعاً عن المرأة المتضررة، وإنما لإثارة النعرة القومية القديمة بين ايران والعراق، وربط الموضوع فوراً بزيارة الايرانيين الى العراق خلال شهري محرم وصفر، وبشكل فجّ انطلق “الذباب الالكتروني” ليدعو العراقيين بالتعامل بالمثل مع الزائرين الايرانيين في العراق! او على الاقل؛ عدم التعاون معهم والعمل لإحياء الشعائر الحسينية كما في السابق.
نستذكر حديث الامام علي، عليه السلام: {الناس أعداء ما جهلوا} ، لنعرف حجم التعكّز على قلّة الوعي وغياب الحقيقة لإثارة الفتن في جسم الامة وهي تستعد لإحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، وأبرز مثال قريب على ذلك؛ الجعجعة التي خلقوها على الانترنت في الايام الاولى من حادثة مطار مشهد، عندما كانت المعلومات من جهة واحدة، والجميع يبني قناعته على ما تحدثت به المرأة في الساعات الاولى أمام عدسات الموبايل وأنها تعرضت للاعتداء من الضابط الايراني، بيد أن الوضع اختلف كثيراً بعد أن انبرى مواطن من مدينة السماوة كان حاضراً في مسرح الحدث، وكشف الحقيقة كاملة، بأن الحادث كان عبارة عن فعل ورد فعل لا غير، المرأة العراقية صفعت الضابط الايراني، والاخير ردّ عليها ضمن تفاصيل الحادث المعروف.
إن المبادرة الخيّرة والحضارية للمواطن السماوي الذي نشر صورته على مواقع التواصل الاجتماعي، تمثل بالنسبة لنا نموذجاً ناجحاً لكيفية كشف الحقائق والتوقف عند أي حدث مهما كان حجمه وأبعاده، والتحقق من خلفياته قبل الحكم عليه.
و اذا كان وجود هذا الحسّ الاعلامي ضرورياً في الاوقات كافة، فانه يتأكد بإلحاح في أيام عشوراء الامام الحسين، وايضاً في أيام زيارة الاربعين، لان الشعائر المختلفة لإحياء هذه المناسبة، تتعرض كل عام، ومنذ ايامها الاولى الى موجة معدّ لها سلفاً، من التشكيك والتحجيم، ونلاحظ الحرص على هذا التحجيم عندما تخلق هذه المناسبة مناظراً باهرة لا مثيل لها في العالم من التلاحم والاندماج بين مختلف الجنسيات والاعراق والقوميات للمشاركة في إحياء قيم النهضة الحسينية، ونخصّ بالذكر، بالدرجة الاولى؛ الزائرين من الجمهورية الاسلامية الذين يشكلون الغالبية العظمى من الزائرين من خارج العراق. وجود هؤلاء في كربلاء المقدسة، لا يرتبط بالمناسبة وحسب، ويبين للعالم حجم التفاعل الانساني مع قضية الامام الحسين، إنما لها ابعاد انسانية وحضارية واسعة، تبين عمق المفاهيم والقيم الحسينية القادرة على تذويب الفوارق، وتذليل العقبات مهما كانت، للاندماج في مسيرة واحدة مع حشود الزائرين.
الكلمة الوحيدة التي تحتاجها الجموع الزاحفة من كل انحاء العالم صوب كربلاء المقدسة، هي؛ الترحيب والتحفيز والتشجيع على المزيد من التفاعل بكل اشكاله؛ التفاعل بالحضور؛ رجالاً ونساءً وحتى أطفالاً، والتفاعل بالدعم المادي والمعنوي للمواكب الحسينية، والتفاعل بالكلمة الطيبة والبناءة.
في أي بلد بالعالم يشهد طقوس و مراسيم دينية او حتى كرنفالات واحتفالات يحضرها الملايين، لا تصمد أمام تهديد أمني او خلل في الخدمات أو أي عقبة اخرى، سوى ما يحصل في كربلاء المقدسة، فقد أثبتت أن كل شيء يهون أمام زيارة الامام الحسين، عليه السلام، ولا أدلّ على ما نقول مما يرويه التاريخ لنا من تسابق الزائرين في العهد العباسي على تقديم الغرامات والجبايات للسلطات بغية السماح لهم بالوصول الى كربلاء، ثم وصل الأمر الى بتر الأطراف كضريبة للزائرين، فكانت المفاجأة في عدم الممانعة لتبقى جذوة النهضة الحسينية متقدة في النفوس، جيلاً بعد جيل.