ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (20) أين نجد السعادة؟*

يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ، والْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْجَهَادِ:فَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَربَع شُعَبٍ عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُّبِ،.. و”من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات”.

لو طرحنا على انفسنا على هذا التساؤل لتغيرت فينا اشياء كثيرة: ماذا بعد؟

تقع حروب في الارض ويسقط شهداء وقتلى، والسبب في كل ذلك الصراع على حطام الدنيا والولع بما فيها من بهراج وزينة، لو ان كل واحد يريد المزيد، ويجمع ما لا ينفعه، وما لا يستهلكه، وطرح على نفسه هذا السؤال: ماذا بعد؟

إذا امتلك الانسان ما يريد ثم ماذا بعد؟

حصل على الذي يريد ثم ماذا؟

وجمع ما يريد من أموال ثم ماذا؟

حصل على الحكم والسلطان ثم ماذا؟

الانسان في هذه الدنيا يبحث عن السعادة في الخارج، وسعادته قي داخله، فلا احد يحصل على السعادة إن لم يغص في أعماق نفسه ويستخرج اللآلئ والحقائق، والزهد هو اول لؤلؤة، واول وصفة لسعادة الانسان.

حينما يقطع الانسان امله على الدنيا وما فيها يعيش مرتاح البال، حتى لو عاش معدما، لان سعادته في اعماقه، ولا يعيش المصائب، لان السعادة هي حالة يبحث عنها لكي يطرد بها المصائب، واكثر الباحثين عن السعادة اكثرهم مصيبةً، ومشاكل، فلا يحل مشكلة إلا ويتورط في جديدة بحثا عن السعادة التي لا تشترى بالمال لانها موجودة في عمق الانسان.

⭐ الانسان في هذه الدنيا يبحث عن السعادة في الخارج، وسعادته قي داخله، فلا احد يحصل على السعادة إن لم يغص في أعماق نفسه ويستخرج اللآلئ والحقائق

“من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات”، فما هي الدنيا: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ}، فمن يزهد في هذه الامور لا يشعر بمصيبة ولا يصاب بنكسة، ولا يشعر بشقاء، لانه اساسا أتى الى هذه الدنيا عاريا، وسيذهب عاريا، والمال الذي جمعه سيكون للترك، والاصدقاء الذين اكتسبهم للفراق.

  • سلمان ينهي عهد الأباطرة (الفارسية)

إيران كانت قبل الاسلام تخضع للأباطرة، فكان الامبراطور يعيش حالة خاصة فوق حالات الناس، والطبقية هي الحاكمة، وبعد أن سقط ذلك الحكم، عيّن سلمان الفارسي واليا على إيران، وحينما جاء ليستلم زمام الأمور خرج الناس لاستقباله، حتى وجدواً شخصا يلبس ثيابا بالية يمشي وحده، قادما من بعيد وبيده دواة وقلم، وقطعة جلد يجلس عليها، ومفخرة للماء، فتجمّع الناس حوله وقالوا: يا هذا هل رأيت السلطان سلمان الفارسي؟

فقال سلمان: أما السلطان فلا وأما سلمان فأنا، وحين استلم أزمّة الأمور استأجر دكانا وجلس فيه، وترك تلك القصور الفارهة، وحين عاب عليه البعض، قال: فاز المخفون. وبعد فترة من الزمن اصاب المنطقة سيل ضخم فهرب الناس وعند خروجهم كان كل واحد منهم يحمل على ظهره ما يستطيع حمله من أثاث وأموال، وكانوا يركضون والدموع في وجههم حزنا على ما تركوه، لكن سلمان كان يمشي على مَهَل، وبيده إبريقه، وعلى كتفه قطعة جلد يجلس عليها، فالتفت إليهم وقال: ألم أقلكم فاز المخفون!

يقول النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: لا يجد احد حلاوة الايمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا . ثم قال: حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا. “ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات”.

“ليس الزهد ان تملك الشيء انما الزهد أن لا يملكك شيء”، وبتعبير آخر هو اللامبالاة بما يرتبط بأمور الدنيا، فحين يحصل الانسان ـ مثلا ـ على بيت لا يفرح، وإذا خسره لا يحزن، فكما أن هناك لا مبالون بأمور دينهم وآخرتهم، فإن الزهد هو العكس من ذلك تماما.

أما إذا عاش الانسان مهتما جدا بثيابه، ولا يبالي بأمور أمته، وتراه مهموما جدا إذا خسر ماله، ولا يهتم شيئا إذا خسر قرآنه، فالزهد هو الاعراض عن الدنيا ولا يعني ذلك عدم امتلاكها.

“الزهد ثمرة اليقين”، فإذا كأن الانسان متيقنا بوجود الله، ووجود الآخرة، والجنة والنار، حينئذ يكون زاهدا، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “كيف يزهد في الدنيا من لم يعرف قدر الآخرة”، وفي كلام له يصف فيه المتقين: “أما المؤمنين فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم النار كمن قد رآها فهم فيها معذَبون”.

الإمام الحسين، عليه السلام، يخرج من المدينة المنورة، وله من الأثاث ما يحمل على الآبال والنوق، وعنده أكثر من زوجة، ولديه اولاد، ولكنه في لحظة يعطيها كلها في سبيل الله، فقلبه ليس متعلقا بشيء من الدنيا، إنما علقة قلبه بالله. يقول امير المؤمنين، عليه السلام: زهد المرء فيما يفنى على قدر يقينه فيما يبقى”.

الزهد هو التعامل مع الدنيا من موقع القوة لا من موقع الضعف، احيانا ترى إنسانا ترتجف رجلاه أمام جمال امرأة، او ترتجف يده امام جاذبية مال، او تراه يسقط على الارض لاجل منصب، فإذا به يصبح عبداً أمام الأمير او الرئيس! أما الزاهد في الدنيا فقد اعتق نفسه، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “من زهد في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربه”.

عن الإمام الصادق، عليه السلام، قال: أرسل عثمان إلى أبي ذر موليَين، ومعهما مئتا دينار، فقال لهما: انطلقا بها إلى أبي ذر، فقولا له: إن عثمان يقرؤك السلام، وهو يقول لك: هذه مائتا دينار، فاستعن بها على ما نابك.

فقال أبو ذر: فهل أعطى أحداً من المسلمين مثل ما أعطاني؟!

فقالا: لا.

قال: فأنا رجل من المسلمين، يسعني ما يسعهم.

فقالا له: إنه يقول: هذا من صلب مالي. وبالله الذي لا إله إلا هو ما خالطها حرام، ولا بعثت بها إليك إلا من حلال.

فقال: لا حاجة لي فيها. وقد أصبحت يومى هذا وأنا من أغنى الناس.

⭐ الزهد هو التعامل مع الدنيا من موقع القوة لا من موقع الضعف

فقالا له: عافاك الله وأصلحك، ما نرى في بيتك قليلاً ولا كثيراً مما تستمتع به.

فقال: بلى، تحت هذا الأكاف الذي ترون رغيفا شعير، قد أتى عليهما أيام، فما أصنع بهذه الدنانير؟! لا والله، حتى يعلم الله أنى لا أقدر على قليل ولا كثير، وقد أصبحت غنياً بولاية علي بن أبي طالب، وعترته الهادين، عليهم السلام، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.

وكذلك سمعت رسول الله، صلى الله عليه وآله، يقول: إنه لقبيح بالشيخ أن يكذب. فردها عليه، وأعلماه أنه لا حاجة لي فيها، ولا فيما عنده، حتى ألقى الله ربى، فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه.

الفرق بين الزهد والرهبة، أن الرهبنة في عيش الانسان وحده بعيدا عن الواقع، اما الزهد فبالعكس وهو ان يعيش الانسان في الواقع، ويدفعه الى ان يكون في المقدمة دائما، في الجهاد، والعمل الصالح، والعطاء للآخرين، أما الرهبنة فهي ترك اصلاح الناس، والانشغال باصلاح النفس.

إن الله اعطى هذه الدنيا ولم يمنع المؤمن من الحصول عليها، ولا يقول: أحدهم ليتقدم عليَّ اليهودي! فالدنيا خلقت للجميع، لكن يجب أن لا تختلط على المؤمن الوسيلة والأهداف، فالمال والحياة وسيلة، فقدْر الطعام وجد للطبخ فيه لا أن يؤكل. إن معرفة حقيقة الدنيا هي التي تجعل الانسان زاهدا فيها، فهذه الدنيا لابد وأن تنتهي في يوم من الأيام، بهذه النظرة الواعية يمكن للإنسان ان يعيش طليقا من أسر الماديات التي تعيق حركته التكاملية.

_______

  • مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي (حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا