مكارم الأخلاق

تأملات في مناجاة التائبين (4) التوبة قبل فوات الأوان

وَلا أَرَى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جَابِراً، وَقَدْ خَضَعْتُ بِالإنابَةِ إِلَيْكَ وَعَنَوْتَ بِالاسْتِكانَةِ لَدَيْكَ، فَإِنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ، وَإِنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنابِكَ فَبِمَنْ أعُوذُ، فَوا أَسَفاهُ مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضاحِي، وَوا لَهْفاهُ مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِراحِي”.

في  هذا المقطع يبين الامام زين العابدين، عليه السلام، أهمية وضرورة العلاقة مع الله ــ تعالى ــ حتى لا يعيش الانسان الحسرة والندم في يوم لا ينفع الندم، ولات حين مناص  ومندم.

الانسان لابد أن يراقب نفسه حتى لا يرتكب جرما بسببه يطرد من رحمة الله، ويُغلق عليه باب التوبة، لانه لا يوفق لذلك، لان هناك اعمالا تمنع التوفيق الإلهي، وتكِل الإنسان الى نفسه فيُحرم من التوبة، والرحمة، والخير الإلهي.

⭐ لا يوجد شيء في هذه الدنيا يحمي الانسان من أي ضرر غير الله ــ تعالى ــ

 “فَإِنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ” حينما يتعلق الانسان بالأمور الزائلة فهي لا تحميه، ولا يستطيع اللجوء اليها وقت الحاجة، ولا تغني عنه شيئا من عذاب، لان الذنوب تمنع الانسان من رحمة الله ــ تعالى ــ، لان صاحبها غير مؤهل للرحمة، وغير مستعد لفتح صفحة جديدة.

لا يوجد شيء في هذه الدنيا يحمي الانسان من أي ضرر غير الله ــ تعالى ــ؛ فحين يمرض الانسان يلجأ الى الله، وحين يحل عليه البلاء يلوذ بالله، لان الانسان ضعيف يُحرم من اشياء كثيرة في هذه الدنيا بسبب عمل من الأعمال، فقد يُحرم احدهم من المال، وآخر يطادر او يوضع في السجن، او ثالث غير محترم في مجتمعه، ورابع يحرم من الزواج وما اكثرهم في زماننا.

لابد أن يحسّن الانسان علاقته مع الباري ــ جل وعلا ــ حتى نعرف لماذا حرمه من نعمة ما، وتحسين العلاقة بتفقد ما إذا كان هناك تقصير تجاه الله ــ تعالى ــ؛ فقد يكون هناك من ظُلم بسبب عمل، او ضاع حقه بتفريط، ولذا لابد ان يجرد الفرد حسباته ليعرف ما هو عليه، حتى يتوب الى الباري ــ تعالى ــ ليتجاوز عنه.

“وَإِنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنابِكَ فَبِمَنْ أعُوذُ”

إذا ذهب الانسان الى الله ــ تعالى ــ وأرجعه فمن يعوذ؟

الله ــ تعالى ــ لا يُرجع احدا بدون سبب او ذنب، والذنب هو الذي يجعل الانسان يستحق الطرد، ولذا يجب ان لا نستخف بأعمالنا، ولا نستسهل الأمور، فلابد من مراقب تصرفاتنا، فقد يقوم احدنا بعمل يعتبره هينا، لكن فيه إيذاء للناس، كأن يطلب منك احدهم حاجة، وكنت قادرا على اعطائه، فرددته، فالله ــ تعالى ــ قد يردك من بابه!

“فَوا أَسَفاهُ مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضاحِي” تكون هذه النتيجة، أن يتأسف، وهذا يعبّر عن الحزن الذي يعيشه الانسان بألم شديد، وحين يُقتضح العبد يكله الله الى نفسه، فتتخبط أموره في الحياة، وهذه نتيجة ارتكاب المعاصي والذنوب.

في الدينا لا يزال للانسان متسعا من الوقت لتعويض ما فاته، حتى يدفع الحسرة والندامة يوم القيامة، لان الحسرة تكون شديدة في ذلك اليوم، واحد اسمائه “يوم االحسرة”.

⭐ الله ــ تعالى ــ لا يُرجع احدا بدون سبب او ذنب، والذنب هو الذي يجعل الانسان يستحق الطرد، ولذا يجب ان لا نستخف بأعمالنا، ولا نستسهل الأمور

“وَوا لَهْفاهُ مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِراحِي” واللهف ايضا تعبير عن الحسرة والحزن بسبب سوء العمل والاجتراح، وبما ارتكبه الانسان، ونحن نقرأ في دعاء كميل: “اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ العِصَمَ، اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ. اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ”. ويقول ــ تعالى ــ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، ولا احد يبرر فعله الظروف الخارجية، فالانسان مسؤول عن جميع اعماله.

لابد أن نراقب انفسنا لان ــ الباري تعالى ــ بصير، لانه هو الحاكم والناقد، وهوالذي لا يخفى عليه شيء، فما في نفس الانسان لا يخفى عليه فضلا عن الاعمال الظاهرة والمنكشفة.

يجب ان نصلح انفسنا والواقع من من حولنا، ونصدق النية بتطهير القلب، وذلك يكون بالتوبة النصوح المصلِحة، يقول ــ تعالى ــ: {تَابُوا وَأَصْلَحُوا}، فيجب ان نصحح ما عملناه من قبيح، ونسعى لتميم ما جنته ايدينا، وذلك كله بالتوبة النصوح التي لها أثر واقعي على النفس.


  • (مقتبس من محاضرة لآية الله الشهيد نمر باقر النمر)

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا